موفق قات يخشى اللون الأحمر في رسوماته

الثلاثاء 2013/11/05
فن الكرتون يحاكي الواقع باسلوب السخرية

تورنتو- يعمل الفنان التشكيلي السوري موفق قات في مجال الكاريكاتير منذ كان طالباً في معهد السينما في موسكو، حيث كان يرسم في مجلة أنباء موسكو ولكن في الوقت نفسه كان مخرج أفلام رسوم متحركة، وأنجز أكثر من عشرة أفلام حاز بعضها على جوائز عالمية، كما عمل مصمم ديكور في أكثر من 25 فيلماً سينمائياً وله معارض تشكيلية ومعارض ومشاركات فنية متعددة. العرب التقت بموفق قات وحاورته في مسائل منها طبيعة تفاعل فن الكاريكاتير مع أحداث سوريا.

ويقول الفنان موفق قات في مسألة ثأثّر الفنان السوري بما يجري من أحداث أليمة في وطنه:" فنان الكاريكاتير لا يلاحق الحدث بل الحدث هو الذي يلاحقه خاصه في وضع مثل سوريا، فالأحداث المتسارعة في سوريا تحتل الصدارة بين عناوين الأخبار وهذا لوحدة يفرض علي كمواطن سوري أولاً وكرسام كرتون ثانياً أن أكون في مركز الأحداث.

لا أبالغ إذا قلت إن كل يوم يمكن أن يرسم عشرة أعمال كاريكاتيرية عن الوضع السوري وعن جرائم النظام وعن بطولة السوريين وعن المهجرين في بقاع العالم: حوادث لم تحدث من قبل ورئيس دوله يقتل شعبه بالبراميل، بالإضافة إلى طائرات معادية تقصف سوريا والجيش النظام لا يرد عليها، بل يقصف المدن والقرى السورية ويقتل السوريين. أنا من موقعي أحاول خلال رسم الأحداث الكاريكاتيرية أن ابتعد عن اللون الأحمر لأنه أصبح شيئا عاديا للأسف. كانت نقطة دم حمراء في الكاريكاتير تثير المشاعر ولكن خارطة سورية تلونت بالدم السوري الأحمر فلابد من رموز أخرى لتوصيل الأفكار".

وبعيدا عن الحروب ولون الدمّ وصور الأشلاء المتناثرة في سوريا، ودموع الأطفال وتضرّع النساء والشيوخ في كل مناطق هذا البلد، سألنا موفق قات عن إمكانية الحديث اليوم عن مدارس وأساليب الكرتون في الوطن العربي، فأجاب قائلا:" بشكل عام الكرتون أصبح فنا عالميا، وكل منطقة تتأثر بالباقي فالعالم يصغر يوماً بعد يوم والتواصل الإلكتروني أصبح واقعاً يومياً ولذلك فالكرتون العربي متأثر بالأساليب والتقنيات العالمية. وخاصة مع دخول الكمبيوتر في تنفيذ الأعمال الكرتونية، والملاحظ أن الكرتون في الوطن العربي تغلب عليه الفكرة وتراجع التقنية، الكثير من رسامي الكرتون يعانون من نقص أكاديمي في الرسم وكل عمل فني يحلق بجناحين الفكرة أو الموضوع والتقنية، وهذا ليس قانون فهناك استثناءات فناجي العلي لم يكن يهتم بالتقنيات ولكنه كان يوصل الفكرة بعبقرية فذة إلى المشاهد. ربما في بعض الأحيان التقنية تصبح عدوّا للعمل الفني، وكم من أعمال فنيه قتلتها الزخرفة والتكلف".


الأبيض والأسود


ناجي العلي، اسم خالد في عالم الكاريكاتير، وعنوان للإبداع في هذا المجال، كان يرسم فقط بالأبيض والأسود، فهل هناك فرق بين الكاريكاتير الملون والكاريكاتير بالأبيض والأسود، سؤال طرحناه على موفق قات، فأجاب بالقول:" تعود الناس مشاهدة الكاريكاتير بالأبيض والأسود لأسباب تقنية، وهي أن الصحف كانت بالأبيض والأسود، ولكن مع تطور التقنيات تغيرت الكثير من المفاهيم والأذواق. أعتقد أنه شكل من أشكال الحنين للماضي.

أنا لا أتصور أفلام "شارلي شابلن بالألوان، فحتى فيلمه الأخير الملون لم يلق الحماس لدى الكثيرين. هناك أعمال كاريكاتيرية يكون للون فيها أهميه فائقة، لأن اللون عنصر درامي، وفي بعض الأحيان الأبيض والأسود يعطيان العمل رصانة وقيمة جرافيكية، قلّما نراها في الأعمال الملونة، فالأساليب تختلف والتقنيات تختلف، كما البشر فالتنوع غني ولابد منه للبشرية".


لكل فكرة شكل


ينقسم المشاهدون بين مؤيد للعمل الكاريكاتيري الصامت أي بدون تعليق وآخر يعتبر الكلام يوصل الفكرة بشكل أسرع وأهم، فكيف يرى موفق قات هذا الموضوع وأيهما يفضل خلال عمله، يقول:" إن الرسم الكرتوني بدون كلام قابل للانتشار أكثر، لأنه يملك لغة عالمية، ويحتاج إلى الاعتماد على قدرة الرسام التمثيلية. فالرسام عندما يرسم مشهداً ما فإنه يتمثله، ويخرجه، وهو من يختار زوايا الكاميرا. بينما رسام الكرتون مع التعليق يجب أن يهتم بالحوار والتعليقات الساخنة، أي أنه أقرب إلى كاتب السيناريو، وتموضع الشخصيات ليس مهماً في هذه الحالة لأن التعليق والحوار هما الأهم في العمل ".

ويضيف قائلا:" في رأيي الشخصي كلا الأسلوبين يعبّران بشكل جيد عن الأحداث. في بعض الأعمال جملة واحدة أو تعليق واحد يختصر مقالا كاملا عن حدث سياسي معيّن أو عن شخصية سياسية عمرها عشرات السنين. أنا أمارس كلا الأسلوبين والموضوع يفرض نفسه على الشكل ودائما لكل فكرة شكل معين هو الأنسب لإيصالها، وهناك الكثير من الفنانين الذين يختصون بالكاريكاتير مع التعليق وأصبح عندهم مدرسة عريقة في هذا المجال".

جلّ الفنانين يتابعون آخر الابتكارات في مجالهم، وهم يراقبون الحركات العالمية، ولم يشذّ موفق قات عن هذه القاعدة، حيث يقول:" أتابع الكاريكاتير العالمي منذ كنت طالباً في معهد السينما، حيث كنت أدرس أفلام الرسوم المتحركة، لأن الكاريكاتير جزء من فن الرسوم المتحركة وكثير من الكاريكاتيرات المرسومة يمكن تحويلها إلى فيلم كرتون. كنت معجبا بالكاريكاتير البلغاري والروسي الاجتماعي، واعجبت بالكاريكاتير السياسي الفرنسي والأميركي خاصة، وسوق الكاريكاتير متطور جداً في الغرب نظراً لكثرة الصحف". ويضيف محدّثنا قائلا:" تصور في أميركا تقريباً 1800 صحيفة يومية وأكثر هذه الصحف إن لم يكن كلها تحتاج إلى رسوم كاريكاتيرية وبالتالي هذا يساهم في دعم وتطوير هذا الفن. في سوريا كانت هناك ثلاث صحف تابعة للدولة، والرقابة هناك تجعلك مقيّدا، ولا تجد هامشا من الحرية للتعبير.


قيمة إنسانية


إن تنوّع اهتمامات موفق قات جعلنا نطرح عليه سؤالا حول كيفية جمعه بين هذه المجالات الفنية، وكانت إجابته في القول:" لو كان القرار بيدي لعملت فقط في صناعة الرسوم المتحركة، ولكن، للأسف، كانت تأتي كل خمس سنوات فرصة لعمل فيلم كرتون واحد، فما كان لي إلا الاتجاه إلى الديكور السينمائي أو رسم الكاريكاتير الصحفي أو إقامة معارض فنية، ودوماً كانت لديّ مشاريع عمل، وأنا لا أذكر أني جلست دون عمل، فهناك دوماً طاقة تحرك كيانك ولا تستطيع مقاومتها. أنا لا استطيع أن أقيّم ما عملته ولكن استطيع القول بأني لم أخن مبادئي الفكرية والفنية في كل أعمالي التي قمت بها، أقصد أن الموضوع الذي أتناوله يحمل قيمة إنسانية، وأن أُعطي كل طاقتي وجهدي لتنفيذ العمل".

14