موعظة عن سقوط روما في رواية تثور على تعاليم الكنيسة

الاثنين 2014/06/09
فيراري يدمج في روايته بين التاريخ والواقع والمتخيّل

ما هو هذا العالم؟ من أين ابتدأ؟ وكيف سينتهي ومتى؟ أسئلة يحاول الكاتب الفرنسي “جيروم فيراري” الإجابة عنها في روايته “موعظة عن سقوط روما” الحائزة على جائزة “غونكور” الأدبية الفرنسية، وقد صدرت ترجمتها العربية مؤخرا عن “شركة المطبوعات للتوزيع والنّشر” (2014)، واسم الرواية مقتبس من الموعظة التي ألقاها القديس أوغسطين عام 410 للميلاد أمام المؤمنين الضالين بعد سقوط روما، والتي قال فيها إن “العالم كالإنسان، يولد وينمو ويموت مثله”.

تقع رواية “موعظة عن سقوط روما” في سبعة فصول، أُخذَت عناوينها من القديس أوغسطين. أمّا ما يجمع بينها، فهو حتميّة الفناء والدّمار والهلاك. تحدّث فيها الكاتب عن العوالم التي يبنيها البشر “نموّها وتطوّرها ونهاياتها، عن موازاة الوجود، عن التواصل”. وخلص إلى أنّ “العالم يولد وينتهي كالبشر ولا شيء جديدا منذ الأزل”.

تنفتح الجملة الأولى في السرد على غائيّة الرواية: البداية والنهاية، حيث يتلازم حضور الولادة والموت في عائلات كورسيكية تجرّعت طعم الفقر والانتظار، وانكسار أحلام أفرادها.

وتروي الرواية قصة مارسيل أنطونيتي وهو رجل مسن يعود إلى مسقط رأسه، فيفاجئه حفيده ماتيو بتخليه عن دراسات واعدة في مجال الفلسفة ليدير حانة في البلدة مع صديق الطفولة ليبيرو.

جيروم فيراري
◄ ولد في باريس عام 1968

◄ حاصل على ليسانس فلسفة من جامعة السوربون

◄ أستاذ محاضر في الفلسفة ومستشار للشؤون التعليمية في المعهد الفرنسي بأبو ظبي

◄ درس في المدرسة الدولية بالجزائر العاصمة، ومعهد فيش في أجاكسيو

◄ كتب عن الجزائر في 'أين تركت روحي؟'

◄ حاصل على جائزة 'لاندرنو (2009)" و'الجائزة الكبرى للرواية الفرنسية (2010)" و"غونكور (2012)"

أمّا الزّمن، فيتفتّت في رواية فيراري، وتكثر الاسترجاعات، التي يتعرّف القارئ من خلالها على القلق الذي رافق ماتيو منذ حداثة سنّه، وتساؤله عن عبثيّة تعاقب الأيام والليالي.

يتوجّه هو وصديقه ليبيرو إلى باريس لدراسة الفلسفة، دون حماسة تُذكَر. شعر أنه غريب عن العالم الذي وجد فيه. أما ليبيرو، فكان تعمّقه في أطروحة الدكتوراه، حول القديس أوغسطين، سببا جعله يثور على تعاليم الكنيسة، وعلى وصايا أوغسطين.

ولمّا لم يجد إجابات عن أسئلته الوجوديّة، في الدين والفلسفة، ينقلب إلى الطرف النّقيض؛ ويقنع صديقه ماتيو بالعودة إلى القرية الكورسيكية لبناء عالم جديد لهما، بعيدا من أحكام العقل والمنطق، فكانت إدارة الحانة، وقد عوّل كلاهما عليها لتحقيق ما عجزت الفلسفة عن إعطائهما إياه.


سطوة المكان


حضرت الحانة في مختلف فصول الرواية، وفرضت نفسها بقوّة على الشخصيّات، وبدّلت في مجرى الأحداث. تبدّلت “هويّة” القرية بفعل الحانة، وتحوّلت إلى مكان صاخب وفوضوي. وبذلك، أثّر المكان في العناصر المكوّنة لعالم المتخيّل السّردي، إذ تركت الحانة بصمتها في أخلاق الشّخصيّات التي تحرّكت على أرضها.

لقد تبدّلت طباع ماتيو، وحصل ما يشبه الانقلاب في هويّته؛ انبتّ عن ماضيه، وعمل على التحدّث بلكنة مفتعلة، مستبعدا أدنى حضور للعقل، حيث يصبح أيّ تجلٍّ له عنصرا خطيرا في الحانة، وتدخل قصص الغيرة والجنس والفساد في حياة الصديقين، لتذهب بهما وبحانتهما إلى الانهيار.

انسلخ ماتيو عن محيطه العائلي، تصلّبت مشاعره، بحث عن حزنه فلم يجده. أفقدتْه حياة اللهو والجنس معنى الحب والرّأفة، لقد طغى المكان على الشخصيات، وأحكم الإطباق عليها، إلى أن صار هو السلطة التي تتحكّم في من يعيش بين جدرانه.

رواية عن اللامبالاة


عالم وهمي


“موعظة عن سقوط روما” رواية عن اللامبالاة، عن محاولة إيهام النفس بالقدرة على تغيير مجرى الزمن، والتغلّب عليه عن طريق التحايل، حاول ماتيو حماية نفسه والاختباء في عالم وهمي، ولكن سرعان ما يكتشف نهاية عالمه، مع مجيء صديقته الجامعية جوديت، ولكن لا شيء يستحق الرثاء، “فما زال الحاضر ينبثق من العدم ويعود إلى العدم”.

تمثّل أوريللي الجانب الآخر الذي يحاول إقامة نوع من التوازن في الرواية، إذ وجدت من العطف والرعاية، في صداقاتها مع الجزائريين، ما عجز أخوها ماتيو عن منحها إيّاه.

وعلى الرغم من ارتباط معظم الأمكنة في الرواية بالتحوّلات السلبية، على مستوى الأحداث والعلاقات، إلا أنّ الجزائر تبدو الدائرة التي يتاح للمرء أن يبني أمتن الصداقات فيها. أصرّ الروائي “جيروم فيراري” على تعزيز هذا الجسر بين الشمال والجنوب، في الوقت الذي يُخشى سقوط العالم المستند إلى مراكز واهنة.

14