موضوعية الإعلام العربي لا تتحقق بالتمثيل العادل لكل الأطراف

برامج أزمة سد النهضة أقرب إلى السيرك السياسي منها إلى البرامج الإعلامية.
الجمعة 2021/07/23
كل ضيف يدافع عن الموقف الرسمي لبلده

تعالج بعض وسائل الإعلام العربية أزمة سد النهضة بطريقة شكلية تعتمد على تمثيل جميع الأطراف دون معايير مهنية محددة بالثقافة ودراية الضيف المتعمقة بهذا الملف، ما جعل عرض وجهات النظر بمثابة صراع سياسي فيما الموضوعية تاهت وسط السب والقذف.

القاهرة - لماذا تختزل الكثير من وسائل الإعلام العربية صفة الحياد والموضوعية في الحرص على تمثيل جميع وجهات النظر؟ وهل هذا الاتجاه يكفي لعدم اتهام هذه الوسيلة أو تلك بالانحياز إلى طرف على حساب آخر؟ ولماذا زادت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة بصورة لافتة؟ وكيف يتم قصر المهنية في عملية تبدو شكلية؟ ولماذا نجدها في قضايا وتغيب في أخرى؟ وهل حقق هذا الاتجاه أهداف بعض وسائل الإعلام من انتشار وتأثير في الرأي العام ومخاطبة شريحة عريضة منه؟

بدأت هذه المسألة تظهر بوضوح في معالجة أزمة سد النهضة بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، وتكاد تكون مختفية في غالبية القضايا الأخرى المطروحة على الساحة العربية، خاصة تلك التي يبدو فيها اللون الأسود غير متداخل مع الأبيض، والتي تعكس مواقف سياسية لا لبس فيها وتنطلق معالجتها من زوايا أكثر سهولة.

تتزايد معالم أزمة سد النهضة في وسائل الإعلام العابرة للحدود، أو بمعنى أدق التي لا تخاطب القارئ أو المشاهد المحلي فقط، أملا في تعزيز وصولها إلى فئات مختلفة، ويجد كل طرف ما يتصور أنه يعبر عن وجهة نظره، إذ تقوم بعض الوسائل باستحضار الضيف ليس من قبيل البحث عن المهنية بقدر ما يمثل ذلك هروبا من تهمة الانحياز في قضية تتشابك فيها جهات عديدة بصورة ظاهرة أو خفية في إطار حصة إعلامية مقررة سلفا.

المضمون المقدم في وسائل الإعلام التي تتبنى التمثيل الشكلي يبتعد عن الموضوعية مهما حاولت المحطة التمسك بها

ولجأت الكثير من الفضائيات العربية في تعاطيها مع أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى أسلوب التمثيل الكامل عند تغطية برامجها لتطورات الأزمة، واتخذت غالبيتها من استضافة شخصيات من الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) وسيلة للإيحاء بتغليب الموضوعية وقصرها على النواحي الشكلية، فعندما يجد المشاهد ضيفا من كل دولة قد يشعر بالراحة ويتوقع أنه سيشاهد قراءة تمثل كافة أطراف الأزمة.

وأصبح هذا الطريق جيدا في ظل حالة الاستقطاب التي تنتاب إعلام الدول الثلاث، والذي ينحاز إلى موقف بلاده الرسمي ويتعمد في معظمه التقليل من الرؤى المغايرة، وهو ما يكشف في رأي خبراء الإعلام عن سطوة الدولة على إعلامها ومحاولاتها الحثيثة لتوظيفه في خدمة أهدافها، وهذا معمول به في الكثير من دول العالم غير أن اللجوء إلى الدعاية على حساب وسائل الإعلام أفقد هذه الوسائل الدور التنويري الذي تقوم به في توجيه الرأي العام، ومالت المعالجة إلى التضليل كثيرا.

وللتخلص من الدعاية والانحياز معا لجأت بعض وسائل الإعلام العربية إلى مقاربة تمثيل الدول الثلاث بشكل منصف في الشكل أو من حيث الكم، لأن النخبة الممثلة في معظم البرامج قد تكون مختلفة وفقا لثقافة ودراية الضيف، ويكشف التدقيق في هذا التفاوت عن جانب خفي من انحياز القناة التي درجت على هذا العمل، فالضيوف ليسوا متساوين في الأفكار والطروحات والمعلومات الدقيقة.

الكثير من الفضائيات العربية لجأت في تعاطيها مع أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى أسلوب التمثيل الكامل عند تغطية برامجها لتطورات الأزمة
الكثير من الفضائيات العربية لجأت في تعاطيها مع أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى أسلوب التمثيل الكامل عند تغطية برامجها لتطورات الأزمة

تأتي مشكلة المعالجة المختلة من أن بعض البرامج تحولت إلى دعاية سياسية لكل دولة، فالضيف يدافع عن موقف بلده الرسمي بصرف النظر عن درجة المهنية، ووجدنا عراكا في الكثير من البرامج بين الضيفين المصري والسوداني من ناحية والإثيوبي من ناحية أخرى، ويبدو المشاهد وكأنه على طاولة مفاوضات وليس إزاء برنامج إعلامي، حيث تتصارع وجهات النظر في الدفاع عن المواقف السياسية دون اعتداد بالرؤى وما تنطوي عليه من موضوعية تاهت وسط السب والقذف.

تختلف هذه النتيجة عندما يكون الضيف محسوبا على المعارضة، وهو ما ظهرت تجلياته في بعض برامج قناة الجزيرة، خاصة عندما كانت المقاطعة السياسية بين القاهرة والدوحة في أوجها، ويقدم الضيف المصري مداخلته وهو يتبنى موقفا أقرب إلى إثيوبيا، وتراجع ذلك مع انفتاح الجزيرة القطرية والمصريين وبدأت تظهر أصوات قريبة من موقف القاهرة الرسمي.

ويقول خبراء إعلام إن المضمون المقدم في وسائل الإعلام التي تتبنى التمثيل الشكلي يبتعد عن الموضوعية مهما حاولت المحطة التمسك بها، وربما يكون هذا المضمون مضللا للمشاهد ويفقده متعة المعرفة المجردة، وهو ما انعكس سلبا على أداء بعض القنوات التي سعت نحو الهروب من تهمة الانحياز إلى طرف معين فجاء ذلك على حساب المهنية التي لا تقتصر على عملية التمثيل العادل، وكان من المفروض أن تتعاطى هذه القنوات بجدية مع مسألة التمثيل المنصف للجمهور وتقديم مقاربات على قدر واضح من المهنية.

وتقود بعض الاختيارات إلى التركيز على الشكل لأهداف سياسية والبعد عن المضمون المفيد الذي يُخرج بعض المحطات عن الحياد الذي تنشده، حتى تحولت الكثير من البرامج التي تتطرق لأزمة سد النهضة إلى صراعات على الهواء، يتصور البعض أن الأعلى صوتا فيها أكثر وطنية.

أزمة سد النهضة تتزايد في وسائل الإعلام العابرة للحدود أملا في تعزيز وصولها إلى فئات مختلفة

وتختلف حدة الصراع الإعلامي من محطة إلى أخرى وفقا لجاهزية مقدم (أو مقدمة) البرنامج، فكلما كان ملما بموضوع المناقشة استطاع أن يفرمل من يخرجون عن السياق الموضوعي، وأحيانا تنحرف المحطة عن مسارها خوفا من التعرض للاتهام بالانحياز كتهمة جاهزة لدى البعض من الضيوف.

من واظبوا على مشاهدة برامج أزمة سد النهضة بأنواعها وجدوا أنفسهم أحيانا أمام سيرك سياسي وليس برنامجا إعلاميا، فالضيف المصري يشتبك مع الإثيوبي أو العكس، وخرجت بعض البرامج عن سياقاتها وأهدافها في تسليط الضوء على الأزمة وتطوراتها، ويحسب لعدد كبير من الضيوف السودانيين موضوعيتهم مقارنة بمصريين وإثيوبيين كثر كادت تتحول مناقشاتهم إلى ملاكمات على الهواء.

ويعتبر البعض من الإعلاميين أن سخونة الحوار من دون اعتداد بالمضمون تكسبهم شعبية وجماهيرية ويتجاهلون أن مستوى التأثير الفعلي يتوقف على حجم اقتناع المشاهد بما يقدم له وليس بالمساهمة في تكريس الفجوة بين أطراف الأزمة، والتي حصد منها بعضهم شعبية في بلدانهم لمجرد أنهم دافعوا بعصبية عن مواقفهم الرسمية حتى لو شملت مغالطات أو تجاوزات مهنية.

واصطحبت هذه الأزمة وجوها باتت مكررة في بعض الفضائيات العربية، فهناك أسماء تنتقل من محطة إلى أخرى وتردد نفس الخطاب وهي مدركة أنها تتحدث لشريحة كبيرة من المشاهدين يمكن أن تتأثر به، وتنحصر الوجوه في عدد محدود من دون أن تتعب وسائل الإعلام في التنقيب عن أسماء جديدة تضفي ثراء، فتكرار الأسماء من العيوب التي تصيب بعض البرامج وتوحي بمحدودية النخبة في هذه الدولة أو تلك.

وسواء كان التكرار ناجما عن كسل واستسهال أو مقصودا للإيحاء بفقر الفكر، ففي الحالتين بات تعامل الإعلامي مع أزمة سد النهضة في بعض القنوات نموذجا للفشل، ولا يخلو من انحياز ولو حاولت بعض المحطات التنصل من هذه التهمة فعدم التدقيق في الاختيار للوصول إلى نخب حقيقية يحسب عليها، ذلك أن القيمة المهنية تأتي من تطوير الوعي والمعرفة وليس من الحرص على التمثيل العادل الذي لا يمكّن المشاهد من الحصول على وجبة إعلامية دسمة تتناول الأزمة بقدر عال من الموضوعية.

18