مولان روج.. الكباريه الذي صنع مجد فرنسا الفني

إذا كان مونمارتر قلب باريس فإن ملهى مولان روج روحها.
السبت 2020/09/19
مولان روج.. توقف القلب إلى حين

مولان روج ولوتريك ومونمارتر، ثلاثي كتب قصة نجاح مدينة الأنوار باريس. التي ترزح اليوم تحت وطأة وباء أطفأ أنوارها. تأسس الملهى عام 1889 في حي مونمارتر الذي كان ملتقى المثقّفين من أدباء وفنانين كان أبرزهم الفنان تولوز لوتريك، وعرف شهرة واسعة في حقبة كانت تلّقب بالزمن الجميل. حقبة تميّزت بالتقدّم الصناعي والتوسع الثقافي وجعلت، من الملهى، صالة الاستعراض الأشهر في العالم.

هل كانت المولان روج لتكون ما هي عليه اليوم لولا فنان ظلمه القدر، وهل كانت باريس لتكون ما هي عليه لولا خمسة عشر عاما هي بالكاد مسيرة فنان عبقري هو هنري تولوز لوتريك، الذي هرب صغيرا من نظرات الشفقة وأحيانا الاحتقار ممن هم حوله، فانسلخ عن الطبقة الارستقراطية الفرنسية وغرق في عالم الليل؟

بيوت دعارة وكباريهات وخمارات ترتادها “حثالة المجتمع” شكلت البيئة التي عاش فيها لوتريك، محاطا بمفلسين وبنات هوى فقدن الجاذبية ولم يبق ما يدل على جمالهن الذي كن عليه في الماضي سوى علامات لا يمكن أن يلتقطها إلا فنان مثل لوتريك.

سر المولان روج

أسعد عرابي: لولا جرأة لوتريك لما سطع نجم بيكاسو الفني
أسعد عرابي: لولا جرأة لوتريك لما سطع نجم بيكاسو الفني

كان الفنان الذي ثار على العائلة وعلى التعاليم الأكاديمية يعمل محموما وكأننا به يدرك أن عمره قصير لن يمنحه سوى عقد وبضع سنوات، كانت كافية لإنجاز مئات اللوحات والملصقات الإعلانية والاسكتشات، جميعها يوحي بأن الفنان على عجل من أمره وغالبا ما توقف عن العمل قبل انتهاء اللوحة.

لا يمكن أن نكشف سر عبقرية لوتريك إلا إذا اكتشفنا سر المولان روج، ولا يمكن أن نكتشف سر الطاحونة الحمراء، إلا إذا قلبنا الدفاتر العتيقة لقراءة تاريخ منطقة قدمت للعالم خلاصة التجربة الفنية والثقافية الباريسية. بالطبع نحن نقصد المونمارتر وعنها سنتحدث.

 حي مونمارتر وهو حي من أحياء الدائرة الثامنة عشرة في باريس ويعتبر من أعلى أحياء باريس من حيث الارتفاع.  كما يعتبر كأحد المعالم السياحية والمواقع الأثرية في باريس.

يقع هذا الحي قرب حي كوت دور وقرب محطة باريس الشمال في باريس كما أنه يطل على قسم كبير من باريس والأحياء الشمالية أيضا كحي الشابل.

الحي الذي كان في السابق حيا خارج باريس وكان يعتبر كقرية، وما زالت بعض بيوته مبنية كبيوت القرى، وفيه حقل للعنب وطاحونة هواء قديمة. بات اليوم المنطقة المفضلة لسكنى طبقة الأغنياء والفنانين وكثير من البريطانيين، والباحثين عن حياة الليل والسهر في باريس.

وفي هذا الحي يقع بعض أشهر معالم باريس السياحية أبرزها، طاحونة لا كاليت، وهي طاحونة قمح ومعصرة عنب للخمر. وكاتدرائية الساكري كور الموجودة على تلّة في الوسط الجنوبي من هذه الدائرة في أعلى قمة منها. وآخر حقل للعنب بقي في باريس لإنتاج النبيذ.

يعود تاريخ وجود الكروم في حي مونمارتر إلى عام 944. في القرن الثاني عشر، زُرعت الكروم من قبل راهبات دير مونمارتر الذي أسسه أديلايد سافوي. وبفعل الحاجة المادية للدير قام القائمون عليه ببيع بعض القطع من الكرم.

جان كليريكو: لهذه الذكرى الاستثنائية نقدّم عرضا استثنائيا
جان كليريكو: لهذه الذكرى الاستثنائية نقدّم عرضا استثنائيا

وفي القرن السادس عشر كان حي مونمارتر يعتبر بلدة خارج باريس، وكان معظم السكان من المزارعين يعملون في مجال زراعة العنب المخصص لإنتاج الخمر. زرعت الكروم من أعلى التل إلى السهول المحيطة به، للنبيذ الأبيض والأحمر بالتناوب.

في القرن السابع عشر تضاءل إنتاج نبيذ مونمارتر وأصبح مخصصا للاستهلاك المحلي فقط.

وفي كل سنة في شهر أكتوبر، وكتقليد قديم، يقام في هذا الكرم مهرجان لقطف العنب حيث يجتمع العديد من الناس والكثير من السياح الذين يريدون أن يشاركوا في هذا الطقس الجماعي.

في عام 2016 تم قطف 1950 كيلو غراما من العنب. يؤخذ العنب ويعصر في أقبية بلدية الدائرة الثامنة عشرة في باريس. ثم يُباع الخمر في المزاد العلني لصالح الأعمال الاجتماعية لهضبة مونمارتر.

توجد في الحي ملاه ليلية هي الأكثر شهرة في باريس وفي العالم ومنها الطاحونة الحمراء، صالة العروض الأكثر شهرة في العالم. والعلبة الليلية التي دأب فناننا على ارتيادها إلى أن سقط ضحية مرض عقلي وزج به في غرفة في مصح عقلي، ليرحل في سن مبكرة، لم تتجاوز السادسة والثلاثين عاما.

ولد تولوز في مدينة ألبي من أسرة عريقة، تنحدر من حكام مدينة تولوز، وكان ضعيف البنية منذ الطفولة، وقد ورث هذا الضعف من التنافر بين أبويه من ناحية الدم، وقبل أن يبلغ الرابعة عشرة من عمره، تعرض لحادثتي سقوط، جعلتاه شبه مقعد، ثم أورثتاه ضعفا في نمو الرجلين، فأصبح قزما، ولكن هذه العاهة لعبت دورها الحاسم في مصيره الحياتي والفني، بداية بسعيه نحو البحث والعمل الفني الدؤوب، ومن ثم اتجاهه نحو حياة الليل الباريسية الصاخبة حيث قضى معظم أوقاته، وشكلت الحانات والمقاهي والناس فيها موضوعات أعماله الفنية.

كان ذلك النقص الجسماني سببا في منعه من التمتع بمباهج الحياة الطبيعية، ووجد المخرج من ذلك في الانغماس في حياة الليل البوهيمية في باريس والتردد على الحانات وصالات الرقص، وخالف الانطباعيين في اهتمامهم برسم مشاهد من الطبيعة وانعكاسات النور عليها مفضلا عليها صورا من الحياة الليلية.

حياة افتراضية

بالنسبة للوتريك الملهى هو المكان الذي تجتمع فيه الأضداد
بالنسبة للوتريك الملهى هو المكان الذي تجتمع فيه الأضداد

 

أُغرم لوتريك بحياة الكباريه في باريس، وفتنته نجومها وزبائنها، إنه عالم من دم ولحم وعرق، عالم يختلف عن عالم أسرته المزيف، وسط الطبقة الارستقراطية المصطنعة، حيث “أنت مراقب طيلة الوقت تحسب عليك كل حركة وإيماءة”. كل ما في المولان روج مختلف؛ أجواؤه العابقة بالحيوية والتفاعل ما كان في وسعه أن يجد لهما أثرا حقيقيا في الحياة اليومية التي تبدأ الساعة السابعة صباحا وتأفل مع الساعة السابعة مساء.

“الكباريه هو الممكن الذي تجتمع فيه الأضداد، وتثار فيه الشهوات، وفيه تتجاور وتختلط المآسي والمهازل، النبلاء والأفّاقون، النجوم والخدم، والبورجوازيون واللصوص، والكُتّاب وأبناء العائلات المدللون في مكان واحد”. حياة افتراضية هي بالنسبة للوتريك أصدق من الحياة الحقيقية نفسها.

عبر لوتريك عن هذا كله في العشرات من اللوحات، ولاسيما في مجموعة كبيرة شكلت الحياة في كباريه “مولان روج” تحديدا معالمها.

لم تكن الحياة القصيرة التي عاشها الفنان (1864 – 1901)، لتمر مرور الكرام دون أن يشعل الحماسة لفنه والرغبة في محاكاة تجربته، ليكون من أبرز الوجوه الفنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و”نموذجا للتفرد والأصالة، بين أساليب التصوير الحديث”.

لا يمكن أن ندرك قيمة لوتريك الفنية إلا بالحديث عن تجربة بابلو بيكاسو الإسباني الذي غزا باريس عام 1901، أي في نفس العام الذي رحل فيه لوتريك عن عالمنا. وهناك قابل للمرة الأولى صديقه الفرنسي الشاعر والصحافي ماكس جاكوب والذي ساعد بيكاسو في تعلم اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي، وسريعا ما انتقلا للعيش معا في غرفة صغيرة حيث كان ينام جاكوب في الليل بينما كان ينام بيكاسو نهارا ويعمل ليلا، وقد مرّت عليه أوقات كثيرة عانى فيها من الفقر.

كان لاطلاع بيكاسو على الملصقات التي رسمها لوتريك للمولان روج أثر كبير على المنحى الذي ستتطور به تجربته الفنية، بعد أن دمرت الانطباعية الخط في اللوحة مكتفية ببقع لونية، هاهو من يأتي ليعيد للخط قيمته.

سحرت رسومات لوتريك بيكاسو ليس فقط بخطوطها الجريئة بل أيضا بتكويناتها المبتكرة وموضوعاتها، وخاصة في الإحساس الذي تولده عند المتلقي بأنها رسمت على عجل، وأن الفنان لم يكترث لإنهائها. “التوقف عند ذروة الانفعال وليس عند ذروة الاكتمال الفني”، وهو ما اعتبر شرطا للحداثة وتبنته “مدرسة نيويورك”.

وكما يقول التشكيلي والناقد الفني أسعد عرابي “كان لوتريك يتجنب تبذير الوقت في المحسنات البديعية. الواقع أنه لولا جرأة لوتريك لما سطع نجم بيكاسو ابتداء من تأثير الأول على المرحلة الزرقاء البيكاسية المبكرة”.

من خلاله، اكتشف بيكاسو العديد من جوانب المجتمع الحديث التي أثرت في أسلوبه في الفن.

استعادة لوتريك

احتفلات الذكرى 130 لافتتاح ملهى مولان روج
احتفلات الذكرى 130 لافتتاح ملهى مولان روج

على الرغم من أن هذه الصلات معروفة جيدا، فإن “بيكاسو – لوتريك” هو أول معرض خصص لدراسة مقارنة لهذين المبدعين. من خلال أكثر من 100 عمل تم تجميعها حول الموضوعات التي تهم كلا الفنانين – صور كاريكاتورية؛ الحياة الليلية في المقاهي والملاهي والمسارح؛ الواقع القاسي للأفراد المهمشين؛ مشهد السيرك والعالم المثير لبيوت الدعارة – يظهر أن حوار بيكاسو مع لوتريك، مع التأثيرات والمصادفات، لا يقتصر على أعمال الرسام الإسباني المبكرة ولكنه يمتد بالكامل إلى إنتاجه حتى فترة نضجه.

استمرت مسيرة لوتريك الفنية بالكاد 15 عاما، بينما امتدت مسيرة بيكاسو لأكثر من سبعة عقود. كلاهما كانا فنانين لامعين منذ الطفولة، وكلاهما جذبتهما باريس خلال شبابهما، وكلاهما رفض التعاليم الأكاديمية المفروضة عليهما. ولكن قبل كل شيء، كان إتقانهما للرسم أحد العوامل الرئيسية التي أعطت معنى لعمل كلا الفنانين.

وكانت باريس قد شهدت مؤخرا معرضا استعاديا، ما بين الحادي عشر من أكتوبر 2019 واستمر حتى أواخر يناير عام 2020. هو المعرض الثاني الاستعادي في نفس الموقع بعد معرض عام 1992، والمعنون  “لوتريك والثقافة المونمارتية”، نسبة إلى الحي الذي تحول بفضل لوتريك إلى حي للفنانين وعبر من محترفاته كل من موديلياني مرورا بسوتين ونولده وبيكاسو، وما زال إلى اليوم محجا لفنانين بوهيميين يبحثون هناك عن المجد.

الكباريه هو الممكن الذي تجتمع فيه الأضداد وتثار فيه الشهوات وفيه تتجاور وتختلط المآسي والمهازل

أقيم المعرض في “القصر الكبير” في الحي المركزي “الشانزلزيه”، وشمل لوحات ورسوما ومحفورات ليتوغراف وملصقات وصورا فوتوغرافية. قُدم المعرض تحت عنوان يوحي بأهمية الدور الذي لعبه الفنان في إعلان عصر الحداثة الفنية “هنري تولوز لوتريك والحلول الحداثية”.

بعد أيام قليلة، في السادس من أكتوبر بالتحديد، تمر الذكرى الـ131 على تأسيس المولان روج، وهي ذكرى ستكون حزينة والعالم يعاني من جائحة أصابت أكثر من ثلاثين مليون شخص، وكان الملهى قد احتفل في عام 2019 بذكرى مرور مئة وثلاثين عاما على تأسيسه، وقال المدير العام للملهى، جان فيكتور كليريكو حينها “لهذه الذكرى الاستثنائية، نقدّم عرضا استثنائيا يعيد إحياء مراحل تاريخية مهمّة من المولان روج. نقدّم عرض صوت وصورة على واجهة الملهى يسترجع تألّق الماضي. وننهيه باستعراض حي على الطريق العام أمام واجهة الملهى الرئيسية، تشارك فيه فرقة المولان روج بالكامل. ستون راقصا وراقصة يؤدّون رقصة الفرانش كان كان (French Can Can) الأسطورية التي ترمز إلى المولان روج”.

رقصة الفرانش كان كان الأسطورية كانت ممنوعة آنذاك لأنّها كانت رقصة جريئة واستفزازية، وكانت تُعتبر غير محتشمة. لكنّها أصبحت اليوم رمزا من رموز باريس. راقصون وراقصات من جنسيات مختلفة شاركوا في هذا الاحتفال منهم راقص روسي علق قائلا “هذه التجربة تفرحني جدا. إنّها فرصة حياتي. أشكر الله وفرنسا وإدارة المولان روج على هذه المغامرة المدهشة”.

16