موعد مع لوتريامون في كركوك

الجمعة 2013/08/30

لا أفهم مبدعا، في أي مجال، حين يشير إلى انتمائه الطائفي أو الديني أو يزور مرقدا ويثني على أصحابها المفترضين. هم ليسوا هناك ومن الصعب إثبات أنهم كانوا في يوم ما. التاريخ العربي والإسلامي، في معظمه، قائم على الكذب والمبالغة والأوهام.

ليست هناك وثائق وإثباتات، إنما إحالات إلى كتب كتبت بعد زمن طويل على أية حادثة، وهذه الكتب تفتقد النزاهة لأنها كتب طائفية وبلا براهين. نحن نصدق السومريين والمصريين والصينيين وغيرهم لأن وثائقهم من حجر وصخور والواح يثبت العلم الحديث تاريخها وتاريخيتها. لماذا لم يوثّق العرب والمسلمون تواريخهم أثناء حدوثها، كما فعل آخرون؟ ثم يأتيك شعراء وكتاب من زمننا هذا ليتبجحوا بانتماءاتهم الدينية والطائفية، القومية وغيرها.

ألا تظهر هذه الانتماءات في كتاباتهم، في مشاعرهم، في لاوعيهم وفي فهمهم للغة؟ ما نحتاج إليه وما نريده ونرغب فيه هو النص الإبداعي لحال المبدع في أي وضع كان، شاعرا وموسيقيا، رساما أو روائيا، مسرحيا أو نحاتا- نص يمكن أن يفهمه ويتمتع به ويتعلم منه أي شخص من أية بقعة في هذا العالم، إذا ترجم. وهو شخص لن يفهم انتماءاتك ولا يريدها، لأن ذهنيته تختلف، ومن الصعب أن نجد هذه الانتماءات في كتابات وإبداعات من شعوب وبلدان أخرى، حالما نقرأ لهم في لغتنا، إننا نتعلم منهم، نقلدهم، لكننا لا نخرج من قوقعاتنا المملوءة بالرمل.

لا أظن أن دانتي، شكسبير، المتنبي، البياتي، كانوا مؤمنين.

ادعوا الإيمان لأسباب قاهرة ورهيبة. حالما أرى نأمة دينية أو طائفية أو قومية في نص أو عمل يدعي الإبداع، أرفس طاولتي والتفت إلى جهة أخرى. لا يمكن لمبدع أن يكون مؤمنا بأي دين غير الفن والإنسان. الإبداع والإيمان في تناقض تام.

موعدي مع لوتريامون في كركوك

وعدت نفسي قبل سنوات/ بدافع حماس غامض/ بتمجيد حانات قديمة وبُناة متاريس. حين بدأت غنائي، قاطعني لصوص وأنبياء/ ركلت أحدهم/ ثم عرفته يشتغل صيادا في الصباح الباكر/ بعدهم صادفت تاجرا، اشتهر بأكاذيب كثيرة/ في بعض السواحل، وكان احتال علي/طاردته نحو بركان، اختفى./في ما بعد علمت ما يلي: أكاذيبه تراتيل أديان/ منذ آلاف الأعوام.

وعدت نفسي قبل سنوات، بدافع حماس غامض/ بتمجيد حانات قديمة وبناة متاريس

ولم أستطع بعد.

قبل النوم، بينما أنا في السرير/ أقرأ نظرية بطليموس عن الأرض مركزا للكون،/ فجأة أتذكر موعدي الليلة مع لوتريامون في مطعم رخيص/ قرب نقليات كركوك./ اشتريت له قنينة نبيذ من قرية آشورية/ وترجمة إنكليزية لرحلة كلكامش/ هكذا أنسى، في كل مرة، وعود الشطر الثاني من نفسي/ خبرتي في التنجيم تسحب الخريف إلى طاولتي/ تزيل ضبابا من قصائدي / وشحاذين حفاة ينشدون، بعناد/ أمام بيتي/ كيف يمكنني أن أتذكر ولا أنسى؟/ خبرتي في التنجيم لا تساعدني في هذا/ سأذهب الآن إلى موعدي، تاركا بطليموس/ ونظريته، في مركز سريري.

شاعر من العراق مقيم في الفلبين

14