موضوع يتجاوز عرض فيلم في مصر

الاثنين 2014/04/21

هل تغيّر شيء في مصر؟ لم يكن يؤمل بأن يتخلّص الشعب المصري من حكم الإخوان المسلمين بكلّ ما يمثّله من تخلّف فحسب، بل كان يؤمل أيضا بأن تفتح ثورة الشعب المصري الأبواب على مصراعيها أمام طيّ صفحة الخوف من سطوة الإخوان التي أعادت البلد العربي الأكبر والأهمّ عشرات السنوات إلى الخلف.

الأكيد أن منع فيلم مصري في مصر، هو “حلاوة روح”، تلعب فيه دور البطولة الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي، بقرار حكومي أمر لا يبشر بالخير. على العكس من ذلك، يعطي قرار المنع إشارة توحي بأن مصر تخلّصت من عقدة الإخوان ظاهرا فقط، خصوصا بعد انكشاف حقيقتهم، لكنها لم تتخلّص منها في العمق ومن إرثهم وسطوة إرهابهم الفكري.

الموضوع يتجاوز منع عرض فيلم قد يكون جيّدا كما قد يكون سيئا. هذا أمر يخصّ النقّاد والجمهور في نهاية الأمر. الموضوع يتعلّق، أوّلا وأخيرا، بالقدرة على اتخاذ قرارات شجاعة في كلّ المجالات والقطاعات، بدءا بالسينما وكل الفنون الأخرى.

لم تكن مصر ضحيّة الإخوان بسبب وجود رئيس للجمهورية، ينتمي إلى هذا التنظيم، بقي في موقعه سنة كاملة. مصر ضحيّة سنوات طويلة من الخوف سمحت للإخوان بفرض الكثير مما يريدونه على المجتمع، بحجة حماية الأخلاق، مستفيدين من المتاجرة بالدين أوّلا، ومن عاملين اثنين آخرين على الأقلّ.

يتمثّل العامل الأوّل في تراجع مستوى التعليم على صعيد البلد كلّه منذ وصول العسكر إلى السلطة إثر انقلاب 1952. وقد استغل الإخوان هذا التراجع خير استغلال عندما باشروا ممارسة نشاط قويّ في الجامعات والمدارس بتشجيع من أنور السادات في البداية، أي منذ خلف جمال عبد الناصر في العام 1970.

وقتذاك، أراد السادات، الذي دخل باكرا في مواجهة مع أجنحة أخرى في السلطة، سمّيت “مراكز القوى” الاستعانة بالإخوان لتعزيز سلطته، خصوصا بعد إدخاله علي صبري ورفاقه السجن في 1971.

بعد ذلك، كان السادات في حاجة إلى الإخوان لمواجهة النتائج التي يمكن أن تترتب على قرارات كبيرة اتخذها في حجم طرد الخبراء السوفيات في 1972 ثم خوض حرب أكتوبر 1973.. ثمّ الذهاب إلى القدس في خريف العام 1977 وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في مارس 1979 في وقت سعى العرب الآخرون إلى عزل مصر تحت تأثير المزايدات التي مارسها نظامان بعثيان امتهنا الشعوذة والمتاجرة بالشعارات “الوطنية” في كل من سوريا والعراق.

استفاد الإخوان من السادات إلى أبعد حدود، قبل أن يتخلّصوا منه في السادس من أكتوبر 1981.

أمّا العامل الآخر الذي وظّفه الإخوان لمصلحتهم، فكان العقدة التي عانى منها حسني مبارك. سعي مبارك إلى إضعاف الإخوان سياسيا، لكنه سمح لهم بالانتشار على كلّ صعيد، بما في ذلك الإعلام المصري. حتّى الصحف القومية كانت مخترقة من الإخوان الذين كانوا يمتلكون صفحات كاملة يروجون من خلالها لأفكارهم وبضاعتهم في ظلّ رؤساء للتحرير وكتّاب معيّنين. كان معظم هؤلاء يدينون بوصولهم إلى موقعهم إلى ضحالة فكرهم، وإلى ارتضاء أن يكونوا مجرّد موظفين لدى وزير الإعلام، أو هذا الجهاز الأمني أو ذاك.

كانت هناك بالطبع استثناءات قليلة بين رؤساء التحرير في عهد مبارك، لكن ما لا يمكن تجاهله أن القمع السياسي للإخوان وصولا إلى منعهم من دخول مجلس النواب في آخر انتخابات جرت في عهد الرئيس السابق، ترافقت مع تغلغلهم في كلّ القطاعات وممارسة نفوذهم المعنوي حيث استطاعوا الترويج للتخلف، حتى في مجال الفن.

ما يفترض بأي حكم جديد في مصر جاء نتيجة ثورة شعبية حقيقية، هي ثورة الثلاثين من يونيو، التي كانت تعبيرا عن رفض المصريين للإخوان ورفضهم لخطف ثورة الخامس والعشرين من يناير، التخلص من عقد الماضي. يعني ذلك التخلّص أوّلا من المزايدة في مجال من هو مسلم أكثر من الآخر.

إما هناك حريات عامة في مصر تشمل الفنّ بكل فروعه، بما في ذلك السينما والمسرح والغناء، وإما لا نشاط فنّيا في البلد بعد الآن. الأكيد أن ليس مطلوبا الرضوخ لظاهرة الانحلال والرخص والابتذال. ولكنّ من المفترض أن تكون هناك جهات مختصة محايدة تضم أشخاصا مشهودا لهم بالكفاءة، يتولون تقييم هذا العمل الفني أو ذاك بعيدا عن عقدة الإخوان وضرورة المزايدة عليهم دينيا.

سبق للمملكة العربية السعودية أن زايدت دينيا على إيران فوقعت في الفخ الذي نصبته إيران لها، بدل أن يكون ردهّا على ثورة الخميني مزيدا من الانفتاح على كلّ ما هو حضاري في العالم. كذلك، سبق للملكة أن ردّت على الهجوم الذي تعرّض له الحرم الشريف في العام 1979 عن طريق متطرفين بقيادة جهيمان العتيبي بأن اعتمدت مزيدا من التزمت على كلّ صعيد.

جاء الاعتداء الإرهابي على الحرم في وقت كان متوقّعا أن يتخذ الأمير فهد بن عبد العزيز (وليّ العهد وقتذاك والملك منذ 1982)، الذي كان يعرف العالم بكلّ ما فيه عن ظهر قلب، سلسلة من الإصلاحات تنقل المملكة إلى حقبة جديدة مختلفة. ولكن ما العمل عندما يصبح الحكم أسير التطرف والمتطرّفين ولعبة المزايدة عليهم؟ أليس ذلك وقوعا في فخّهم؟

مثل هذه المزايدة لا تفيد في شيء.

لم تفد السعودية التي تقدم حاليا على إصلاحات كبيرة، خصوصا في المجال التربوي والثقافي والاجتماعي، بعدما اعتبرت الإخوان تنظيما “إرهابيا”. على العكس من ذلك، أنتجت هذه المزايدة، في مرحلة معيّنة، أسامة بن لادن ومن على شاكلته من “الأفغان العرب” الذين انقلبوا على السعودية، بما يذكّر بانقلاب الإخوان على أنور السادات.

كذلك، لم تفد هذه المزايدة مصر في أي شكل ولا يمكن أن تفيدها مستقبلا. فالمواجهة مع الإخوان وما تفرّع عنهم من تنظيمات متطرّفة، هي مواجهة شاملة وليست محصورة بالأمن والحرب على الإرهاب. السينما، والفن والثقافة عموما، أجزاء أساسية من هذه المواجهة مع جماعة تستهدف أوّل ما تستهدف تغيير طبيعة المجتمع ونشر البؤس فيه من أجل تطويعه والسيطرة عليه. ما يحصل في غزّة، حيث إمارة «حماس» الطالبانية، خير مثل على ذلك.

هل حصلت ثورة في مصر من أجل البقاء في أسر عقدة الإخوان.. أم أن الثورة تعني تغييرا شاملا يعيد إلى مصر عزّها ووجهها الحضاري، بما يسمح بالقول أن شيئا حقيقيا تغيّر في مصر؟

إعلامي لبناني

8