مولاي علي الصقلي شاعر أرخ بقصائده تاريخ المغرب

الشاعر الراحل مولاي علي الصقلي يعتبر واحدا من أهم رموز الساحة الثقافية المغربية، خلف وراءه تراثا شعريا زاخرا، وخلد عددا من الأعمال الشعرية والمسرحية الرائدة.
الثلاثاء 2018/11/20
شاعر مخضرم على الطريقة المغربية

يعتبر الشاعر مولاي علي الصقلي واحدا من أهم الشعراء وأحد رواد أدب الأطفال في المغرب، كما أنه رائد من رواد الشعر المسرحي، مثلما جاء في طليعة الزجالين وكتاب الكلمات في المغرب. وبهذا، فقد تغنى المغاربة بشعره في المدارس، كما تغنوا بالأغاني في بيوتهم، مثلما يتغنون بالنشيد الوطني الذي أبدعه الشاعر.

مولاي علي الصقلي شاعر مخضرم وهو مبدع النشيد الوطني المغربي كما أنه يعتبر ملحمة شعرية مغربية كبيرة دامت لأكثر من ثمانين عاما. فهو أمير الشعراء المغاربة، ومبدع النشيد الوطني المغربي. شاعر تسعفه العبارة ويطاوعه الإيقاع ويستسلم له الإبداع. إليه تنقاد الأشعار في “منبت الأحرار”. ومعه أنشد المغاربة الدنيا “بأنا هنا نحيا”، كما يقول نشيدهم الوطني. ذلك أن نشيد الشعر هو أول ما يتغنى به الوطن. وكما يقول هولدرلين، فقد “ولد الشعب هنالك حيث يرن نشيد أبدي”.

برحيل الصقلي الأسبوع الماضي عن عمر ناهز 86 عاما تفقد الساحة الثقافية المغربية واحدا من أهم رموزها. إذ خلف وراءه تراثا شعريا زاخرا، وخلد عددا من الأعمال الشعرية والمسرحية الرائدة.

نشيد المغاربة

كان النشيد الوطني المغربي عزفا بلا كلمات، وهو الذي يعرف بـ”النشيد الشريفي”، من تأليف وألحان القبطان الفرنسي ليو مورغان، الذي شغل منصب رئيس فرقة الموسيقى العسكرية في الحرس الشريفي خلال فترة الحماية الفرنسية بالمغرب. فلما تأهل المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم لنهائيات مونديال 1970 بالمكسيك، طلب الملك الراحل الحسن الثاني من الشاعر مولاي علي الصقلي كتابة كلمات للنشيد الوطني. ليكون هذا النشيد الشعري من النصوص النادرة التي سبق فيها اللحن النص، بخلاف الأناشيد والأغاني التي تكتب كلماتها وقصائدها أولا، قبل تلحينها.

مثلما كتب الصقلي شعرا للكبار، كتب شعرا للصغار كذلك، فكان رائدا من رواد أدب الأطفال في المغرب. لقد كانت قصائده التي وردت في المقررات التعليمية المغربية الأولى في مقدمة النصوص والأناشيد الشعرية التي حفظها المغاربة عن ظهر قلب. وقد أبدع الراحل وأمتع بنصوص ومحفوظات جميلة وأعمال أصيلة مثل “من أغاني البراعم”، و”أنغام طائرة”، و”ريحان وألحان”، و”مزامير ومسامير”، و”همسات ولمسات” و”أنهار وأزهار” و”نفحات ولمحات” و”أرواح وأدواح” و”حروف وقطوف” و”أضواء وأنواء” وغيرها.

الشاعر وفق ما بين القصيدة العربية التقليدية والقصيدة الرومانسية، في غنائية فردية أحيانا، وجماعية في الغالب

وإلى جانب هذه الريادة في أدب الأطفال، فمولاي علي الصقلي رائد من رواد الشعر المسرحي، أيضا، منذ مسرحيته الشعرية “الفتح الأكبر”، إلى مسرحية “المعركة الكبرى”، و”مع الأسيرتين” و”الأميرة زينب” و”أبطال الحجارة” و”الفتح الأكبر” و”المعركة الكبرى” التي توجته بالجائزة المغربية الكبرى سنة 1991… هي أعمال لم تجمع بين الشعر والمسرح فقط، بل أضافت إليهما ذاكرة المغاربة، وهي تروي لنا تاريخ المغرب، وتطلعنا عليه من خلال لغة شعرية راقية. والأمر نفسه مع الأعمال الشعرية الأخرى، مثل “سكينة بنت الشهيد”، ومن خلال الملحمة الشعرية “رسالتي”، على لسان الرحالة ابن بطوطة، وعبر “حكايات وأقاصيص”، و”جسور”، و”أبطال الحجارة” التي أبان فيها مولاي علي الصقلي عن الموقف الإنساني النبيل لهذا الشاعر الأصيل، وانتصاره الأبدي للقضايا الإنسانية العادلة.

القصيدة الشعرية عند مولاي علي الصقلي، وإن كانت قصيدة تقليدية، فهي تنسجم مع السياق الوطني الذي لمع فيه صوت الشاعر، وبذلك أضحت قصيدة شعرية خالدة. وارتباط مولاي علي الصقلي بنداء الشعب المغربي وصوته ونشيده تأكد من خلال القصائد الزجلية التي كتبها الشاعر بالعامية، ومن القصيدة الخالدة التي كانت السبب في نبوغ الراحل محمد الحياني، وهي قصيدة “من ضي بهاك”… كحلت عيوني بالليل والنهار/ من فرط هواك هاد (هذه) النار فقلبي (في قلبي) ترمي بلشرار”.

وهو كذلك، شاعر خالد، وشاعر مخضرم على الطريقة المغربية، درس في جامع القرويين، أقدم جامعة في العالم، وعمل أستاذا بها، حيث ولد بمدينة فاس، مثلما عمل أستاذا في أول جامعة مغربية حديثة هي جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. وكان الراحل ملحقا بديوان السلطان محمد الخامس، زعيم التحرير، مثلما كان ملحقا ثقافيا بالديوان الملكي، ثم مستشارا في وزارة الخارجية، في سبعينات القرن الماضي. وقد توج مولاي علي الصقلي بجائزة المغرب الكبرى للكتاب عام 1982، وبجائزة الملك فيصل العالمية سنة 1991. وكان آخر ظهور للشاعر حين حظي بتكريم استثنائي في الدورة الأولى من “مهرجان الشعراء المغاربة” الذي نظمته دار الشعر بتطوان سنة 2017، بحضور رواد القصيدة المغربية الحديثة والمعاصرة، من أمثال محمد السرغيني وعبدالكريم الطبال ومحمد الميموني ومليكة العاصمي وغيرهم.

رسالة الصقلي

قبل عشرين سنة من اليوم، ترك الشاعر رسالة بمثابة وصية شعرية مغربية، حين كتب نصا بعنوان “رسالتي”، وضع له عنوانا فرعيا هو “ملحمة شعرية على لسان ابن بطوطة”.

وقد اختار الصقلي شخصية ابن بطوطة ورحلته الشهيرة للتدليل على كونية الرسالة الثقافية المغربية من جهة، وكونية الرسالة الشعرية من جهة أخرى. وهكذا، كتب الصقلي رحلة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” كتابة شعرية، ليجعل من الشعر رحلة شعرية إنسانية وكونية.

أعمال الشاعر لم تجمع بين الشعر والمسرح فقط، بل أضافت إليهما ذاكرة المغاربة، وهي تروي لنا تاريخ المغرب

وفق الراحل ما بين القصيدة العربية التقليدية والقصيدة الرومانسية، في غنائية فردية أحيانا، وجماعية في الغالب، جعلت منه شاعر أمة، حين اتخذ من الشعر سبيلا للمقاومة والنضال الوطني، خلال المرحلة الاستعمارية، وغداة استقلال المغرب. كما واصل الصقلي انتصاره الشعري للقضايا العربية والإنسانية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما تمثلها شعريا في أكثر من قصيدة ومسرحية شعرية.

وإذا كانت المسرحيات الشعرية تمثل شكلا أصيلا من أشكال اللقاء بين الأجناس الأدبية، فقد انفرد مولاي علي الصقلي بإقامة حوار بين الشعر والرواية، حين قام بتجنيس بعض أعماله بعبارة “رواية شعرية”، ليتجاوز في وقت مبكر وهم الصراع الأدبي والأبدي بين الجنسين الأدبيين. وما كان الشاعر ليحقق هذا التجاوز لولا وعيه الفني والجمالي بشعرية الملحمة للتوفيق بين السردي التراجيدي والشعري الغنائي في تجربة إبداعية واحدة.

وقد ترك مولاي علي الصقلي سجلا أدبيا كبيرا ومدونة شعرية مسرحية أرخت بالشعر لذاكرة المغرب الحديث. كما كتب الشاعر عن القضية الفلسطينية، وعن مختلف القضايا الإنسانية العادلة، منتصرا في البدء والمنتهى لقضية الشعر.

14