موضوعية المؤرخ وجرأة الناقد

ملفات تؤشر على مدى الاستجابة، من قبل حملة الأقلام العرب، للمغامرة التي تخوضها مجلة الجديد على ضوء من توجهاتها القائمة على إشاعة روح البحث والتفكير بحرية.
الأحد 2018/03/11
سينما المرأة ومسرح أبي خليل القباني (لوحة: بسام كوشجي)

منذ انطلاق مجلة “الجديد” أخذنا على عاتقنا مهمة توسيع دور المنبر الثقافي ليشمل الكتابة التي تبحث في مختلف الظواهر التي تشكل جغرافية الثقافة العربية.
في هذا السياق، هناك ضرورة معرفية تتمثل في قراءة المنجز العربي في السينما انطلاقا مما بات يسمى “سينما المرأة”، أو السينما التي صنعها الرجل وصنع من خلالها صورة المرأة، في واحدة من أكبر عمليات الاستحواذ والهيمنة المجتمعية والثقافية وضوحا ومواربة معا (حتى عندما تبدو موضوعاتها ومراميها مقنعة)، وفي المقابل السينما المضادة التي ردت على هذه المغامرة الجمالية الذكورية، متأخرة بعض الشيء، في محاولة من المرأة نفسها لتخليص صورتها من التأطيرات النمطية التي أسرها فيها الرجل، ومن الموضوعات التي ألحقها بها سينمائيون شاركوا في صناعة صورتها، خلال مئة عام من السينما.
***
لكن هل تبدو المسألة بسيطة إلى الحد الذي يستوجب حفر خنادق متقابلة ذكورية وأنثوية للتعبير عن طبيعة المسألة، وتشخيص حقيقة الظاهرة وتفكيكها، وصولا إلى جوهر الصراع الذي دار بين نمطين من الصور: صور صنعها خيال الرجل وتمثلاته عن المرأة بوصفها كيانا أنثويا موجودا وجودا واقعيا مصحوبا بتراث من التخيلات عنه، وصور مقابلة صنعتها الأنثى نفسها في سياق صراع بين التنميط والتفكيك لتلك الصور الذكورية التي ما برحت سائدة في الثقافة العربية.
أتحدث هنا في مناسبة ملف منشور في هذا العدد حول مجال واحد من المجالات الثقافية التي صنعت صورة المرأة في الأذهان، وهو مجال السينما.
إنما هل يمكن تحقيق فكرة إعادة النظر في تطور ثقافي على صعيد ما دون العودة إلى تاريخ الظاهرة التي نريد أن ندرس، إلى مراحلها المختلفة، إلى ما حضر فيها وشكل عناصر وجودها وقوتها، وما غاب عنها وشكل نقيصة وضعفا، وإلى طبيعة تجلياتها في حقل وجودها، وغيرها من المكونات والمحيط المتصل بالظاهرة؟ ينطبق هذا على ظاهرة بعينها وعلى مختلف الظواهر الثقافية والمجتمعية.
يقودنا الحديث عن التوجهات النقدية، من باب إعادة النظر في الإرث السينمائي الحديث إلى ملف آخر ضمه العدد ويتعلق هذه المرة بالمسرح العربي الحديث وتاريخه انطلاقا من ظاهرة مسرحية أساسية تتمثل في تجربة أحمد أبي خليل القباني الذي يكتنف جوانب من سيرته المسرحية بعض الغموض.
إلى وقت بعيد ظلت رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا ضربا من الشائعة التي لم تنتشر كثيرا، ولم يصدقها الأقربون ونفاها أو تجاهلها جلّ المؤرخين الثقافيين عندما لم يجدوا لها وثيقة تدل على وقوعها، وقد ضرب هؤلاء صفحا عن البحث المتعمق والجاد في ظل ضعف التواصل الثقافي والمعرفي، بل وانعدامه، بين العرب والأميركيين، لا سيما في النصف الأول من القرن العشرين. 
على أن باحثا مشهودا له في العناية بأدب الرحلة العربي المكتوب في القرون الثلاثة الماضية، وضع مؤخرا كتابا أماطت صفحاته اللثام عن تلك الحادثة المخفيّة في سيرة أبي خليل القباني، لينقلها من ظلال الخرافة إلى شمس الحقيقة، ويكشف في الوقت نفسه عن أول اتصال ثقافي لبلاد الشام مع الديار الأميركية، والجمهور المسرحي الأميركي بالمعنى الواسع للكلمة.
***
هناك أكثر من معنى لهذا الكشف وللرحلة التي استمرت ستة أشهر صحبته خلالها فرقته المسرحية المؤلفة من نحو أربعين ممثلة وممثلا ومغنيات وعازفين من بلاد الشام، من دمشق وحلب وبيروت وحيفا والقدس وغيرها، أنشأ القباني على إثر وصوله وفرقته إلى شيكاغو بناء مسرحيا يتسع للآلاف من المقاعد، وعرض ما لا يقل عن 10 عروض مسرحية تحت مسمى “مرسح العادات الشرقية”، وحضر عروض مسرحه جمهور كبير من الأميركيين بينهم نقاد وصحافيون وفنانون.
 وكُتبت قراءات نقدية للعروض في أهم الصحف الأميركية، وأدهش مسرحه الجمهور الأميركي، لكونه نهض على فكرة الفرجة، وتداخل الخشبة بالجمهور قبل نحو 40 سنة من تجربة برتولد برخت صاحب المسرح الملحمي الذي نهج النهج نفسه في عروضه المسرحية وفي توجهاته التعبيرية ذات الطابع التغريبي، واعتبر مرجعا للمسرح العربي الحديث، والسوري على نحو خاص الذي اعتمد فكرة الفرجة، وإسقاط الحائط الرابع بين الجمهور والعرض، من دون أن يذهب النقاد العرب إلى تأصيل مغامرتهم المسرحية استنادا إلى التجربة الريادية لأبي خليل القباني.
من شأن هذا الملف المنشور في العدد أن يفتح بابا للنقاش حول هذه المسألة، إضافة إلى الوثائق غير المسبوق نشرها والتي يقدمها، وللمرة الأولى، منبر ثقافي عربي، في بحث يلقي أضواء جديدة على هذه الشخصية الرائدة في الثقافة العربية.
***
أخيرا، فإن الملفين المنشورين في هذا العدد من “الجديد” يؤشران على مدى الاستجابة، من قبل حملة الأقلام العرب، للمغامرة التي تخوضها المجلة، على ضوء من توجهاتها القائمة على إشاعة روح البحث والتفكير بحرية، وتكريس مبدأ النقد الموضوعي والكشف الأدبي، والتشجيع على قراءة الظواهر الثقافية والأدبية بموضوعية وانفتاح، وصولا إلى إنطاق الوثائق المكتشفة حديثا عن المعطيات والحقائق التي تفيد في إعادة كتابة التاريخ الثقافي العربي الحديث بأقصى ما يتطلبه التأريخ من موضوعية والنقد من جرأة.

10