"موفيولا" قراءة روائية في حقبة تاريخية مجهولة

الأحد 2015/11/15
رسم كاريكاتور يمثل رواية اسرائيلية لعلاقة الحسيني بهتلر

دعا كتاب ونقاد عرب على ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي جدد فيها مؤخرًا اتهاماته عن مسؤولية مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني عن المحرقة اليهودية بتحريضه الزعيم الألماني النازي أودلف هتلر، إلى إعادة قراءة رواية “موفيولا” للروائي الفلسطيني تيسير خلف (صادرة عن دار فضاءات – عمّان 2013)، والتي أرّخت وناقشت جوانب عديدة من حياة الحاج الحسيني (1895-1974) ومسيرة النضال الوطني الفلسطيني، والتي عمل فيها خلف على إنصاف الرجل وتبرئته مما نسب إليه زورًا ليس فيما يخص تهمة مشاركته بجريمة «حرق» اليهود، وإنما في قضايا كثيرة معقدة وشائكة وذلك بمقارعة الحجة بالحجة وتقديم البراهين والحقائق التاريخية الموثّقة، فكانت الرواية أول عمل من نوعه في هذا المجال في المدوّنة الروائية الفلسطينية.

ويحسب للروائي الفلسطيني في عمله هذا (206 صفحات من القطع المتوسط)، أنه انتقى من التاريخ ما خدم فكرته، ناسجاً سيَر شخصياته الواقعية والمتخيلة لتكون حاملة لرؤيته وداعمة لما يريد طرحه، وذلك دون استجرار التاريخ أو استدراجه لإطلاق أحكام عليه تنسجم مع مواقف ومفاهيم الكاتب.

ويحسب له أيضًا استعارته طريقة المونتاج السينمائي في روايته، ليقدم المشاهد الملتقطة من التاريخ في سياق الأحداث التي يرسمها، ويكون وفيّاً لعنوانه الذي يشير إلى آلة التحرير السينمائي أي المونتاج.

واليوم وفي خضم هذا الجدل الدائر، تحاور “العرب” صاحب “عجوز البحيرة” للوقوف على رأيه بمنجزه الروائي الثالث، وما ذهب إليه من نفي للدعاية الصهيونية وإثبات حقائق مغايرة لطرح الكثير من المؤرخين الصهاينة وحتى العرب ممّن ساروا في ركاب التأريخ الصهيوني والغربي؟ فيقول “حقيقة لم يكن هذا هاجسي، كان الهدف بالنسبة إليّ تقديم قراءة روائية لحقبة تاريخية مجهولة في مسار القضية الفلسطينية، مرحلة يسعى الكثيرون دائمًا لخذفها أو تجاوزها. إن إعادة تسليط الضوء عليها ينطوي على كمّ كبير من المفاجأة بالنسبة إلى القارئ المقولب وفق مجموعة من الأحكام والمقولات الجاهزة”. ويضيف “الرواية اقتراح أدبي لفهم ما جرى في فترة ما بين الحربين في فلسطين ومحيطها الإقليمي والدولي، وأظن أنني راض عما أنجزت”.

تيسير خلف: رواية التاريخ

وعن رأيه في الدعوة إلى إعادة قراءة هذه الرواية، التي مزج فيها بين تاريخ السينما الفلسطينية ومحطات تاريخية هامة من مسار الوطنية الفلسطينية، باعتبار أنها لم تنل حقها اللازم في الذيوع والقراءة حين صدورها، يشير خلف إلى أن هذا العمل استهلك منه جهدًا كبيرًا، “إذ زرت أكثر من مكان في العالم من روما إلى ميلانو إلى كومو في إيطاليا، إلى سويسرا وفرنسا وألمانيا، لم أشأ أن أكتب عن هذه العوالم دون إدراك الأبعاد الحقيقية للجغرافيا، ولو أتيحت لي زيارة يافا لزرتها، ولكن يافا التي كتبت عنها لم تعد قائمة، ولذلك استعدتها من ذاكرات الآخرين، ومن خرائط وصور قديمة، قبل أن تتغير وتمسح معظم تفاصيلها بعد الاحتلال. لقد راجعت الكثير من الأوراق والأرشيفات، وشاهدت الكثير من المواد الفيلمية، وهي رواية قامت على عملية بحث واستقصاء ليسا بالقليلين، ولذلك هي مادة فكرية وتاريخية أيضًا تستحق النقاش من هذه الزاوية”. وعن رأيه في ما إذا كانت “الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ”، يؤكد خلف أن “في الرواية هوامش كثيرة تساعد الروائي على استبطان روح الشخصيات التاريخية، فهي أشبه بالروح التي تنفخ في النص التاريخي وتحوّله إلى مادة حية تتنفس وتشعر”.

الرواية في مواجهة التلفيق وتزييف التاريخ

لا يستغرب خلف الافتراء الصهيوني وتزييف التاريخ، غير أن ما يستوقفه هو ما تلقاه مثل هذه الافتراءات التاريخية وتزوير الحقائق من تأييد وتأكيد من بعض الكتّاب والباحثين والمفكرين العرب الذين ساروا في ركاب المؤرخين الصهاينة، أمثال الكاتب والباحث اللبناني حسام عيتاني ومواطنه المفكر جلبير الأشقر وغيرهما، لا بل إن البعض من الكتاب العرب راحوا يدسّون السم بالعسل في محاولة بائسة للإساءة إلى مفتي فلسطين أحد الآباء المؤسسين للأمة الفلسطينية، والذي لعب في فترة زمنية هامة من تاريخنا المعاصر في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي -فترة ما بين الحربين العالميتين- دورًا رياديًا لا في مسار الوطنية الفلسطينية فحسب وإنما في مسار حركة التحرر العربية في النصف الأول من القرن العشرين، مثل اتهامه بالانضمام إلى حملة تجنيد البوسنيين المسلمين للقتال إلى جانب الاحتلال النازي ليوغوسلافيا ومرورًا بعلاقاته مع الرايخ النازي، وصولًا إلى دوره في إضفاء طابع ديني مقفل على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. والكثير من الاتهامات التي تندرج ضمن حملة مضادة ضد المفتي تبدأ في الأدبيات الإسرائيلية والغربية، وصولًا حتى أدبيات منظمة التحرير الفلسطينية، مرورًا بأدبيات اليسار الفلسطيني والعربي وغير ذلك، ولكنها في رأي العديد من الباحثين الفلسطينيين والعرب حملات أيديولوجية لم تتعامل مع المفتي كإنسان بل كخصم سياسي، معتمدة منطقًا تلفيقيًا.

وليس تفنيدًا لكل ما سبق من التلفيق والتزييف وإنما من باب ذكر الحقائق، يرى باحثون وأكاديميون ومؤرخون فلسطينيون وعرب في بحوثهم ودراساتهم أن الحاج الحسيني لم يكن ذلك الشخص الهامشي كما زعم البعض، وهو ليس بذلك الشخص التافه أو الساذج كما أراد أن يوحي بعضهم، فقد كان المفتي يدرك تمامًا التحالفات الدولية وطبيعتها ومآلاتها، وكان يجيد الفرنسية والتركية والإنكليزية تمام الإجادة، وكانت الفرنسية بمثابة لغته الأم، وخدم ضابطًا في الجيش العثماني وكان صاحب رؤية ومشروع نهضوي حضاري، فهو أول من أسس كيانًا سياسيًا للعالم الاسلامي كان برئاسته باسم “مؤتمر العالم الإسلامي”، وكان أبرز شخصية سياسية عربية باعتراف الجميع بين الحربين.

ولا شك أن لجوء نتنياهو التقليدي إلى الدعاية المستعجلة في وقت تشتد فيه أزماته السياسية الداخلية تدفع دومًا إلى شيطنة خصمه الفلسطيني، متكئًا بذلك على إرث والده “بنزيون نتنياهو”، الذي يعد أحد أبرز المؤرخين اليهود الذين تخصصوا في مجال الشتات اليهودي في أوروبا، ولا شك أن ذلك كله لم يشفع له وينجيه من السخرية والاستهزاء الذي طاله من عدد كبير من المؤرخين اليهود والمؤرخين الصهاينة، ومن شريحة واسعة من المفكرين والمؤرخين والباحثين الفلسطينيين والعرب، حتى وإن ضل بعضهم الطريق.
هوامش كثيرة تساعد على استبطان روح الشخصيات التاريخية

سير الأبطال بين التوثيق والتأريخ

يختار خلف للرواية مسمّى آلة المونتاج السينمائي القديمة، وفي منجزه الروائي هذا يعمل صاحب “دفاتر الكتف المائلة”، على استعادة زمن فلسطيني يبدأ قبل عام نكبة 1948 ويستمر بعدها بسنوات طويلة، من خلال مسارين متلازمين، وطني- سياسي، وفني-سينمائي، ليكشف لنا جوانب مهمة من تاريخ قضية فلسطين، من خلال تناوله جنبًا إلى جنب المسيرة النضالية والسياسية للحاج الحسيني، والمحاولات الأولى لصناعة السينما على أيدي رواد مثل الأخوين بدر وإبراهيم لاما ومن بعدهما محمد صالح الكيالي وإبراهيم سرحان، معرفًا بهم كصنّاع أوائل لهذا الفن في فلسطين، وبعلاقتهم بالسياسة والسياسيين في فلسطين وخارجها. وفي هذا الجانب يكشف المؤلف معلومات تاريخية جديدة نتعرف عليها لأول مرة.

وبين التوثيق والتأريخ، يروي لنا المؤلف سيرة السينمائي الرائد صالح الكيالي، مبرزًا الدور الذي نهض به شعراء وكتاب وفنانو جيل الثلاثينات من رواد النهضة الفلسطينية المبكرة في مواجهة المشروع الاستعماري البريطاني الصهيوني، الذي بنى أحد مرتكزاته الرئيسية على المقولة المجحفة “شعب بلا أرض، لأرض بلا لشعب”.

ويرصد خلف في روايته هذه رحلة المفتي الحاج الحسيني من فلسطين إلى بيروت إلى بغداد وإسطنبول وروما وبرلين ومقاطعة “سيليزيا” البولندية والقاهرة وغيرها من المدن، ودوره في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ولقاءاته مع قادة العالم أمثال موسوليني وهتلر وغيرهما. مبرزًا ما للرجل من مكانة ومنزلة في البلاد التي يحل بها ضيفًا مبجلًا، فنقرأ في رحلة المفتي إلى برلين بتاريخ 21 نوفمبر 1941 “يُفاجأ المفتي فور نزوله من السيارة، أمام مدخل المستشارية الألمانية الضخم، بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من عشرات الجنود، مصطفين في الساحة. لم يكن يتوقع أصلًا أن يكون لقاؤه مع الفوهرر في دار المستشارية، كان يظنه لقاءً خاصًا بعيدًا عن الاستقبالات الرسمية والمصورين والإعلام. يشير إليه مرافقه بضرورة استعراض حرس الشرف، فيسير على وقع الموسيقى العسكرية، بخطوات موزونة، وهو يؤدي التحية العسكرية. تتابعه كاميرا سينمائية وهو يدخل إلى أروقة الدار الطويلة بأبهائها الفخمة، إلى أن يصل إلى قاعة الاستقبال الفسيحة.

كان رئيس تشريفات الدولة بانتظاره. يجلسه دقيقة ثم يدخله إلى غرفة الفوهرر الخاصة. يرفع المفتي يده محييًا فيصافحه هتلر بوجه طلق وعينين معبّرتين، وبسرور ظاهر. يدعوه إلى الجلوس قبالته. فتلتقط الكاميرات السينمائية والفوتوغرافيه هذه اللحظة التاريخية التي ستصبح مادة رئيسة في هجاء المسلمين والعرب والفلسطينيين، في أفلام ومقالات الحرب وما بعدها”.

وبالعودة إلى تصريحات نتنياهو وما تلاها من كتابات صحفية تزيد من تشويه صورة مفتي فلسطين ودوره النضالي، يحدثنا خلف كيف يدحض الروائي ادعاءات “نتنياهو” القديمة – المتجددة حول “نصيحة مفتي فلسطين الحاج الحسيني لهتلر بـ’حرق’ اليهود”، بعيدًا عن لغة العواطف وبما ينصف الرجل تاريخيًا؟ فيقول “تعكس تصريحات نتنياهو الذهنية الصهيونية في قراءة التاريخ، إذ هي ذهنية اعتادت على قلب الحقائق أو تشويهها أو اجتزائها، أو قولبتها، والسبب جوهري في ذلك برأيي ناتج عن أنها كأيديولوجيا، معادية للتاريخ في سياقه الطبيعي والمنطقي. ونتنياهو هو ابن هذه الذهنية فقد نشأ في بيت مؤرخ صهيوني كان يؤمن برواية خرتفية لتاريخ المنطقة والعالم، وهذه الرواية، المستمدة أساسًا من مقولة العقد الإلهي مع شعب مختار يتعرض طوال مسيرته للمؤامرات والشرور والمحن، ولكن في كل مرحلة يخرج ملك يقود هذا الشعب من الظلمات إلى النور، ويعيد المجد الغابر لهذا الشعب!”.

مضيفًا “إذن، وفق هذه الذهنية يتحول العالم إلى أخيار وأشرار، إلى نحن وهم، وينحصر دور الآخر في التآمر وحياكة الدسائس والمؤامرات ضد هذا الشعب. ولذلك يمكن أن تقرأ مثل هذه التصريحات التي تبدو ساذجة إذا وضعتها في سياقها المنطقي، ولكنها عند صاحبها والمؤمنين بفكره هي الحقيقة المطلقة، ووفق هذه الذهنية المستمدة من الخرافات الكتابية فإن الخصم الحقيقي هو العربي، ولذلك لا بد وأن يكون موجودًا في مكان ما غير منظور في أيّ مقاربة للمحنة اليهودية المتجددة، ولذلك فإن هتلر أو من هم على شاكلته مجرد أدوات بيد عربي ما، صادف في هذه اللحظة التاريخية أنه الحاج الحسيني! الحقيقة التاريخية هنا لا تعني شيئًا بالنسبة إلى نتنياهو ومن هم على شاكلته، لأن حقيقة أخرى تشكل وعيه للواقع وللتاريخ.

وعن الغايات الحقيقة التي يرمي إليها نتنياهو بتوجيه هذا الاتهام لرجل كان يعتبر رأس هرم النضال الوطني الفلسطيني لسنوات طوال وتبرئة الزعيم النازي أدولف هتلر وفريقه من جريمة المحرقة (الهولوكست)، وعما هو متوقع أن يجنيه الصهاينة محليًا ودوليًا من هذه الدعاية ضد الحاج الحسيني ومن ورائه كامل الشعب الفلسطيني، في وقت تشهد فيه الأراضي المحتلة هذه الهبّة الشعبية والتي يعتبرها كثر مقدمات لانتفاضة ثالثة عارمة، يوضح خلف أن نتنياهو مستمر في برنامجه القائم على “شيطنة الفلسطيني” تمهيدًا وتبريرًا لموجة من القمع ربما يستعد لها في الفترة المقبلة، وهو من أتباع الحل الصفري مع الفلسطينيين، هو لا يريد فلسطينيين في إسرائيل، وتصوره للحل النهائي هو طرد جميع الفلسطينيين من إسرائيل التي يؤمن بها من البحر إلى النهر، وحتى هذا الكيان الذي يمثل “فلسطين الانتدابية” يراه نتنياهو كيانًا مجتزءًا من إسرائيل الكبرى المتوزعة شرقي وغربي نهر الاردن، هذا ما عبّر عنه صراحة في كتابه “مكان تحت الشمس″، وهذا ما يؤمن به حقيقة، أما موضوع تبرئة هتلر فهو، كما أسلفت، وارد في هذه الذهنية، لأن هتلر مجرد أداة بيد العدو الأبدي أي العرب الفلسطينيين، الذين قد تتغير أسماء قادتهم مع الزمن، ولكن الجوهر واحد، وهو أن مبرر وجودهم هو حياكة الدسائس لليهود، بحسب الذهنية الصهيونية التي يؤمن بها نتنياهو.

الحاج أمين الحسيني: التاريخ أدباً

اقصاء “المفتي” يأتي في سياق أيديولوجي

كما يعمد نتنياهو إلى مهاجمة الحاج الحسيني والإساءة له، يعمد الكثير من الكتاب والباحثين في فلسطين والمنطقة العربية، ومنهم الكاتب والباحث اللبناني حسام عيتاني الذي رأى في مقالة له نشرت مؤخرًا أن “الحاج الحسيني ليس بالشخصية التي يفتخر الفلسطينيون بها، ليس لانحيازه إلى جانب ألمانيا الهتلرية فحسب، بل لمجمل سيرته منذ أيام شبابه وتوليه منصب الإفتاء في القدس وسط صراعات الأعيان الفلسطينيين التي كلفت القضية الفلسطينية أثمانًا باهظة في ظل التمدد الاستيطاني اليهودي، وانضمامه إلى حملة تجنيد البوسنيين المسلمين للقتال إلى جانب الاحتلال النازي ليوغوسلافيا، وصولًا إلى دوره في إضفاء طابع ديني مقفل على الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي”. في محاولة لإنكار الحقائق التاريخية والتجني على مفتي القدس. وهو ما علق عليه خلف بالقول “لفتت نظري هذه القراءة لعيتاني، المقلوبة لمسار تاريخ الحاج الحسيني، والسبب في رأيي هو اعتماد بعض الصحفيين المتعجلين على موسوعات الإنترنت التي تعج بمثل هذه الأحكام، وهي موسوعات موجهة ولا شك، تنقل من بعضها وتخضع لرقابة مركزة، فإلقاء اللوم على الفلسطينيين وقياداتهم واتهامهم بأنهم هم السبب فيما حصل لهم ليس جديدًا، بل هو جوهر الدعاية الصهيونية التي تحاول أن تعزل الوقائع التاريخية عن سياقاتها وتركزها باتجاه واحد، أنا لا أعرف أنه كانت هناك خلافات في العشرينات والثلاثينات بين القيادات التقليدية الفلسطينية أكثر من خلافات القيادات والنخب في أيّ قطر عربي آخر، بل على العكس كان هناك إجماع على قيادة الحاج الحسيني ليس للفلسطينيين فحسب، لأن الهوية الفلسطينية لم تكن قد تبلورت في ذلك الوقت، بل لعرب الشام أجمعين، وربما للعراق أيضًا، هذه الأحكام تتجاهل سعي الحركة الصهيونية ومعها بريطانيا وفرنسا وأميركا لإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وتتنكر لدور رجل كرّس حياته للوقوف في وجه هذا التحالف الدولي، وتحيل ما حصل للفلسطينيين من نكبات إليهم أنفسهم.. غريب هذا المنطق!

ولكن إذا حللناه بنيويًا فسنجده هو المنطق ذاته الذي تتبناه الدعاية الصهيونية”. ويتابع “لفتتني أيضًا فكرة أن الحاج الحسيني أضفى طابعًا دينيًا مقفلًا على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي! هذه العبارة تمامًا موجودة في جميع المواد المنشورة على شبكة الإنترنت، وهي التي رسّخت قناعتي بأن من نقلها إلى العربية لا تتعدى ثقافته في هذا الموضوع ما وجده له محرك البحث، مهما حاول إكساء الموضوع وتغليفه بمثاقفة فارغة، الفكرة هي نفسها”.

ويستنكر خلف ذهاب عيتاني في مقالته أيضًا بأن الحاج الحسيني جنّد مسلمي البوسنة لكي يقاتلوا الإنكليز واليهود إلى جانب النازيين، مبرزًا أن “هذه أيضًا فكرة منقولة بحذافيرها عن المواد الدعائية الصهيونية المبثوثة في الإنترنت، فالحديث هنا عن أن الحاج الحسيني كان بوقًا للدعاية النازية، وبأنه جنّد مسلمين للقتال إلى جانب هتلر، هكذا، لأنه يتبنى الفكر النازي. ولكن ما هو هذا الفكر النازي الذي يتبناه الحاج الحسيني، هل هو فكر التفوق الآري على باقي الأعراق؟ أم أن الموضوع مخالف تمامًا لهذه الأدلوجة، لقد أجاب الحاج الحسيني بنفسه على هذا الأمر حين شرح في مذكراته وغير مذكراته أسباب سعيه لتجنيد مسلمي البوسنة للدفاع عن أنفسهم، بعد تعرضهم لمذابح فظيعة على يد عصابات الشتنيك بقيادة الجنرال الصربي دراغا ميخايلوفيتش، وكيف أخذ الأمر منه أكثر من عامين لتحقيق هذا الحلم، ولقد أكد أن الكثير من الألمان كانوا يعارضون ذلك، فالموضوع ليس بهذه البساطة ولا بهذه السذاجة، تجنيد البوسنيين كان للدفاع عن أنفسهم، رغم أن الألمان أخلّوا بهذا الشرط وساقوا البوسنيين وغيرهم للقتال على جبهة ستالينغراد”.

وبخصوص تقييم علاقات الحاج الحسيني مع الرايخ النازي، ومع كامل منظومة القيم والتفكير التي حكمت رؤيته إلى العالم؟ وهل أضر المفتي فعلًا بالقضية الفلسطينية وبالتالي خسرنا تعاطفًا دوليًا كان بالإمكان تحويله إلى رصيد إيجابي لدعم النضال الفلسطيني في بداياته، يبين خلف أن “هتلر كان يريد من الحاج الحسيني التأثير في الجنود العرب والمسلمين الذين يشكّلون عماد جيش الحلفاء في الكثير من الجبهات، وكان الحاج الحسيني يريد وعدًا من هتلر بدعم استقلال عرب المشرق في كيان حرّ موحد إذا فاز في الحرب، فالموضوع هو مصلحة متبادلة، للمفتي برنامجه ولهتلر غاياته، وهذا التلاقي في المصالح سمة من سمات البشر، وليس بمستغرب ولا هو بمستهجن في مسارات التاريخ، فحتى ستالين والاتحاد السوفييتي كان هناك تلاق في المصالح مع هتلر خلال فترة تاريخية معينة، وحتى الصهاينة عثروا على نقاط تلاق مع هتلر، وهناك كتاب لأحد منظري الصهيونية ويدعى “ستيفن وايز″ رحّب فيه بوصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا لأنه سيشكل ضربة قاصمة للاندماجيين اليهود..”. ويضيف خلف “المفتي تحرّك وفق عقلية براغماتية كان يمكن أن يكون تقييمها مختلفًا لو كانت نتيجة الحرب العالمية مختلفة. أما موضوع إضراره بالقضية وخسارة التعاطف الدولي، فعن أيّ تعاطف يجري الحديث هنا؟! تعاطف بريطانيا أم فرنسا أم أميركا؟

هذه هي الدول المتحكمة بالعالم الغربي، والتي كانت تشرف بشكل حثيث على تغييب الفلسطينيين وتهيئة الظروف لإسرائيل.. ولكنني أتساءل هل ينطبق ذلك على المعسكر الشيوعي؟ ولماذا لم يساعد تعاطفه الفلسطينيين على نيل حقوقهم؟”.

ويرى “خلف” أن المظلومية والإقصاء اللذين تعرض لهما الحاج الحسيني من جانب الزعيم المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية المرحوم أحمد الشقيري ومن الرئيس الراحل ياسر عرفات وكافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني منذ منتصف الستينات، يأتيان في سياق أيديولوجي، حين كانت الثورة الفلسطينية تتبنى الفكر اليساري، فالحاج الحسيني وجيله يمثلون عدوًا أيديولوجيًا طبقيًا لأبناء ثورة الستينات والسبعينات.

14