موقع "اليسار" على الخارطة السياسية السورية

السبت 2014/06/07

تبدو مسألة اعتبار «حزب الله» كحامٍ ووصي وحيد على القضية الفلسطينية، مسألة لا أخلاقية، تتعاطى مع الآخرين وكأنهم إمّا محايدين خطرين يجب التنبّه الدائم لخطر حياديتهم. أو أنّهم عملاء مفترضين، يجب إعادتهم إلى جادة الحق والصواب، ولو بالقوة إن لزم الأمر، وهذا حاصل فعلا، وقد تُرجم بشكل أوضح ما يكون في تبريرات «حزب الله» والملتحقين بـه من شيوعيي الأمس، الذين انحسر دورهم لدرجة ما عاد يتعدى التبرير والتلميع لصورة وممارسات هذا الحزب، بعد أن استقالوا من دورهم وتركوه. بل عجزوا في أحيان كثيرة عن تبريـر رفع أعـلام الحسين في القصير وبعض المناطق الأخرى التي احتلّها «حزب الله» وبعض القوى الطائفية التي تشبهـه من جنسيات متعدّدة، في دلالة واضحة على الطبيعة الطائفية لتدخّل هذا الحزب وباقي القوى التي تتمتّع بنفس الأيديولوجيا.

أو قبلها عندما أعلن عن تدخله لحماية «المقامات والمقـدّسـات»، وبعـض المناطـق الحدوديـة مع لبنان التي تقطنها أقليّة شيعيـة اعتبر أن من حقّـه التدخّل لحمايتهـم. لكن هل ملأ “حزب الله” الفراغ المفترض بمسألة القضية الفلسطينية؟

بتدخله في الحرب السورية إلى جانب النظام، لأسباب طائفية شتى، حاول تبريرها بحماية المقاومة المتوقّفة أصلا منذ العام 2006 بفعل القرار الأممي (1701)، أخذ الصراع شكلاً طائفياً ذو أبعاد إقليمية، ما عاد لهذا الحزب أو غيره من الملتحقين به إخفاءها أو التستّر عليها.

هذا الصراع الطائفي الذي قد يُفضي إلى تقسيم البلاد بما يتوافق مع مصالح إيران، وبما لا يهدّد أمن “إسرائيل” التي تراقب الأحداث، وتتدخّل حيثما يجب. أي حيث تخرج اللعبة عن الخطوط التي يبدو أنّها متّفق عليها، كعمليات تهريب بعض الأسلحة النوعية من سوريا باتّجاه لبنان، والتي قصفها الطيران “الإسرائيلي” أكثر من مرة.

وإذا ما بقيت المجريات ذاهبة بالاتجاه المرسوم إقليميا لها دون أي مفاجآت، فهذا يعني أن البلاد ذاهبة إلى أكثر من سيناريو تقسيم، كلّها أسوأ من بعضها. لكن الذي قد لا يكون بحسبان القوى التي سمحت لنفسها بالوقوف ضد أحلام وطموحات الشعب السوري بالتغيير، ونيل حقوقه وحرّيته وكرامته، هو أن أي تقسيم جغرافي للبلاد سيبطل فاعليتها، وينهي وجودها، وقد يضرب إمكانية نشوء غيرها، بسبب النقمة الشعبية الواضحة على ممارساتهم، وفي ظل حركة تديّن أوضح، وجد الناس فيها آلية وطريقة يفسّرون بها واقعهم في ظل غياب أيديولوجيات أخرى، إن لم يكن في ظل معاداة حَمَلَة ومتبنّي هذه الأيديولوجيات لهم.

فاقتصار دور “اليسار الرسمي” الديكوري على التبرير، لأسباب ودوافع كثيرة، قد يكون المال الإيراني “النظيف” واحدا منها، أنهى مرحلة تاريخية كاملة، كان من الممكن أن تشكّل فارقاً فيما لو لم يتورّطوا بما تورّطوا به.

هذا أدّى لمحاولات استنهاض معلولة من بعض قوى اليسار المعارض الرافضين لنهجه وممارساته، والملتحقين بالثورة، لكن بالمقابل، وقع هؤلاء بذات الأخطاء التي وقع بها “اليسار الرسمي” قبلهم، إن في تحليلهم للأوضاع الإقليمية، وانعكاساتها على الثورة السورية، كالموقف ممّا يحصل في تركيا مثلاً، أو الموقف من الأقليات الطائفية في دول الخليج، فيما يتناسون في المقابل الاحتلال الإيراني للأحواز ومآسي أهلها اليومية. أو في مسائل تتعلّق بالموقف الضبابي السطحي من طائفية النظام رغم إدانتهم له، وهذه ربّما لقصور في القدرة على فهم المسألة الطائفية، أو لتمنيات “عاطفية” بألا تصل الأمور إلى هذا الدرك، مع أنها وصلت بطبيعة الحال كما هو واضح على الأرض بشكل جلي.

انزلاق هؤلاء إلى التشابه في مواقفهم مع “اليسـار” الموالي للنظـام في كل ما يجـري في سوريا ومحيطها، أدّى إلى عزلهم، وعـدم تمايزهم عنه. أدّى أيضاً إلى نتائج عكسيـة، كانت في محصّلتها استكمـالاً للامبالاة “اليسـار الرسمي” بمستقبـل الطبقات المعدمة والتي سيكون من العسيـر عليها بناء بديلها في المدى المنظور، هـذه الطبقات التي أصبحت تمثّل أكثر من نصـف الشعب السوري كنتيجة طبيعية لممارسات النظام في هذه الحرب التي كانوا وقودها الحقيقي.

والمسألة لا تنتهي هنا، لأنه إذا كانت رؤيـة “اليسـار الرسمي”، “كالحـزب الشيوعي السوري” بمختلف فصائله، وبعض “الأحزاب الشيوعية اللبنانية” القريبة من “حزب الله”، لمسألة الأراضي المحتلة، ترتكز على الاعتماد على “حزب الله”، أو ما يصطلح عليها قوى “الممانعة”، فإن الرؤية مشوشة لدى ما يسمّى “اليسار الجديد” الذي لم يستطع بعد بلورة رؤية واضحـة حـول هـذه المسألـة، تتخطّى مطالبـه البديهية بالتحرير الشعبي للأرض، من خلال طرح آليات ورؤى جديدة ولو نظرية.

وهذا ما يدعو إلى الاستنتاج بأن الاكتفاء بالمطالبة لم يعد يتعدى إعلان موقف، لا تترتب عليه بالممارسة العملية أي مسؤولية، تخوّله في لحظة تاريخية ما الأخذ بزمام المبادرة.

ومن يتابع مواقف الاصطفاف السياسي الآخر، أي الموالي بكل تشكيلاته، وخلفياته الأيديولوجية في سوريا ولبنان، سيجد مواقف متطابقة من كل المسائل المتعلّقة في سوريا والمنطقة، وهو تطابق يدعو إلى التساؤل بحق: ما جدوى تعدّد هذه التنظيمات، إذا كانت الرؤى والآليات هي ذاتها؟

وما ينطبق على هذا الاصطفاف، ينطبق أيضا على الاصطفاف المقابل، أي “المعارض” بكل تشكيلاته، و”اليسار” جديد النشوء جزء منه. فالقاسم المشترك في صفوف تشكيلات هذا الاصطفاف، غياب الرؤى المتماسكة، مع تفاوت في التمسك بهذه القضية، أو تلك، أو إغفال واحدة على حساب أخرى ليس أكثر.

استمرار الحال بهذا الشكل، سيؤدّي بالضرورة لاستمرار المأساة التي قد يكون من أهم نتائجها، ليس فقط تقسيم سوريا، بـل وتقسيم المنطقة برمّتهـا، وهذا ما سيشكّل خريطة سياسية جديدة، أبرز معالمها، وأد المقاومة إلى غير رجعة، بعد ضرب البنية المجتمعية السورية- الفلسطينية في المنطقة، في ظل نوايا رسمية فلسطينية بعقد اتّفاق سلام نهائي مع العدو، يُنهي المسألة الفلسطينية بلاجئيها.

وغياب أكيد لقوى “اليسار” التي ربّما لن يتقبّلها المجتمع في المرحلة اللاحقة ما لم تتنبّه سريعا لدورها، وضرورته كضمانة وطنية تمنع كل المشاريع والمخطّطات في سوريا والمنطقة، وتحمي الفقراء من إعادة إنتاج أنظمة النهب والاستبداد ومراكمة الأموال على حسابهم.


كاتب سوري

8