موقع شالا الأثري تاريخ مغربي مطمور

الاثنين 2014/04/21
موقع أثري يختزن كنوزا من التاريخ

الرباط- على ربوة تطل على ضفاف نهر أبي رقراق (الرباط)، تستقر أطلال أحد أقدم المدن الأثرية في المغرب، “مدينة شالا”، التي يعود تاريخ بنائها للقرن السادس قبل الميلاد، والتي نجحت الحفريات والأبحاث الأركيولوجية منذ أكثر من نصف قرن في الكشف عن بعض ملامحها، فيما ظل جزء مهم من معالمها وأسرارها مطمورا تحت الأرض، وفي حاجة للمزيد من البحث والتنقيب.

يقول باحثون في علوم الآثار والتراث بالمغرب إن مدينة شالا (أو سلا قديما) كانت مركزا تجاريا مهما، شيدت أجزاء مهمة منها خلال القرون الأولى للميلاد، على منوال المدن الرومانية القديمة، وأن حدودها الجغرافية كانت شاسعة وممتدة إلى حدود الشاطئ الأطلسي، إلا أن المعلومات التاريخية عن هذا الموقع تبقى محدودة؛ بسبب انحسار الأبحاث وتوقف الحفريات الأركيولوجية، ما يجعل -حسب هؤلاء- قسما أساسيا من تاريخ المنطقة وخصائصها مجهولا لدى الدارسين.

وفي هذا السياق صرح عمر أكراز، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، أن الحفريات داخل الموقع الأثري توقفت منذ تسعينات القرن الماضي لأسباب مادية محضة، وكان عالم آثار فرنسي يدعى جون بوب قد أطلق الحفريات داخل هذا الموقع سنة 1958، لتتواصل على مدى عقود، محققة إنجازات تاريخية واستكشافات مهمة، مكنت من جمع مادة غنية حول مدينة شالا وعن تاريخ المغرب القديم، ومع حلول سنة 1997 توقفت أعمال بعثة هذا العالم بالمنطقة، لتتوقف معها منذ ذلك الحين الأبحاث الأركيولوجية بموقع شالا.

وتفيد الرواية التاريخية بأن مدينة شالا كانت تدعى فيما مضى سلا وتعني في اللغة الآرامية والفينيقية القديمة الكثرة وذلك للنشاط المشهود الذي عرفته هذه المدينة من حركة تجارية وحضرية. ويرى أكراز أنه من الصعب رسم حدود جغرافية واضحة لمدينة شالا قديما، خاصة تلك التي تعود للعهد الروماني وما قبله، مشيرا إلى أن حدود المدينة تمتد لما هو أبعد من الأسوار التي تُحوطها حاليا، وأن ما تم اكتشافه ليس إلا الجزء الرسمي من شالا، أي الجزء الذي يضم بناياتها العمومية، فيما تظل الأحياء السكنية وأسواقها التجارية مجهولة التفاصيل.

موقع شالا ورشة تاريخية غنية، تحفظ العديد من المعلومات التاريخية عن المغرب خلال فترة الحكم الروماني والفينيقي

ويضيف أن شالا كانت مميّزة عن سائر المدن الرومانية التي أقيمت في المغرب إبان التواجد الروماني، فسكانها ينتمون إلى طبقة النبلاء وأصحاب الثروة لاشتغالهم بالتجارة البحرية، وهذا الغنى يبدو واضحا -حسب محدثنا- من خلال طبيعة مواد البناء التي تم اختيارها لإقامة أجزاء واسعة من المدينة، حيث تم استيراد قطع من الرخام الخاص من بعض البلدان المتوسطية، لاستخدامه كبلاط أرضي أو لتزيين أعمدة وأقواس المدينة وحماماتها، التي تمتاز بنقوش وزخارف فريدة.

من جانبه يرى المعطي منجب، أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط، أنه خلال حكم الدولة المورية (دولة أمازيغية قديمة بالمغرب) ازدهرت هذه المدينة وأنشأت الكثير من معالمها الحضارية، وأضحت مركزا تجاريا بالغ الأهمية، وذلك بشكل خاص في عهد الملك يوبا الثاني (52 ق.م -23 م) وابنه بطليموس (23-40 ميلاديا).

ويضيف المعطي، أنه مع وصول الرومان إلى شواطئ الأطلسي المغربي وسيطرتهم على عدد من ثغورها البحرية، اتخذ معمار شالا هيئة المدينة الرومانية بكل تفاصيلها وخصائصها، حيث أنشأت بها ساحة عمومية ومعبد ديني، وساقيات ماء عمومية كسائر المدن الرومانية القديمة.

ويشير منجب، إلى أنه رغم تراجع هيمنة الرومان على شواطئ الأطلسي المغربية خلال القرن الثالث للميلاد، استمرت سيطرتهم على شالا إلى غاية بداية القرن الخامس للميلاد، وذلك بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية التي تكتسبها وموقعها الجغرافي المتميز، حيث تمت إحاطتها بسور دفاعي ضخم، تبين الحفريات التاريخية أنه كان يمتد على مساحات شاسعة تصل إلى حدود الواجهة البحرية الأطلسية، مُزوّد بأبراج للمراقبة العسكرية وبحصون دفاعية قوية.

إلا أن تألق المدينة وإشعاعها الاقتصادي تدنى مع نهاية السيطرة الرومانية، ليقل ذكرها في الروايات التاريخية، وبقيت شالا بعدها مدينة منسية طوال الفترة الممتدة من القرن الخامس للميلاد إلى حدود القرن العاشر ميلادي.

وكانت مدينة شالا التي عُرفت ولمئات السنين كمدينة رومانية، حسب المؤرخ المغربي المعطي منجب، اتسمت خلال القرن الثالث عشر ميلادي بطابع إسلامي، كما أصبحت مصدر تأمل وإلهام للعديد من الأدباء المغاربة الذين دأبوا على الإقامة بين أسوارها العتيقة. وفي عهد الدولة المرينية (حكمت المغرب ما بين 1244م – 1465م) اختار السلطان أبو يوسف يعقوب أحد أبرز حكامها، أن تأوي شالا مقبرة ملكية تدعى “مقبرة الشرفاء” يدفن بها سائر ملوك وأمراء هذه الدولة، وأقام بها مسجدا على الطراز المغربي الأندلسي، يظم زخارف ونقوش مميّزة ومدرسة قرآنية.

هذه المعطيات التاريخية مازال الكثير من آثارها حسب باحثين ومختصين في الآثار، “مطمورا تحت الأنقاض”؛ وذلك بسبب توقف الحفريات الأركيولوجية بهذا الموقع الأثري القديم، الذي يعد أحد أقدم الحواضر في تاريخ المغرب، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.

وفي السياق ذاته قال، عبدالقادر الشرقي، محافظ موقع شالا والوداية الأثريين بالعاصمة المغربية الرباط، إنه رغم توقف الحفريات الأركيولوجية الرسمية بموقع شالا الأثري منذ سنة 1997، إلا أن بعض الأبحاث التي يقوم بها باحثون مغاربة مختصون في مجال علوم الآثار أو أجانب قادمون من جامعات دولية تجعل من موقع شالا ورشة تاريخية غنية، تحفظ العديد من المعلومات التاريخية عن المغرب خلال فترة الحكم الروماني والفينيقي وعن طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تربط هذه الحاضرة، بباقي شواطئ الضفة المتوسطية.

تألق المدينة وإشعاعها الاقتصادي تدنيا مع نهاية السيطرة الرومانية، وقل ذكرها في الروايات التاريخية

وترتبط مدينة شالا في الذاكرة الشعبية المغربية بعدد من الأساطير والخرافات، جعلت من موقعها الأثري مكانا مقدسا يأوي أضرحة الشرفاء والأولياء، ومزارا تقصده بعض النسوة طلبا لقضاء ما استصعب عليهن من حوائج.

وتأكيدا لذلك يقول شكيب الهبة، دليل سياحي بالمنطقة، إن النسوة كن فيما مضى يقصدن حوضا يسمى حوض نون (لوجود أسماك النون به) كان يخصص للوضوء، ملحقا بالمسجد الذي أقامه المرينيون، ويقال حسب الاعتقاد الشعبي، إن “جنية” تسكنه وأن إطعام الأسماك ورمي القطع النقدية ستساعدهن على تحقيق أمانيهن، كما كانت تقام بالمدينة مواسم صوفية حول بعض الأضرحة التي دفن بها بعض العلماء المغاربة منذ قرون، إلا أن هذه العادات والتقاليد حسب الهيبة قد اختفت منذ سنوات.

ويذكر أن المغرب يضم عددا مهما من المواقع الأثرية التاريخية التي يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ كموقع “طوما” بالقرب من مدينة الدار البيضاء (90 كلم جنوب الرباط) الذي اكتشفت به آثار تواجد بشري تعود إلى أكثر من 700 ألف سنة، وموقع “جبل يغود” (جنوب المغرب)، الذي يضم آثارا تعود إلى الفترة التي ظهر بها أول “إنسان عاقل” بالشرق الأوسط قبل 190 ألف سنة، حسب المؤرخين.

12