مولود حمروش ابن النظام وصديق المعارضة

السبت 2014/03/22
مولود حمروش فرصة ضائعة وضحايا جدد

رغم أن المراقبين قدموه على أنه البديل المناسب وقارب النجاة، الذي بإمكانه إنقاذ عرابي الولاية الرابعة لبوتفليقة والمناوئين لهم، من حلبة الصراع على قصر “المرادية”. وهو الشخصية التي تملك مواصفات رجل المرحلة الحرجة التي تمر بها الجزائر. وكلمة سره شخصيته الكتومة، ومسافة متساوية بين جناح بوتفليقة الباحث عن استمرار في السلطة أو خروج آمن، وبين ألوية وجنرالات يبكون أمجاد مؤسستهم الضائعة ومن طوق يضيق على أعناقهم يوما بعد يوم.

لكن الرجل الذي أطل على الجزائريين في عز الاستقطاب السياسي الحاد، في مناسبتين ويستعد للثالثة بحسب بعض التسريبات، تكون التطورات الأخيرة قد سبقته ولم يعد لأطروحاته مفعول لأن توصّل السلطة لحل سحري يحقق التوافق بين أجنحتها المتصارعة، بالتمهيد لعودة رئيس الحكومة الأسبق، أحمد أويحيى، كرجل جناح الاستعلامات، والوزير السابق، عبدالعزيز بلخادم، كرجل محيط الرئيس ستجعل من أطروحة حمروش، فرصة ضائعة يتلوها ضحايا جدد، لأن موعد الرئاسيات المقبل، لم يعد لا فرصة متاحة ولا مانعا من وقوع ضحايا جدد كما صرح حمروش.

هو رئيس الحكومة الجزائري السابق، مولود حمروش، الذي يوصف برجل الديمقراطية والتعددية في الجزائر. فبعد أحداث أكتوبر 1988، كان المسؤول المباشر على ميلاد أحزاب المعارضة والجمعيات والنقابات، والصحافة الخاصة، ويُشهد للرجل بأنه رئيس الحكومة الأول والأخير لحد الآن الذي ألغى حقيبتي الإعلام والمجاهدين (دماء المحاربين) من تشكيلته الحكومية.

كتعبير عن رفع الغطاء الرسمي عن الإعلام ووقف تنظيم التوزيع الريعي للمال العام. كما يشهد له بأنه المسؤول الأول الذي باشر الخطوات الأولى للخروج من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق على أخطارها وتداعياتها الاجتماعية، وكان أول المتشجعين على طرق أبواب صندوق النقد الدولي، وهو القائل حينها: ” إذا كان لزاما علينا التوجه إلى ” الأفامي ” لإنقاذ الاقتصاد الوطني، فعلينا الذهاب ونحن مزودون بما يمكن من أوراق متاحة، أفضل من أن نتأخر ونذهب ونحن مجردون من كل أوراقنا”. وذلك في رد له على الرافضين آنذاك للتحول الاقتصادي وللمحذرين من الذهاب لـ ” الأفامي“.

لكنّ تهوّر الإسلاميين بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة في مطلع التسعينات، عصف بالجزائر وبمولود حمروش، وأفشل التجربة الجزائرية الرائدة في الديمقراطية والتعددية في العالم العربي، في أعقاب الانتكاسة التي زجت بالجزائر في أتون أزمة دامية، وأرجعتها على أعقابها، فعاشت تجربة دموية مريرة، ونكوصا إلى أحادية جديدة وظّفت الإرهاب كشماعة تعلق عليها ممارسات الكبت والتضييق السياسي والإعلامي.


"كلمة سر" انتخابات الرئاسة

مولود حمروش الذي يحسن الاستماع كثيرا، يأخذ من محدثيه أكثر مما يعطي، صنع لنفسه هالة على مدار 15 سنة. ولأنه يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، فقد حافظ على هيبته، ولم يُستهلك كما استهلكت الكثير من الشخصيات والرموز، التي فقدت بريقها تحت الأضواء المضادة لآليات السلطة المختصة في تحطيم النخب.

ولذلك جاءت رسالته المشفرة المنشورة مؤخرا، بمثابة جهاز التنفس الذي أنقذ المشهد السياسي من الاختناق بسبب كبت دعاة العهدة الرابعة والمناوئين لها. ورفعت أسهمه عاليا، عارضة إيّاه بديلا للمتصارعين وحلا ملائما لأزمة سياسية غير معلنة.

دخول حمروش، على خط الأزمة السياسية، على تقدمه في السن، يؤشر إلى حالة متقدمة من الاحتقان في هرم السلطة، بعدما خرج الغسيل العفن بين الرئاسة والاستخبارات من السر إلى العلن، وعلى صدر الصحف المحلية والدولية. وهو ما يكون قد دفع الرجل إلى الخروج من صمته الطويل، لا سيما وأن إيمانه بأفكاره التي أسست للتعددية والديمقراطية في الجزائر، حينما كان رئيسا للحكومة في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، لا زال راسخا لديه، وإن لم تكن قد تبلورت لديه أفكار أخرى يعتقد أنها كفيلة بإخراج الجزائر من ثنائية الرئاسة والاستخبارات، أو بوتفليقة- توفيق، وتضعها من جديد على سكة الإصلاحات التي أطلقها شخصيا في مطلع التسعينات.

وترك حمروش، الانطباع المتكامل لدى السلطة والمعارضة، عشية الانتخابات الرئاسية، بأن مسافته المتساوية بين الجميع، والاتصالات التي يكون قد أجراها منذ أيام مع ما يعرف بمحيط الرئيس وقيادة جهاز الاستخبارات، تؤهله لأن يكون الخيار الثالث الذي يحمي الجميع ويعيد إنتاج أفكار التسعينات لمرحلة انتقالية، لأنه وعلى عكس العديد من الفاعلين، يدرك أن التغيير في الجزائر لا يمكن تنفيذه دون حضور جميع الأطراف، وهو القائل: ” بأن لكل مرحلة ضحاياها وفرصها، وللمرحلة الحالية فرصها إذا أردنا ألا يكون هناك ضحايا جدد “. ودون أن يقدم نفسه إن كان ضحية أم فرصة، فإن الرجل يجمع بين الاثنين معا، فقد كان ضحية تهور الإسلاميين في مطلع التسعينات، ويمكن أن يكون فرصة لبلاده بإخراجها إلى بر الأمان والحيلولة دون سقوط ضحايا جدد.


أفكار التسعينات لأزمة العشرية الثانية


“الصامت الكبير” ، لم يدل بدلوه في شؤون البلاد منذ العام 1999 ، لما انسحب رفقة خمسة مرشحين آخرين لرئاسيات البلاد قبل موعد الاقتراع. خلط أوراق المشهد السياسي في البلاد بجرة قلم.

فالرجل الذي تدرج في أحضان النظام، يعرف تركيباته الدقيقة، ومن المؤمنين بأن أي تغيير في الجزائر لا يمكن أن يحدث من دون النظام الحاكم، ولذلك لا مفر من إشهار صكوك الأمان للجميع. كما أنه أحد ” أصدقاء ” المعارضة التي ترتاح لأفكاره الإصلاحية والديمقراطية وجعلته أحد المقربين جدا من أحد أبرز المعارضين الشرسين للنظام، حسين آيت أحمد، وحزبه جبهة القوى الاشتراكية، الذي يملك كلمة سر الانتخابات الرئاسية القادمة، سواء بالمشاركة فيها عبر صفقة تضم حمروش، أو يقاطعها إذا سارت عكس ذلك، وهو الأمر الذي جعله يؤجل الحسم في المسألة إلى غاية اللحظات الأخيرة من مهلة إيداع الترشيحات.

أكثر حمروش من الحديث عن أولئك الذين "فوق" ولا يريدون التغيير ولم يعرف الشعب الجزائري من هم حتى اليوم

حمروش الذي ظل طيلة 15 عاما بعيدا عن الأضواء، واقتصر ظهوره على حضور بعض جنائز الرفاق. لم يشأ إطلاق حزبه تحت ضغط الأنصار بعد انتخابات العام 1999، لأنه يؤمن بعدم جدوى النضال الحزبي في ظل الاختراق المنظم للطبقة السياسية سواء من طرف الرئاسة أو الاستخبارات، في إطار عملية ” ترويض ” منظمة للقوى الفاعلة في المجتمع من طرف السلطة. كما لم يباشر أي نقاش على غرار رفاقه سواء من الأحياء أو الراحلين، فهو يعتبر منابر الإعلام جزءا من الأزمة، والسلطة غير مستعدة لسماع الصوت ” النشاز ” إلا إذا دارت عليها الدوائر، ولا أحسن من هذه الدائرة التي وضعتها في مأزق حقيقي، لأن الرئيس المقعد على كرسي متحرك لا يمكن له ضمان مصالحها، والمعارضة التي لم تتفق على مرشح لها لا يمكن أن تزعج السلطة.

حمروش ضحية تهور الإسلاميين

حمروش هو من القلائل الذين يحتفظون بشعرة معاوية مع الجميع في السلطة والمعارضة، ويرى حل الأزمة الجزائرية يكمن في مشاركة الجميع، ولذلك قال في بيانه الأخير: ” لدينا مكونات اجتماعية لا يمكن أن تستوعب أن تكون السلطة السيادية ضد الضعفاء.. يمكن أن يكون هناك ممارسة السلطة أو مهمة السلطة دون إذن من القانون ودون رقابة، إذا كان ذلك في مصلحة وسلامة الجزائر والجزائريين وجميع مناطق البلاد”. ويشترط لذلك ” كفاءة ومرونة المؤسسات الدستورية بعد توضيح أدوارها ووظائفها “. وهو تلميح إلى تداخل نفوذ ودور مؤسسات الدولة وهيمنة بعض منها على البعض الآخر، كما هو جار بين مؤسستي الرئاسة والمخابرات، اللتين تستحوذان على المسائل والملفات الكبرى، بينما لم تعد المؤسسات المنتخبة على المستويين المحلي والوطني إلا مجرد دائرة من الدوائر الحكومية، بدل أن تكون رقيبا ومحاسبا لها.

حمروش شفّر بيانه الأخير برسائل مبطنة تشمل الجميع، لأنه يرى أن حل الأزمة الجزائرية يصنعه الجميع. وتلفظ الجميع بعد مرحلة انتقالية، تعيد البلاد إلى سكة التسعينات التي أسست لدولة المؤسسات الحريات والديمقراطية. ولذلك يرى في أفكاره التي أجهضها تكالب الإسلاميين آنذاك لصالح تطرف العسكريين، أنها لا زالت صالحة لإخراج الجزائر من أزمتها وصناعة “التميز ” الآن كما صنعته في التسعينات.

لا تغيير للنظام دون النظام

ويقول الدكتور جباب محمد نورالدين في شهادة عن مولود حمروش: “عشية انتخابات 1999، اتصل بي صديق، وكان من ضمن “محيط ” السيد مولود حمروش، أخبرني أن “سي المولود ” يرغب في لقاء جامعيين مستقلين لا انتماء حزبيا لهم، ولقد كلفه بذلك، وأنه قد اختارني من ضمن مجموعة من الجامعيين المستقلين “. ويضيف: “ اللقاء كان في بيته المتواضع جدا، إلى حد يثير الانتباه، من شدة تواضعه ولم يكن يختلف عن أي بيت جزائري من الطبقة الوسطى، شكلا ومتنا، مثلا لم نجد فوق الطاولة “بونبونيار” أو زهرية ورد إنما وجدنا فوقها ثلاث قنينات واحدة للقهوة وأخرى للحليب والثالثة للشاي وبجانبهم صينية بداخلها حلويات جزائرية شعبية تتكون من ” مقروض وشاراك” البعض منه مكسي وآخر عريان” أما سلوك وتصرف السيد مولود حمروش فكان سلوكا شعبيا جزائريا خالصا بكل ما تحمل الكلمة من دلالات ثقافية وأخلاقية “.

ويتابع: ” كان هو شخصيا من يتكفل بتقديم المشروبات والحلويات وليس زوجته التي لم نرها واستمر اللقاء عدة ساعات كان التركيز على إصلاحاته الاقتصادية. تدخل الزملاء من معهد العلوم السياسية ومن الإعلام حول قضايا مختلفة، لكن الذي أبلى بلاء حسنا، كما يقال، كان زميلان من كلية الاقتصاد بخاصة أحدهم تحدث بدقة كبيرة عن إصلاحات السيد مولود حمروش أثناء رئاسته للحكومة مبينا الكثير مما شاب تلك الإصلاحات من ثغرات وقدم عدة أمثلة على ذلك”.

تهور الإسلاميين بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة في مطلع التسعينات، عصف بالجزائر وبمولود حمروش، وأفشل التجربة الجزائرية الرائدة في الديمقراطية والتعددية في العالم العربي

كنت أتابع الحوار ولم أنبس ببنت شفة حتى بدا لي أن السيد حمروش تحرج من صمتي ولما أوشك اللقاء على نهايته توجهت إلى السيد مولود حمروش بسؤال واحد، قلت إن هذا اللقاء يعد نشازا، يشبه بيضة الديك لأننا في الجزائر لم نتعود على مثل هذه اللقاءات التي تجمع بين الثقافي والسياسي، بل هناك قطيعة حتى لا أقول عداوة بينهما، قاطعني، مؤيدا وموضحا، أنه لما كان على رأس الحكومة ” كسّر ” هذا التقليد

وتعاون مع المثقفين وأسند لهم مهمات ومسؤوليات.

ويقول الدكتور جباب: “ عدت إلى صلب الموضوع وقلت، مخاطبا السيد حمروش، إن الزملاء تحدثوا وأبدوا ملاحظات حول الإصلاحات من الداخل، إن صح التعبير، لكن هناك جانب آخر وهو أن هذه الإصلاحات سوف تجعلك تصطدم مع قوى لها من القوة والنفوذ ما يجعلها تقف في وجه الإصلاحات وتشكل تهديدا حقيقيا، وهم طغاة المال والفاسدون الذين أصبحت لهم أحزاب وإعلام يدافع عنهم وعن مصالحهم كما لهم سند خارجي، وبينما هو ينظر إليّ ويستمع بدا لي أنه لم يتوقع هذا السؤال، وما أكد لي ذلك جوابه الذي لم أتوقعه ولم يخطر على بالي، قال بالحرف وهو يشير بسبابته ” الفوق ” أصبحوا يفرقون بين التهديد والخطر، والجزائر اليوم في مرحلة تهديد، ولهذا هم مجبرون على قبول الإصلاحات “.

وبعد 15 عاما هل تغيرت المعطيات لحمروش وهل أصحاب ” الفوق “ ما زالوا عند قناعاتهم؟


قسنطينة البدايات

مولود حمروش المنحدر من ولاية قسنطينة بشرق البلاد، من مواليد العام 1943، سقط والده شهيدا في ثورة التحرير وعمره 14 عاما. وفي السن ذاتها التحق بصفوف جيش التحرير، ليفجر إدارة عمومية في وسط المدينة، لينتقل بعدها بين تونس والعراق في مهمة كلفته بها جبهة التحرير. وبعد الاستقلال عينه الرئيس الراحل هواري بومدين مديرا للبرتوكول، وكان الجزائريون لا يعرفونه إلا من خلال الصور التي تلتقط لبومدين، التي يظهر فيها شابا أسمر، نحيفا، بخانة واضحة على خده. ثم تابع دراسته ليحصل على شهادة الماجستير في القانون والعلوم السياسية، من جامعة الجزائر. وفي سبتمبر/ أيلول 1989 عينه الرئيس الشاذلي بن جديد رئيســـــا لحكومة الإصلاحات التي أفرزتها أحداث أكتوبر 1988.

14