موفق نيربية يساري يهمس بصوت المعارضة السورية في أوروبا الرأسمالية

السبت 2014/08/02
موفق نيربية يرى الائتلاف إطارا جامعا لتيارات مختلفة

عمل موفق نيربية بعد خروجه من المعتقل في بداية الثمانينات من القرن الماضي في الكتابة والأبحاث، ثم نشط في ربيع دمشق، واشتغل على مشروع تحويل الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي، من خارجه إلى حزب ديمقراطي اجتماعي، ثم في إطار إعلان دمشق، وصار رئيس اللجنة التحضيرية لمجلسه الوطني في العام 2007، وهو ملاحق أمنيا من قبل نظام الأسد الابن منذ ذلك التاريخ.


حمص والحراك الديمقراطي


ولد الكاتب والمفكر السياسي موفق نيربية في مدينة حمص عام 1949، وتخرج من كلية الهندسة الميكانيكية عام 1973، انخرط نيربية مبكرا في العمل السياسي حيث انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري عام 1967 بعد “النكسة”، وترقى به حتى صار أميناً لمنظمة الجامعة وعضواً في لجنته المركزية في السبعينات ، ثم تسلم مسؤولية الحزب في مدينتي السويداء وحمص في العام ذاته.ثم صار نيربية من مسؤولي الحراك الديمقراطي المعارض في العام 1980، حينها تم اعتقاله من قبل نظام الأسد الأب لمدة أربع سنوات.


مواطنة


نشط نيربية مع بداية الانتفاضة السورية، وشكّل مع آخرين حركة “مواطنة” وهي حركة مدنية سياسية ثقافية ليصبح عضواً في مكتبها التنفيذي منذ صيف العام 2012، خرج من سوريا أوائل فبراير من العام 2013، ثم انضم للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وانتخب عضوا بالهيئة السياسية للائتلاف.


الإخفاق في ترؤس الائتلاف


وظهر اسمه كمرشح عن “الكتلة الديمقراطية” على رئاسة الائتلاف، أولاً في مواجهة المرشح الآخر رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب في انتخابات الائتلاف الأخيرة، ثم فشل، بعد انسحاب حجاب أمامه، وحصل على 41 صوتاً، وفاز منافسه رئيس الائتلاف الجديد هادي البحرة الذي حصل على 62 صوتاً.

ظل موفق نيربية ممثل الائتلاف السوري في أوروبا مصراً على عيني السياسي، ليقرأ ويحلل وضع الثورة السورية الحالي، و يراهن على مستقبلها مع اشتداد وطأة العنف الممارس من قبل نظام الأسد ومن قبل تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً بـ”داعش”.


تحولات المعارضة السورية


بعد إقالة الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد طعمة، والمفاوضات لتشكيل حكومة جديدة هل يملك سياسيو الائتلاف خططاً إنقاذية في حال فشلت مثل هذه المبادرات، وفي حال استعصاء تشكيل الحكومة، يقول نيربية إن إقالة الحكومة لم تكن خطوة موفقة في نظره وفي ورأي من كانوا الأقلية في اجتماعات الائتلاف الأخيرة. “وقد دعيت الهيئة العامة إلى اجتماع خاص من أجل ذلك بعد عشرة أيام من الانتخابات، وهذا تسرّع غير محمود ومصاريف غير مبررة تماماً. وفي حين أن هنالك من الملاحظات على عمل الحكومة، القصير، ما يمكن أن يملأ ملفات كثيرة، نحن قادرون على تجميع مثلها، وبمضمون أكثر جذرية من تلك التي أثيرت”.

أما الموضوع الأكثر إلحاحاً فكان برأي موفق نيربية هو إصلاح الائتلاف ذاته، وهو السبب الكامن وراء ضعف أداء الحكومة. وبالمعنى المباشر، كما يقول نيربية فإن “الائتلاف لم يضع نظاماً للعلاقة بين الحكومة وبين مؤسساته، الأمر الذي يضع لها معايير ومحددات للعمل، وأهملها وتسقّط أخطاءها، بل إن رئيس الائتلاف السابق أحمد الجربا لم يجتمع بالحكومة مرة واحدة خلال عام كامل، ولم يدعم تمويلها كما ينبغي، فهي عملت على تأمين مبلغ محدود ثم أخذت بتنظيم صرفه، ثم نأتي لنطالبها بميزانية أصولية على غرار الحكومات العادية، ونطالبها بتغطية نفقات تحتاج إلى أضعاف أضعاف ما لديها.

الآن، أقيلت الحكومة وانتهينا، نعمل على ألا تكون الفترة الفاصلة فشلاً جديداً، ونعمل على ألا تكون الحكومة الجديدة مجرد محاصصة وتقاسم للمناصب أو غطاء لسلطات قد يكون ضرب الائتلاف هدفاً لها”.


إطار العمل المشترك


ولا يتصور نيربية الائتلاف على أنه جسم متماسك بقدر ما يراه إطاراً جامعاً لتيارات مختلفة، “ينبغي النظر إليه على أنه إطار للعمل المشترك ببن أطراف الثورة والمعارضة لا كطرف معارض بحد ذاته. تحوله إلى طرف، بسبب الارتهان أو بسبب تسلط البعض على الكلّ فيه، لا يؤدي إلى فشل الإطار وحسب بل إلى فشل أكبر وأوسع منه، وإلى إطالة أمد سفك الدم السوري، لقد ولد الائتلاف حاملاً لعاهات تلغّم وجوده، ثم تطور في مناخ سيئ من التفرد والإقصاء والفساد، لكنه ما زال البنية السياسية الشرعية بتمثيلها لشعبنا، وبقبولها من أصدقائنا.. فنحن مطالبون، ليس بالحفاظ عليها الآن، بل بنقدها وتطويرها، إلى أن يخلق الله أمراً كان مفعولا”.

يعتقد نيربية أن هناك قوى سورية عديدة تحب "النوم مع العدو" الذي يمثله التطرف الإسلامي والمتطرفون


البنية الداخلية


لا يفشي نيربية سراً حين يقول: “هناك من يعمل اليوم على إنهاء الائتلاف وإيجاد بدائل له، وهؤلاء نوعان من الجماعات: أولها أولئك المستبعدون منه أو من الذين سئموا من حالته المزرية، وثانيها أولئك الذين يريدون تعزيز نوع من الهيمنة العصبوية التي تكرس كل سلبيات الوضع الراهن وتحويلها مما يشبه فوضى الجريمة، إلى حالة الجريمة المنظمة، ونحاول استيعاب الخطين أو إفشالهما حسب واقع الحال. ينقصنا المزيد من تفهم شعبنا وفاعليته فيما يجري، لذلك نصرّ على أولوية “الداخل” كما نفهمه”.


الإسلاميون


بعد التغيير الذي أصاب بعض البلدان العربية، وظهور صوت أصولي متطرف، إضافة إلى سوء التأويل من قبل التيارات العنصرية في الوعي الغربي للإسلام، أدى إلى “مشكلة فهم” للربيع العربي تكاد تكون عالمية وشاملة، فكيف تعامل الديمقراطيون مع هذا الواقع وكيف يمكنهم إعادة إنتاج الخطاب الديني في المشرق بصورته الوسطية؟ يقول نيربية: “يجب ألا ننسى استقبال العالم الإيجابي للربيع العربي في أشهره الأولى، حين ننظر إلى (مشكلة فهمه) له الآن، هنالك قوى عديدة تحب (النوم مع العدو) الذي يمثله التطرّف الإسلامي والمتطرفون، من الطغاة أنفسهم، بأنواعهم الحاكم منهم والمتواجد في المنطقة، والإسرائيليون، وأجهزة مخابرات تتعامل مع المسألة خارج القيم والمعايير لتحقيق إنجازات معينة، وبعضنا أيضاً. هذا يجعل المهمة مضاعفة الصعوبة، ولكن يبقى أن المسؤول الأول عن توضيح ذلك وتوليد سياسات وأفكار معاصرة هو الإسلاميون بأنفسهم، الذين لا بد لهم من الخروج من إغراءات فرض الهيمنة والغلبة من طريق المقدس أو شبه المقدس، لا بد لهم من ( تحديث) اجتهاداتهم وترجمتها سياسياً بما ينسجم مع الشرائع الدولية الناظمة لعالم اليوم، وألا يتباروا في المزايدة في الابتعاد عنها”.


دور العلمانيين


أما العلمانيون فقد ينظر بعضهم بتشفٍ إلى انهيار المشروع الإسلامي هنا أو هناك، ولكن النخب الواعية والمسؤولة منهم، تدرك أن انتشال المتدهورين مما هم فيه إنما هي مسؤولية مشتركة ولا تقع على الإسلاميين وحدهم، يقول نيربية: “هنالك مسؤولية هامة على كاهل (العلمانيين) الذين أسسوا منذ زمن لعلمانيتهم بوصفها مجرد تعارض مع الدين، لا كما هي، سيادة القانون والمواطنة ومنع الهيمنة من أحد الطرفين على الآخر، الدولة والمؤسسة الدينية… هذا يحتاج إلى عمل دؤوب كبير كلنا مسؤول عنه، والممارسة معيار للجميع.. نربح العالم حين نربح أنفسنا وحسب، ما يمكن أن يضاف، هنالك مسؤولية على المجتمع الدولي في مشكلة التطرف وأدواته الحالية وانتشاره، وعليه القيام بواجبه في هذا المجال، بطريقة لا تعمق المشكلة وتعقدها”.


الحرب الأهلية


في ظل التباعد الكبير بين الأطراف المختصمة على جميع قضايا البلاد العربية تقريباً، تدخل سوريا في منطق الحرب الأهلية كما يرى كثيرون، فما هو المدى الذي سينجح فيه المجتمع المدني في حل مشكلات بلاد مثل سوريا؟ لا يرفض موفق نيربية مفهوم “الحرب الأهلية” ويوضح أنه “غالباً ما تتحول الثورات إذ تتعمق وتأخذ وقتها إلى حرب أهلية. هذا ليس غريباً في بلد كبلدنا ونظام حكم كنظامنا استمر عقوداً ينخر ويفسد، ما هو زائد عن هذا السياق، هو الاستنقاع حتى أصبحت أطراف الحرب أربعة (النظام وداعش وحزب العمال الكردي ونحن) ولن يخرجنا من هذه الدوامة إلا إحياء (السياسة) والمجتمع المدني ومنطق الثورة نفسه. كيف يمكن أن يتم ذلك؟ بالعمل عليه وإعطائه أولوية وعدم الاستغراق في المهام الأخرى تحت تأثير الطغاة ومشاريع الطغاة لدى خصومنا، وعندنا في المعارضة كذلك”.

موفق نيربية يرى أن هناك مسؤولية هامة على كاهل العلمانيين الذين أسسوا منذ زمن لعلمانيتهم بوصفها مجرد تعارض مع الدين


الثقافة والثورة


بعد ثلاثة أعوام من الثورة وأربعين عاماً من الوصاية الرسمية، بقيت نخبة من المثقفين السوريين ذات نظر نقدي وموضوعي ومحايد ولم تغرق في الفوضى السياسية، فهل انخرط المثقف والثقافة في التقسيم السياسي الطائفي؟ مع أنه يلاحظ أن لهذا الانقسام جاذبيته على كثير من المثقفين، فما الدور الذي يلعبه المثقف للخلاص أو المساهمة في الخلاص من هذا الانشطار، يعتقد نيربية أنه من الصحيح جداً أن هناك موقفا “موقف نقدي وموضوعي” ولكنه يعتبر أن هذا الموقف ليس محايداً على الإطلاق، يقول: ” في العموم وفي بلادنا، ليس المثقف بمثقف ما لم يكن نقدياً، وليس بمثقف إن كان مع الاستبداد، أو طائفياً في أي جهة كان، ظالمة أم مظلومة، مع احترام الفارق، من الطبيعي أن يكون هنالك انقسام، وأنا متأكد أن أي طاولة بحث تجمع المنقسمين ستوحدهم ببساطة، إذا احترمنا المظلومية والهواجس معاً. كلاهما سيكون مع الديمقراطية والمدنية والتعددية والمواطنة والأمان والاستقرار، وسيختلفان-بتداخل- على كيف يمكن تحقيق ذلك”.


هل كان الديكتاتور على حق


لا يحدّث كثيرون أنفسهم بهذا، ولكنه سؤال يطرحه من يدور في فلك النظام السوري نفسه، حين يعيد على مسامع العالم أن الديكتاتور هو الحل، وأنه كان على حق، يقول نيربية: “مرعب أن يكون الديكتاتور على حق، بالطبع مرعب! قال الديكتاتور إننا غير مؤهلين للممارسة الديمقراطية، وإننا لا نستطيع المشي إلا وعصاه فوق رؤوسنا، وأن الفوضى بديله إذا ثرنا ورفضناه، وأن شعبنا تستحوذ عليه القيم ما قبل الوطنية وهي نائمة فلا توقظوها.. وأن بديله (أن نحرق البلد)، ونحن قادرون على عكس ذلك، لو فكرنا كما ينبغي، وعملنا كما ينبغي.. ولو أفهمنا العالم، وفهم أننا، كعباد الله الآخرين، جديرون بالتحديث والحداثة، لقد جربنا ذلك من قبل وكنا سباقين، ونستطيع ذلك الآن بجدارة أكبر، قائمة على تجربة من الدماء والدمار، نريد كل ما يمنع تكرارها في المستقبل”.


إنقاذ سوريا


يطرح بعض السياسيين السوريين اليوم مبادرات لإنقاذ سوريا، بعضها يعيد الحوار مع النظام إلى الواجهة من جديد، رغم اعتراف بشار الأسد نفسه أن جنيف قد مات إلى الأبد، وأن المعارضة هي مجرد خونة، فكيف يمكن إنقاذ سوريا في هذا المناخ، يقول نيربية: “أولا بوحدة المعارضة، على أساس تغليب ما هو عام على ما هو خاص، ثم بشن الحرب على الانتهازية في صفوفنا، وبعقلنة علاقتنا مع العالم وتحديثها، بالانطلاق من قواعد أولية، لا رجعة إلى وراء، ولا مستقبل للنظام، وبديله دولة مدنية ديمقراطية أساسها المواطنة والقانون والمساواة والعدالة، ومع أننا ندرك أهمية كسر تفوق النظام وحلفائه المختلفين، إلا أننا مع أي حل سياسي على أساس التغيير، ليوقف شلال الدم والتدمير، ثم بوقوفنا وشغلنا من دون تردد على حرب التطرف وقوى الظلام، بإدخال الدماء الشابة في صفوفنا لتحل محلنا بالتدريج وتتصدى بذاتها لمهمة المقاومة والبناء”.

13