موقف تركيا من الثورة السورية

الأربعاء 2013/09/25
تركيا أسقطت مخاطر الجهاديين من حساباتها المستقبلية

كانت علاقات تركيا مع النظام السوري، من أقوى العلاقات السياسية والاقتصادية قبل الثورة، وتبنت حينها تركيا نظرية أوغلو في (تصفير المشكلات) مع المحيط الإقليمي ومع العالم.

وتلاقى ذلك مع عاملين، أولهما: طرد النظام السوري من لبنان، وإمكانية ملاحقته هناك، وقيامه من جراء ذلك بنقل الكثير من أموال الفساد إليها، والثاني: تعقد علاقات تركيا مع الاتحاد الأوربي. عزز من ذلك موقفها القوي لصالح غزة أثناء الغزو الإسرائيلي آنذاك، وبالتالي أصبحت سوريا بوابة تركيا نحو العالم العربي والمنطقة.

وبالطبع تطور هذه العلاقات ساعد على تطوير علاقات تركيا بإيران سيما وأن علاقات سوريا بإيران مميزة منذ الثورة الإيرانية، ليتشكل لسوريا محور إقليمي -وبالأصح لتركيا-، بديل عن محور السعودية ومصر، والذي خسرته أثناء موقفها من حرب تموز الإسرائيلية ضد لبنان عام 2006، وبالتالي نشأت علاقات قوية آنذاك بين سوريا وتركيا، بل وقد نشأت علاقات عائلية بين رؤساء الدول أنذالك.

وقد ضغطت تركيا أثناء غزو غزة على الأخوان المسلمين السوريين، ليوقفوا مهاجمتهم للنظام السوري، وهو ما فعلته وبدأت جملة صلات وعلاقات وتنسيق ولقاءات تخص كيفية حل المشكلة بين الإخوان المسلمين وبين النظام السوري؛ طبعاً كان كل ذلك يتم على حساب الديمقراطية في سوريا، وعلى حساب المعارضة السورية كذلك، حيث كان الإخوان ضمن إعلان دمشق، وضمن إطار انتهازي، تحصل من خلاله جماعة الإخوان على صلح ما، وتأخذ حصة ما من السلطة؛ ولكن النظام السوري لم يكن يعنيه الأمر أكثر من فتح صلات مع أميركا عبر تركيا، وبدء تنشيط الدبلوماسية بخصوص إيقاف الضغط عليه بعد مقتل الحريري، وبقصد شرعنة نفسه من جديد؛ وهو يمتلك خبرة جيدة بهذا الخصوص، أي في إطار سياسته الخارجية لصالح إخراج نفسه من الأزمات الداخلية أو الإقليمية.بدء الثورة، استمرت تركيا في سياستها السابقة، وحاولت التواصل مع النظام كي يقدم تنازلات حقيقية للشعب، وإلا فإن الثورة ستتصاعد، أي انحازت للنظام وللإخوان بالتحديد، ورغبت في إعادة إنتاجه بديمقراطية ضعيفة، تُدخل الإخوان إلى السلطة، وتعطي بعض الفتات للشعب؛ لم يفهم النظام كل ذلك، وبقيت تركيا على موقفها هذا طيلة نصف عام من الثورة، ولكن وحينما فقدت الأمل، وقبل ذلك بقليل، فتحت أرضيها للمعارضة السياسية وللمنشقين العسكريين، كتهديد مباشرة للنظام، فإما أن تُدخل الإسلاميين في السلطة، أو سأعمل على إسقاطك عبرهم؛ هذه سياسة تركيا، واحتضنت فعلاً كل ما يخص الإخوان بصفة رئيسية والمجلس الوطني لاحقاً كحاضنة سياسية للمعارضة السورية.

احتضانها للإخوان، جاء وفق سياسة إسلامية لأردوغان وحزبه، ولكن شراسة المعركة في سوريا، لم تعط لمحاولة تركيا قيمة حقيقية، ولا سيما إنذاره للنظام عام 2011 أن حماة خط أحمر، ولن يسمح العالم بتكرار مأساة حماة من جديد، وتبين لاحقاً أن تركيا لم تفهم النظام وهي أيضاً محكومة بمعادلات دولية وإقليمية ووضع داخلي حساس، وحصلت القطيعة كاملة بدءاً من أيلول عام 2011 بشكل رئيسي، ولكن حدوث ذلك لم يخف النظام، فتركيا ليست أميركا، والنظام في خطر حقيقي، ولن يفيده تنازل بسيط، وبالتالي فضّل إغلاق أذنيه لتركيا، وفتح مجال السيطرة لروسيا وإيران وحتى حزب الله جزئياً؛ فتشكل الحلف الصلب من هذه القوى.

تركيا بدأت تتحول إلى خط عبور إلى كل من هب ودب إلى الداخل السوري، بدءًا من السلاح إلى المجموعات الجهادية إلى دولة تستضيف المعارضة بمختلف أشكالها، مع محاولة تسييد الإخوان على المعارضة، وكل ذلك كان بالتوافق مع الأميركان، الذين كانوا يسعون إلى إيصال الإسلاميين إلى الأنظمة، عبر الثورات، فتتشوه الثورات بذلك، ويتم توسيع قاعدة الشرائح الحاكمة، وتبقى الليبرالية هي المسيطرة، وتغلق أية إمكانيات لمستقبل أفضل للشعوب العربية، يتيح المجال لإعادة النظر بوضع المنطقة بأكمله، بدءًا من كوارث العراق إلى فلسطين إلى مختلف القضايا؛ وبالتالي دعمت حركات الإخوان المسلمين للوصول إلى الحكم، ومحاولتها في مصر وتونس كانت واضحة تماماً؛ أما موضوع سوريا، فجاء تعقيده من الدور الروسي، ومحاولته الانتداب على سوريا ضمن لوحة اقتسام العالم، واهتمام أميركا بشرق أسيا.

وحاولت تركيا مع قطر ومع فرنسا، تشكيل حلف دولي ضد النظام، ولكنها كانت دائما تواجه موقفا أميركيا رافضا لكل ذلك، ويضع حل المسألة السورية عبر الحوار مع الروس بالتحديد، وهو ما عقّد رؤية تركيا، ودفعها للتخفيف من لهجتها، مع الاستمرار بتقديم كل أنواع التسهيلات السياسية وكمنطقة عبور لصالح الإخوان بالتحديد؛ والأخطر هو سماحها للجماعات الجهادية بالتدفق إلى سوريا.

طبعاً، استفادت من النفط المهرب، ومن تجارة السلاح، ومن المعامل التي فككت في تركيا، ومن المعامل التي افتتحت هناك، ولكنها بالمقابل راحت تعاني من خطر الحدود الكبيرة، والتي تنتقل عبرها المسائل الطائفية والقومية، وبالتالي تصاعدت المشكلات الطائفية فيها، ولم يتقدم مشروع التصالح مع حزب العمال الكردستاني، ولا سيما مع حدوث ما يشبه الاستقلال بشمال سوريا، وبروز ظاهرة السلاح الكردي في الشمال، والمنضبط بسياسات متوافقة مع النظام أكثر مما هي مستقلة لصالح الأكراد، ولكنها تهدد الداخل التركي عبر أكراد تركيا أنفسهم.

هذا الوضع الجديد، تفاقم بتدخل أميركا لإزاحة الإخوان عن السيطرة على المجلس الوطني، بل وتهميشه وتهميش دور الإخوان بالائتلاف الوطني كشرط روسي سعودي أميركي، وهو ما أذعنت له تركيا، ولكنها ورغم هذا الإذعان، تعرف بحنكتها أن الأرض السورية في مجالها الإقليمي، والإخوان يمكن اللعب بهم، وتراجع دورهم لا يلغي تأثيرهم الجزئي اللاحق، وبالتالي ما خسرته تركيا من عقود اقتصادية كانت قد أبرمتها مع النظام قبل الثورة، تريد استعادتها واستعادة سوريا كبوابة لها للدخول في العالم العربي من جديد، عبر تنشيط التوجه الإسلامي المرن؛ هناك مقصد تركيا.

سياسات تركيا وبدلاً من "تصفير" المشكلات مع الخارج الإقليمي، إلا أنها الآن تتعقد وقد تزداد تعقيدا ما لم يحل الوضع السوري، وبالتالي هناك مصلحة داخلية مباشرة لتركيا بأي تغيير سريع في سوريا، ومن هنا موافقتها على الضربة التي كان مزمعاً حدوثها ضد النظام وضد سوريا، ومن هنا موقفها الداعم لأي توجه يحدث التغيير في سوريا.

هذا ما عليه وضع تركيا، فهل تنجح في مساعيها حالما يسقط النظام؟ الأمر متروك للمستقبل، ولكن الشعب الذي تعرض لمختلف أشكال التدخل، ودمرت بلاده، لن يقبل أن يكون مكاناً لحل مشكلات الجوار، لأنه يريد بكل بساطة حل مشكلاته بنفسه.

12