موقف الفرانكفونيين من العربية

الثلاثاء 2014/11/04

في مكتبة شارل دي غول بتونس العاصمة طلب الطاهر بن جلون من الحاضرين الذين هبّوا للقائه إثر فوزه بجائزة غونكور عام 1987 ألا يسألوه لماذا لا يكتب بالعربية. وبن جلون ليس الوحيد الذي يرى في هذا السؤال نوعا من التحقيق البوليسي عن الهوية، فالكتاب العرب الفرانكفونيون عموما يحجمون عن الإجابة، وإذا ما اتسعت صدورهم له، عزوا ذلك إلى قصور العربية عن التعبير عن هواجسهم ومشاغلهم. وقلّ أن نجد من بينهم كاتبا اعترف صراحة بقصوره هو عن الكتابة بالعربية، وبأنه لا يمكن أن يكتب إلا باللغة التي يمتلكها بشكل يسمح له بتطويعها كما يشاء لخدمة أغراضه الفنية. تقول الكندية مافيس غالاّن، حينما سئلت عن سبب اختيارها الأنكليزية، وهي التي عاشت في باريس ردحا من الزمن حتى وفاتها قبل أشهر قليلة: “لا نختار اللغة التي نكتب بها، فقد قضى سان جون بيرس ومرغريت يورسنار سنوات عديدة في أميركا، وظلت لغة الإبداع لديهما هي الفرنسية. ذلك أن لغة الخيال لها جذورها الخاصة”.

ولكن الإجابة لا تكون كذلك حينما يُسأل كاتب عربي يكتب بلسان الآخر، فغالبا ما يحمّل لغة الضاد وحدها سبب انصرافه إلى سواها، بدعوى أنها تعوق انطلاق إبداعه. هذا مثلا الجزائري كمال داود، يفسر في حديث لجريدة لوفيغارو، عقب صدور رواية له بالفرنسية، لماذا لم يكتب روايته تلك بلسان عربي بقوله: “إن اللغة العربية فخخها المقدس والإيديولوجيات المهيمنة. لقد وقع تحريز هذه اللغة، وتسييسها، وأدلجتها”.

أما عن المقدس والسياسي التي يزعم داود أنها نفرته من العربية، وألقت به في حضن “لغة الحرية”، فالعيب هو أن نتجنبها وهي خبزنا اليومي، ونستبدل بها نصوصا موغلة في الذاتية، بل إن غيابها هو مأخذ رئيس في الآداب الفرنسية نفسها. وحسبنا أن نسوق ما كتبه موريس زَفران في افتتاحية “المجلة الأدبية” لهذا الشهر: “لماذا يمتنع روائيونا الكبار عن الخوض في أدواء المجتمع الفرنسي وتصدعاته والمسكوت عنه.. خلافا للروائيين الأميركان والطليان والألمان والأسبان ؟”.

عندما سئل فيليب روث لماذا لا يكتب بالعبرية أو اليديشية وهو اليهودي أجاب: “هوس الروائي هو اللغة. إيجاد الكلمة التي تلي، التي تناسب. هذه الكلمة بالنسبة إليّ، كما هي بالنسبة إلى شيفر ودي ليلّو وأوتس وستايرون وأبدايك، تنتمي إلى الأنكليزية التي تُتداول في أميركا. تأتي أو لا تأتي بالأنكليزية الأميركية. أتوصل أو لا أتوصل لقول ما أريد قوله كما أريد بالأنكليزية الأميركية”. ولم نقرأ أنه انتقص لغة اليهود لتبرير تمسكه باللغة التي ينشئ بواسطتها نصوصه.


كاتب تونسي مقيم في باريس

15