موقع الأسرة الريادي في خارطة الانتخابات المحلية التونسية

الشارع التونسي في كل الأماكن حتى الأقل كثافة سكانية شهد حركية غير عادية من خلال الحملات الانتخابية التي كثرت وعودها رغم الاعتقاد الجازم بأنها لن تتحقق وستبقى ضمن الشعارات الآنية.
الأحد 2018/05/06
محطات انتخابية بامتياز

لا يختلف اثنان في أن وسائل الإعلام التقليدية أو المحدثة قرّبت المسافة وجسرت الهوّة بين كل الفئات والشرائح الاجتماعية، ومن السهل جدّا الترويج لأي أمر أو حدث يهمّ الشأن الوطني، من ذلك مثلا الترويج للمحطات الانتخابية بأصنافها المحلية والتشريعية والرئاسية. إنه موضوع -رغم طابعه السياسي- يهمّ كل فرد ويدخل كل بيت ويؤثث كل مجلس، لما له من علاقة وطيدة بالمستقبل الفردي والأسري والمجتمعي. طرحت السؤال الذي يهمس به كل مواطن في تونس: لماذا تجنّدت كل الطاقات المجتمعية للاستحقاق الانتخابي المحلي (الانتخابات البلدية) رغم أن الحدث يأتي في ظروف سياسية واقتصادية شديدة التعقيد؟

لم تكن الظروف الصعبة التي يعيشها التونسيون حاجزا أمام الاهتمام بحدث الانتخابات المحلية التونسية، بل مثّل الحدث محطة هامة من الجدال الناتج عن التجاذبات السياسية والحزبية وحتى المدنية. تفرّقت الآراء بين مؤيد ومعارض، وبين مبارك ومقاطع، ووصل الجدال إلى الفضاءات العائلية بعد أن بدأ في رحاب قبة البرلمان والبرامج الحوارية وغيرهما من المحطات الهامة المتعلقة بالموضوع.

وبقطع النظر عن الاختلاف، فإن ما يشدّ الانتباه أن البعض من الأسر ساد علاقات أفرادها بعض التشنّج وفق المربع الفكري والأيديولوجي لكل فرد، فمن يوالون الحزام الحزبي للحكومة الحالية أو المتعاطفون معها تجدهم يدفعون بطرق وأساليب مختلفة نحو المشاركة أولا ثم التحفيز على انتخاب أحزاب الحكومة أو القائمات المستقلة التي تنضوي تحت خيمتها، فالأب مثلا وبحكم سلطته الأبوية المعنوية يحاول أن يجعل أفراد أسرته يصطفون وراء اختياراته الذاتية وانتمائه إلى جهة دون أخرى.

أما المتخندقون في صف المعارضة فإنهم يستعملون أساليب التنفير وذلك بالاعتماد على التذكير المستمرّ بالفشل الحكومي. أما الشق الثالث فهو الداعي إلى مقاطعة التصويت وهذا الرأي له ما يبرّره خاصة داخل الأسر الفقيرة أو التي لم تغنم من ثورة 14 يناير 2011 سوى المزيد من الفقر والمعاناة والتهميش.

الطريف أيضا أن الشارع التونسي في كل الأماكن حتى الأقل كثافة سكانية شهد حركية غير عادية من خلال الحملات الانتخابية التي كثرت وعودها رغم الاعتقاد الجازم بأنها لن تتحقق وستبقى ضمن الشعارات الآنية، ولعلّ أغربها وعود القائمات المترشحة للانتخابات المحلية بتوفير مواطن شغل للمعطّلين عن العمل، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق العمل البلدي. البعض من الأحزاب بدا أكثر شعبية في محاولة للقرب من الفئات الاجتماعية الشعبية، فحضرت المظاهر الاحتفالية وأقيمت تظاهرات ازدانت بقرع الطبول ودويّ المزمار والرقص ابتهاجا بفوز مأمول بعد الإعلان عن نتائج الاقتراع.

كما أن الأسواق الشعبية مثّلت هي الأخرى محطات انتخابية بامتياز في محاولة من المترشحين للالتحام بالفئات الشعبية، يستدرّون أصواتها في مظهر يريدون من خلاله القول “إنهم من أبناء هذا الوطن وجزء لا يتجزّأ من شرائحه وخاصة الشعبية”.

المظهر الطريف الثاني تمثّل في حضور المرأة، وهذا أمر طبيعي بالعودة إلى مخرجات الدستور، ولكن المرأة حضرت في بعض الأحيان وللأسف الشديد كديكور لأن القائمات ذات الخلفية الإسلامية جنّدت بين عناصرها نسوة ليبراليات غير محجبات في إشارة إلى انفتاحها ومدنيتها، وعلى العكس من ذلك سعت بعض القائمات ذات التوجه الليبرالي أو المدني إلى ضمّ محجبات في صفوفها لاستعطاف الوازع الديني لدى التونسيين.

الانتخابات المحلية من المفروض أن تكرّس ما يسمى في العرف الديمقراطي بـ”الحكم المحلي”، يعني أن سكان منطقة ما هم الذين يسطّرون الخطوط العريضة للتنمية على جميع الواجهات في منطقتهم في مجالات النظافة والبنية التحتية والترفيه.. وإذا كان الحال كذلك فإن الأسرة كخلية اجتماعية شديدة الأهمية في النسيج الاجتماعي، هي المعنية أكثر من غيرها بنتائج هذه الانتخابات، ولذلك فالأسر في تونس تعيش حركية غير عادية على وقع هذا الموعد. ولاحظنا نوعين من الاهتمام، تجسّد أولهما في تكثيف المطالبة بالنظافة وتوفير وسائل الترفيه لدواع صحية وثقافية تحافظ على المسار السليم لتربية الأطفال.

أما الاهتمام الثاني فكان سياسيا، أي بمعنى فقدان الثقة في الأحزاب سواء كانت داخل الحزام الحكومي أو خارجه، وهو ما أنتج بالتأكيد نوعا من العزوف، وخير مثال على ذلك أن الأمنيين والعسكريين الذين خوّل لهم الدستور لأول مرة في تونس أن يكونوا ضمن الكتلة التصويتية لم تصوّت منهم إلا نسبة 12 بالمئة من مجموع ما يفوق 36 ألف شخص.

السؤال الجوهري يتمحور حول الإمكانية الفعلية المتاحة للأفراد والعائلات والمجتمع المدني والأحزاب، لتغيير المظهر العام للمناطق البلدية بما يساهم في الرقيّ بالحياة وتحسينها في ظل الكمّ الهائل من المشكلات التي تعيشها كل المناطق والتي تتفاقم كثيرا في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية. التجارب الماضية أثبتت أن جل الوعود الانتخابية تبقى حبرا على ورق ولا يتحقق منها إلا النزر القليل، ولعل هذا الاستحقاق يكذّب التجربة ويدفع إلى الأفضل.

21