"مولانا" إبراهيم عيسى مجدد يطلق النار عليك وتقول هل من مزيد

الأحد 2017/02/12
يحيك المشاكل اللذيذة

لندن - يجلس بجسمه الممتلئ أمام الشاشة مرتديا قميصا من دون جاكيت، يظهر حمالتين تضيفان إلى كاريزمته المتقدة. وبحركاته التي تنم عن تعقل لا يظهر دائما في لهجة كلامه، يقفز إبراهيم عيسى يمينا ويسارا بارتجال بين أكثر القضايا سخونة في مصر: السياسة، الاقتصاد، المجتمع، والخطاب الديني.

ويختبر إبراهيم عيسى تضاريس الواقع السياسي المصري عبر نقل الخط الأحمر الذي يتعين على كل صحافي في مصر اليوم أن يضعه أمام عينيه، بصبر وببطء حذرين خطوة خطوة إلى الأمام بيديه اللتين لا تتحرك واحدة منهما من دون الأخرى، كاشفتين عن أصابع صغيرة يحتلها خاتم زواج عتيق.

وأول ما تدور الكاميرا في برنامجه الذي كان يبث على الهواء مباشرة على قناة “القاهرة والناس” الفضائية الخاصة، كان الإسلاميون ومسؤولون كثر في مصر يضعون أيديهم على قلوبهم خشية ممّا قد ينزلق من فم إبراهيم عيسى، ولا يحسب عقباه.

ورغم أنه كان رأس الحربة في الإعلام المصري ضد الإخوان المسلمين، ما زال النظام المصري، الذي أيده إبراهيم عيسى في الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي عام 2013، لا يأمن جانبه. والسبب هو أن إبراهيم عيسى يقول ما يعتقد أنه صواب، ويحظى بشعبية واسعة، ويستطيع إقناعك بالشيء وعكسه في نفس الوقت إن أراد.

لكنه اختار فوق هذا كله أن يعيش لأجل قضيتين كما يقول: الديمقراطية وتنقيح خطاب ديني أنتج ما بات عقدة العالم العربي لاحقا “أسلمة السياسة وتسييس الدين”.

ويقول إبراهيم عيسى إن التاريخ الإسلامي “مزوّر”، إذ يكافح الإسلاميون لتقديس الصحابة والإصرار على تحويل كل عصور الحكم الإسلامي إلى “يوتوبيا” جاؤوا هم لاستعادتها.

وترجم إبراهيم عيسى عصارة أفكاره في رواية “رحلة الدم”، التي صدرت العام الماضي، وأنزل بين صفحاتها الـ700 كثيرا من “القديسين” في التاريخ الإسلامي على الأرض مرة أخرى، إذ يكتشف القارئ، بعد تدقيق وتمحيص في ملامح وجوههم، أنهم بشر مثله تماما.

ولم يستأذن ويتنحنح ويتلعثم إبراهيم عيسى قبل أن يدخل على صحابة مقربين من النبي محمد في محرابهم المقدس الذي رسمه الإسلاميون لأجيال جديدة أشقّ عقوبة لها هي القراءة. وحوّل الرواية، التي تسمعك صهيل الخيول وصليل السيوف واصطكاك أسنان أسرى الحروب من شدة الخوف بمجرد النظر إلى غلافها الخارجي، إلى آلة زمن تدور بالقارئ بين البيوت والمساجد والوغى ومجالس الخمر والسمر.

إبراهيم عيسى رأس الحربة في مواجهة الإخوان إلا أن النظام المصري، الذي أيده عيسى في الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي عام 2013، لا يأمن جانبه. والسبب هو أن إبراهيم عيسى يقول ما يعتقد أنه صواب، ويحظى بشعبية واسعة

ويقول المفكر والباحث الاجتماعي سعدالدين إبراهيم إن “ما قصده إبراهيم عيسى في ‘رحلة الدم’ هو أن تاريخ المسلمين الأوائل كما تعلّمناه كان تاريخاً مُعقماً لا شوائب فيه، وهذا التاريخ المُعقم تقدمه الحركات الإسلامية المُعاصرة، وفي مُقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، كما لو كان فردوسًا فقدناه، وهم الآن يبغون استعادته، وأن كلمتي السرّ في هذه الاستعادة للفردوس المفقود، هما الشريعة والخلافة، وبالتالي فإبراهيم عيسى بدد أسطورة الفردوس المفقود”.

وقصمت تصورات إبراهيم عيسى الدينية ظهر كل ما آمن به المصريون الذين انتخبوا مرسي، في الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام 2012 ضد الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، وقاطعها هو. ومنذ ذلك الحين دخل في مواجهات فكرية مع نظام الإخوان، ثم مع أكبر المؤسسات الدينية الرسمية، ثم مع نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وخلال خوض معاركه، تمكن إبراهيم عيسى من جذب التسلل إلى وجدان قطاع واسع من المصريين الذين كان يعبّر عنهم وسط ساحة إعلامية ضربها التصحر. لكن لم يتمكن عيسى من الولوج إلى الجانب القلق من نفوس مصريين آخرين، تربّوا في أوج هيمنة فكر قومي بال، تصارعه أفكار سلفية متشددة وغريبة عن المجتمع المصري.

لكن السخرية ظلت أقوى سلاح كان إبراهيم عيسى يشهره أمام دفاعات خصومه، إذ يملك موهبة السخرية من الإسلاميين والحكم والمجتمع والحكومة، وحتى من نفسه.

"إراقة دم أفكاري"

في نظر السلطة، إبراهيم عيسى منبع الصخب ومصدر الصداع الأساسي في الإعلام المصري، إذ لم تخرج علاقته برجال الأمن المسؤولين عن الإعلام عن حيز الخصومة في أيّ مرحلة من حياته العملية الطويلة.

وفي هرولته اليومية يمينا ويسارا في عقل مشاهديه، أزعج إبراهيم عيسى دولا عربية محورية، وهشّم صورة “المقاوم” التي كانت تسبق طلة الرئيس السوري بشار الأسد في الإعلام، وحنا كثيرا على الشيعة، وتردد في مهاجمة إيران. وكان هذا طعما التقطه السلفيون والمتشددون مكّنهم من أن يلقوا عليه برداء “قائد النفوذ الشيعي في الإعلام المصري”.

وولعه بموالد السيدة زينب والحسين في وسط القاهرة، وطربه بأناشيد ياسين التهامي وأمين الدشناوي، رسما في شخصيته مسحة صوفية معادية للتزمّت، تحولت فيما بعد إلى هدف يتدرب عليه السلفيون كل يوم لتصويب الاتهامات بـ”شيعية” إبراهيم عيسى.

وتحول معظم هؤلاء السلفيين إلى حلفاء للأمن بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين. وليس أسهل من المزايدة على الأمن بأنه “يحارب الإسلام” كي يسرع إلى استخدام “حق اللجوء” سريعا إلى السلفيين، ومراياهم العاكسة داخل مؤسسة الأزهر العريقة.

ورغم تأسيس شرعية النظام على محاربة الإسلاميين وإطلاق “ثورة دينية” في المفاهيم التقليدية، لم ينتبه النظام إلى أن كل ما فعله هو قلب العملة على وجهها السلفي فقط. وضرب إبراهيم عيسى على هذا الوتر بحنكة، وهو ما استنفد رصيده عند أجهزة الدولة بسرعة لم تكن متوقعة. وقال إبراهيم عيسى في حوار مع جريدة “المصري اليوم” المحلية إن “أعلى مواقع مسؤولية في مصر كلموني لتوضيح الصورة والأسباب، وكانت هناك حوارات وعشاءات (لقاءات عشاء) عن وضع البلد، ومبررات وتفسيرات عما أطرحه من أفكار معارضة”. وأضاف أنه رغم كل ذلك “جهات أمنية وأطراف كثيرة تطلب دم أفكاري”.

وأجري هذا الحوار بعد أسابيع من إغلاق برنامج إبراهيم عيسى الذي كان يشبه مسلسل السهرة عند كثير من محبيه. وكان هذا المسلسل، على تشويقه، يستهوي أيضا خصومه الذين اختطفوا كاريزما إبراهيم عيسى التي قلّ وجودها اليوم في مصر، لاتهامه بـ”الأداء المسرحي”.

عصارة أفكاره يضعها إبراهيم عيسى في رواية “رحلة الدم”، التي صدرت العام الماضي، بعد أن أنزل بين صفحاتها الـ700 كثيرا من “القديسين” في التاريخ الإسلامي على الأرض مرة أخرى، إذ يكتشف القارئ، بعد تدقيق وتمحيص في ملامح وجوههم، أنهم بشر مثله تماما

التجديد في الدين والصحافة

منذ مولده في مركز قويسنا محافظة المنوفية (شمال مصر) في نوفمبر العام 1965 كانت الكاريزما محور تحلق الطلاب حول الطالب خفيف الظل، الذي سيصبح لاحقا الأول على محافظته بالقسم الأدبي في الثانوية العامة.

منذ أن كان صبيا يصطحبه والده الحاج سيد إلى المسجد الذي يقع آخر الشارع الذي يسكن فيه، تشكلت علاقة إبراهيم عيسى بالعمامة والجبة والقفطان الأزهري الذي كان معلقا طوال الوقت أمام عينيه في غرفة والده، الذي كان أحد رجال الأزهر المعتبرين في محافظته.

ويقول إبراهيم عيسى عن والده، الذي توفّي في يونيو من العام الماضي، في كتابه “على مشارف الخمسين”، “لم يضربني أبي أبدا.. مازلت مندهشا وأنا على مشارف الخمسين، كيف لم يؤدبني والدي في طفولتي ومراهقتي ولو بصفعة خفيفة على وجهي، بل ولا بضربة سريعة على كتفي؟ لم أكن طفلا استثنائيا”.

ولم تفارق ذهن إبراهيم عيسى صورة خاله وهو راجع إلى البيت، الذي كان يقع على مقربة من بيت العائلة، من المعهد الأزهري الذي كان يرأسه متحليا بنفس زيّ والده.

ومنذ العام الأول في كلية الإعلام جامعة القاهرة، التحق إبراهيم عيسى بمؤسسة “روز اليوسف” إحدى أعرق المؤسسات الصحافية في مصر، كي يتربّى في مدرسة صحافية تقليدية، سينقلب عليها لاحقا.

وخلال رئاسة تحرير جريدة الدستور اليومية، قلب إبراهيم عيسى صناعة الصحافة في مصر رأسا على عقب، في التصميم والمحتوى والتناول والتحليل، ووصل إلى مستويات غير مسبوقة في معارضة النظام الحاكم.

وكان بإمكانك قراءة عنوان مثل “متى كانت آخر مرة غضب فيها حسني مبارك من أجل كرامة ودم المصريين؟” في صدر الصفحة الأولى، ثم تجد في الداخل تحقيقا عن جمال مبارك يحاصره من كل اتجاه، ولوجا حتى إلى نواياه.

ولا أحد بإمكانه نسيان مقالات كـ”يفتح الله” و”دستوره” و”وطن معتقل”، مرسخا بذلك مدرسة صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية في مصر.

ولا يوجد في مصر من مُنعت صحف ترأس تحريرها وبرامج تلفزيونية كان يقدمها مثلما حصل مع إبراهيم عيسى، منذ جريدة الدستور وبرنامج “على القهوة”، وصولا إلى برنامجه الشهير “مع إبراهيم عيسى”، الذي أُجبرت كاميراته على إطفاء أضوائها مطلع العام 2017.

وقال في بيان أصدره حينها إنه “… في الوقت الذي ساهم فيه (البرنامج) في اتساع عقول تسبب كذلك في ضيق صدور”.

وأضاف “إنني أتقبل أن تكون هذه اللحظة مناسبة للتوقف عن تقديم البرنامج، حيث أظن أن مجريات الوقائع وضرورات الوقت وطبائع المقادير تقود لأن أترك مساحة التعبير التلفزيوني لمرحلة أخرى، ووقت لعله يأتي”.

لكنه لم يمنح الفرصة لخصومه، خصوصا في مؤسسات الأمن، كي يستريحوا من طنينه المستمر بوتيرة واحدة دون توقف، إذ كان يصل إلى آذانهم المتضخمة أصلا، صخبا مشوشا يحمل طلاسم غير مفهومة.

وفي حواره الصحافي الأخير كشف إبراهيم عيسى أن “أطرافا وجهات مختلفة في الدولة وليست جهة واحدة توافقت على غلق برنامجي.. حتى لا تقول جهة واحدة أو شخص واحد: أنا من أغلق برنامج إبراهيم عيسى”.

كان هذا مناكفة إبراهيم عيسى للأمن، لكن أين حصة الإسلاميين ورجال الدين المتشددين؟

"مولانا" إبراهيم عيسى

لم ينقض أسبوع واحد على غلق برنامجه، حتى فجّر إبراهيم عيسى قنبلة وضعها تحت عمامة حاتم الشناوي، رجل الدين الأمنجي والثائر، والمجدد الحذر في فيلم “مولانا”.

وبينما كان التصفيق يعلو والأنوار تضاء من جديد في قاعة السينما التي شهدت العرض الأول للفيلم في القاهرة، تحت صيحات الإعجاب والثناء، علا صراخ آخر بلغة عربية مقعّرة تنقصها الفصاحة على شاشات الفضائيات لرجال دين لم يشاهد أغلبهم من الفيلم أكثر من إعلانه الترويجي.

معاركه، تمكن إبراهيم عيسى خلال خوضها، من التسلل إلى وجدان قطاع واسع من المصريين الذين كان يعبر عنهم وسط ساحة إعلامية ضربها التصحر. لكن لم يتمكن إبراهيم عيسى من الولوج إلى الجانب القلق من نفوس مصريين آخرين، تربوا في أوج هيمنة فكر قومي بال، تصارعه أفكار سلفية متشددة وغريبة عن المجتمع المصري

لكن اسم إبراهيم عيسى على “الأفيش” كان كفيلا بتحويل هؤلاء من شيوخ دين مازالوا يدّعون الوسطية، إلى شيوخ قبيلة الأزهر، الذين اختاروا التمترس خلف عباءتها الفضفاضة، إذ تحجب الرؤية أمام أغلب من يملكون نظرا قصيرا لمجتمع مصريّ بلا قاع.

وعكس سيناريو الفيلم، المأخوذ عن رواية كتبها إبراهيم عيسى بلغته الساخرة المعهودة وتحمل نفس الاسم، أفكاره التي لطالما كانت وقودا لسجال ديني وفقهي لم يتوقف.

وينفي إبراهيم عيسى مثلا أن هناك “عذاب قبر”، كما لا يقول بعقوبة تارك الصلاة “إذ لا يوجد في القرآن الكريم عقوبات خاصة بمعصية معينة”.

وأثار نفيه لاعتبار حجاب المرأة من أركان الدين عاصفة من قبل مشايخ في الأزهر وخارجه، ودفع ذلك إبراهيم عيسى إلى الرد قائلا “كل ما قلته أن الحجاب ليس من أركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.. هل يوجد حجاب هنا؟”.

وألقى “مولانا” حجرا في مياه راكدة، إذ رسم الفيلم من أفكار إبراهيم عيسى لوحة مبسطة يفهمها الجمهور، بدلا من تصوّرات رجال الدين التقليدية الأقرب إلى إحدى لوحات الفن التشكيلي الغامضة.

وكشف “مولانا” عن علاقة مقعدة على كرسي متحرك بين المسلمين والمسيحيين في مصر، إذ تحول عمودا الأمة من وتدين راسخين يسندان سقفا عاليا من التسامح، إلى منسأتين أكلتهما عقول أمنية شائهة، تدير الملف الديني في مصر.

وضرب إبراهيم عيسى على لسان حاتم الشناوي على أصل وجود الحركات الإسلامية وهو الخلافة. ولم يألُ صاحب “مولانا” جهدا في حشر الخلافة بأذرعها الفكرية وذيولها التاريخية في صندوق ضيّق اسمه “نظام الحكم”.

بالنسبة إليه لم تكن الخلافة الإسلامية أعلى مقاما من الإمبراطورية الفرنسية أو البريطانية التي هيمنت على نصف العالم. ويقول إن الخلافة فلسفة توسعية للحكم ليس أكثر، وأن لا قرآن ولا سنة فرضت الخلافة ولا سنّتها، وأن “لا شيء يسمّى خلافة في الإسلام أصلا”.

ويطبق نظام الحكم في مصر حكم الشرع بحذافيره في الأحوال الشخصية والميراث كما يقول، وبالنسبة إلى إبراهيم عيسى لا وجود لـ”الشريعة الإسلامية”.

ويردد دائما أن ما يشكل أسانيد الفقه الإسلامي اليوم ليست أكثر من ضوابط “استقاها المسلمون من فهمهم لأوامر الرسول، وهو ما يضعها حتما في سياق الاجتهاد البشري”.

ولن يتوقف إبراهيم عيسى قريبا، إذ أن قضيتي الديمقراطية وتجديد الخطاب الديني هما له بمثابة الابنين الثالث والرابع بعد يحيى وفاطمة إبراهيم عيسى.. وهل يتوقف المرء عن الحياة من أجل أبنائه، إلا في لحظة يلقى فيها ربه؟

8