موفق قات فنان كاريكاتير يرسم الوجع العربي بسخرية مريرة

مهاجر سوري حمل دمشق معه، حيث يقيم في تورنتو الكندية مصحوبا بفرشاته الصادقة، فنان كاريكاتير يرسم الوجع العربي بسخرية باكية، وهو المتخصص في "الأنيميشن"، حيث أخرج لصالح مؤسسة السينما في سوريا عدة أفلام كرتونية، وأخرى للتلفزيون، كما رسم وأخرج أول فيلم كرتون سوري ينفذ بواسطة الكمبيوتر بعنوان “جحا في المحكمة”، ومجمل أفلامه حازت جوائز محلية وعالمية، كما له أكثر من معرض تشكيلي شخصي في عدة عواصم عربية وعالمية، وهو مع كلّ هذا رسام كاريكاتير، تعوّد على فنّه الساخر ذي البعد التأملي قارئ جريدة "العرب" اللندنية في كلّ صباح جديد، هو الفنان موفق قات الذي كان لنا معه هذا الحوار.
الخميس 2015/10/08
موفق قات يحمل سوريا معه أينما حل ليرسم آمالها وآلامها

“كندا بلد رائع تعيش فيه عشرات القوميات والأديان والإثنيات، ولا أحد يزاحم الآخر على مكانه، والسبب هو وجود دولة، هذا ما اكتشفته خلال مدة إقامتي هنا”، هكذا بدأ الفنان السوري موفق قات حديثه لـ”العرب” حول إقامته في تورنتو الكندية، وعن مدى ارتباط فنّه بالحدث اليومي، وهو البعيد آلاف الكيلومترات عن مسرح الحياة اليومية العربية في مهجره.

ويضيف “هنا تمتزج الثقافات وإني أحمل ثقافتي لأتمم ثقافة الآخر، والمهم إنتاج ثقافة إنسانية، فمن غير اللائق أن تكون فنانا ومتفرجا على هذا العالم ولا تشارك في صنع ثقافته، وذلك من خلال إنتاج ثقافتنا التي تحمل طابعا خصوصيا، إن مشاهدة العالم بعين فنان تختلف كثيرا عن مشاهدتها بعين سائح، الفنان إنسان متفاعل مع الحياة إلى أقصى حدود الوعي والحساسية”.

وعن خصوصية فن الكاريكاتير في تبليغ فكرة اليومي لكلّ الناس يقول ضيفنا “فن الكاريكاتير فن يتميز بالبساطة والعمق والاختزال، هو أقرب إلى الحكمة التي تتداولها الألسن منذ مئات السنين، إذ يستطيع الكاريكاتير التعبير عن أكبر وأعمق قضايا الإنسان الفكرية والسياسية والاجتماعية”.

عن فناني الكاريكاتير العرب الذين يتفاعل مع أعمالهم، وما الذي يشغله في تلك الأعمال، يقول قات “في العالم العربي الكاريكاتير فن عريق، ولدينا فنانون أثروا فن الكاريكاتير بأعمالهم كناجي العلي وعلي فرزات والزواوي ومؤيد نعمة ومصطفى حسين وآخرين”.

موفق قات تأثر ويتأثر بكل رسم يشاهده من حيث الفكرة أو التقنية أو زاوية الرؤية، حيث يجزم أن كلّ فنان يرى العالم من زاوية تختلف عن الآخر، وهذا هو جوهر الفن، وهو لا ينفي الرؤية الذاتية للعالم”.

ويضيف “الآن، وبعد أن تفجر الربيع العربي الذي قلب المفاهيم وأصبح الشارع أكثر حضورا، ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير تلتقط ما يحدث وتعبر عنه بكل حيثياته، ومازلت مندهشا بتفصيل صغير رسمه شباب كفر نبل على الجدران”.

وعن أصل فن الكاريكاتير، الذي ابتكر أساسا ليبعث الابتسامة في نفوس الناس، وعن مدى تحوّله الراهن إلى باعث للحزن والكآبة من عدمه، في ظل الآلام الإنسانية المعاصرة، يوضّح قات: الفن هو إحدى أهم وسائل المعرفة، والكاريكاتير كفن أصيل ليس هدفه فقط الابتسامة، بل أيضا المعرفة؛ في كل كاريكاتير جزء من الحقيقة يتم تقديمها بأسلوب ساخر، يعجبني بريخت، الكاتب والمخرج المسرحي عندما يقول “يجب أن نتعلم دهاء قول الحقيقة”، وهذا الكلام يعبر عن فن الكاريكاتير أكثر مما يعبر عن فن غيره.

موفق قات: الكاريكاتير فن أصيل، ليس هدفه الابتسامة، بل أيضا المعرفة

ويؤكّد قات أنّ للكاريكاتير أساليب مختلفة، منها الساخر الفكاهي ومنها الساخر السوداوي، وأهمها الكاريكاتير السياسي الذي أصبح طبقا يوميا مهمّا للقارئ والمشاهد في كل أنحاء العالم، حيث يعتبر أنّ رسالة الكاريكاتير تلخص جوهر الأحداث عبر تكثيف بصري وفكري، قلما يستطيع القيام به فن آخر.

ومن المعروف عن موفق قات أنه من رواد فن الكارتون المتحرك- الأفلام المتحركة العربية، وهو الذي أنهى دراسته لهذا الفن في موسكو، عن هذه التجربة يقول “عندما عدت إلى دمشق بعد أن أنهيت دراستي في المعهد العالي للسينما بموسكو، تفاجأت بأني أول مختص في الرسوم المتحركة، لم يكن بالأمر السهل أن تبدأ بفن حديث ومعقد كالرسوم المتحركة في بلد لا يملك خبرات في هذا المجال، وخاصة أن الدولة ليست مهتمة بهكذا نوع أصلا، لأنه يعتبر من الكماليات”.

موفق قات من جيل دمشقي من الكتاب والفنانين الذين كانوا يسكنون في منطقة المهاجرين، فهل لمدينة دمشق التي ولد فيها ونشأ فضل استثنائي على فنه مما يمكن تلمسه في بعض العناصر الفنية أو الاختيارات أو الموضوعات أو المزاج الفني الذي تمتّع به؟

هنا يقول قات متذكّرا “قضيت أجمل أيام طفولتي ومراهقتي في حي المهاجرين بدمشق حيث ولدت، كنّا مجموعة أصدقاء نحلم بتغيير العالم… أذكر في إحدى المرات أننا عمدنا سرا لتنحية الأعلام الأميركية التي علقت على أعمدة الإنارة في حارتنا أثناء زيارة الرئيس نيكسون، كنت والشاعر الصديق نوري الجراح أبطال تلك المغامرة، كنا ندافع عن حارتنا ضد التدخل الأجنبي”.

دمشق حالة خاصة لدى فناننا، فأول معرض تشكيلي قام به كان عن دمشق، وهو الآن في كندا يرسم دمشق، ويبدو أن دمشق إدمان جميل لا خلاص منه عنده. يقول قات حول الفارق عنده بين أن يرسم رسمة كاريكاتير لتنشر في صحيفة، وبين أن يرسم لوحة تشكيلية، إنّ الكاريكاتير هو عمل للآخر، أما اللوحة التشكيلية فتحمل هما شخصيا، في حوار ذاتي مع الألوان، وبحرية كاملة، كل لوحة هي مغامرة جديدة، وفي جزيرة جديدة.

ويختم موضحا في إجابة عن سؤالنا حول الفرق بين كاريكاتير يتضمن شرحا إضافيا للفكرة بالكتابة، وبين كاريكاتير يوصل فيه الفنان فكرته دون إرفاقه بأيّ كلمة، وأيهما أكثر بلاغة من الآخر، فيقول “الكاريكاتير أنواع، مع الكتابة أو الشرح أو دونهما، أو مع كليهما، فكلها مشروعة.. المهم هو الأثر الإيجابي للعمل الكاريكاتيري”.

16