موليير رجل القرن الأكبر سابر أغوار النفس البشرية

الاثنين 2014/04/21
موليير حافظ على الوحدات الثلاث الأرسطوطاليسية في المسرح

باريس– ليس اعتباطا أن تقترن اللغة الفرنسية باسم موليير، فهو علمها الأول، ومبدعها الأكمل تأليفا وتمثيلا وإخراجا، ولا تزال أعماله تعرض بانتظام كل عام، سواء في فرنسا أو خارجها، بنفس القدر من النجاح. كما هو الشأن في “البخيل” و”البرجوازي النبيل” و”عدو الإنسان” موضوع هذه الورقة.

يلقب الفرنسيون موليير -واسمه الحقيقي جان باتيستبوكلان (1622/ 1672)- برجل القرن الأكبر أي القرن السابع عشر، فقد أدخل نفسا جديدا على الخلق المسرحي دون أن يدير ظهره للقدامى، إغريقا ولاتينيين، إذ حافظ على الوحدات الثلاث الأرسطوطاليسية، ونعني بها وحدة العمل والزمان والمكان، ولكنه عالج أدواء عصره، وانتقد بسخرية السلطة الدينية وأصحاب النفوذ والقيم البالية.


جدار واق


تتناول مسرحية “عدو الإنسان” العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، وما يجعلها متوترة تتأرجح بين حب ونفور، لأسباب بعضها ذاتي، راجع إلى تكوين الفرد وتربيته، وبعضها الآخر وليد البيئة والأخلاق السائدة ونظرة المجتمع.

فكيف تكون العلاقة منسجمة والرجل هنا صارم غيور متشدد لا يقبل التنازل عن أفكاره، والمرأة التي أحبّها جميلة شابة تريد أن تعيش حياتها بامتلاء، وتغنم من الحاضر لذّاته؟ لذلك عدّها بعض النقاد تراجيديا طهارة النفس ونقائها في وجه من الوجوه.

تدور الأحداث حول الضجر والغيرة اللذين يصيبان الجميع، وتكشف عن أرواح معذبة، تداري آلامها وقلقها خلف ستائر من القيم السائدة، هي أغلال تلك الفترة. لم يسلم من ويلات ذلك سوى فيلانت الذي يتهمه صديقه ألسيست بالفتور، وسيليمان التي لا نعرف عنها سوى أنها أرملة جميلة في العشرين.

تدفع الأرملة الشابة كل الشخصيات على اكتشاف ميولها إلى اللذائذ، في مواقف هزلية رفيعة، حيث الظرف واللمحة الخفيفة واللفتة الساخرة تلطف حدة تلك العلاقات المتوترة. ولكن تلك الرغائب لا تنتقل من طور القوة إلى طور الفعل، نظرا للأنفة التي تكبل تلك الشخصيات. وكأن الأنانية تقوم هنا مقام الجدار الواقي.

وألسيست هو مثال للشخصيات التي تستهوي موليير، فهو طافح بالمتناقضات، يحكم على الناس وفق فكرة مخصوصة عن الكمال، ويرفض أن يتعامل معهم. وهو طوباوي يحلم بعالم لا تكون فيه العلاقات قائمة على التملق والرياء والنفاق، بل على الصدق والنزاهة. ولذلك فهو في صراع دائم مع المجموعة البشرية.

أدخل موليير نفسا جديدا على الخلق المسرحي دون أن يدير ظهره للقدامى، إغريقينيين ولاتينيين

ولما أحب سيليمان، اصطدمت مبادئه بنزواتها وميلها إلى حياة الترف واللهو، فكنّ لها في صدره عداوة، وحاول هجرها هربا منها ومما تمثله من أخلاق وسلوكيات تأباها نفسه، وهربا من الناس، فلم يقدر، مثلما عجز عن تملي وجهه في المرآة ليحاسب نفسه، ومن ثَمّ كانت أزمته. يرفع الستار على ألسيست وهو يخاصم صديقه فيلانت، نظرا لضيقه بمسألتين، الأولى قضية عدلية، والثانية قضية وجدانية، تدفعانه وتجمحان به لمخاصمة صديقه: “اليوم، لا بدّ لحبيبته أن تحسم قرارها، شاءت أم أبت، ولكنها تأبى الانصياع له، وتقف منه ومن أفكاره موقفا يكاد يكون معاديا، فهل تصبح هي نفسها عدوة الإنسان؟”.

يبدو ألسيست مريضا يعاني رغما عنه من تضخم السويداء في أحشائه، ويبدو أن نفوره من الجنس البشري الذي يبلغ مبلغ الكراهية سببه الاكتئاب. ولكن النقد الذي يوجهه للإنسانية كافة ليس فقط عرضة من أعراض تلك الحالة النفسية، بل هو نقد هادف ينفذ إلى الصميم: كيف يمكن للبشر أن ينحدروا إلى مثل ذلك الرياء والخداع لمجرد الانضمام إلى مجموعة لا يحكمها سوى قانون المصالح؟ والسؤال الذي يطرحه موليير لم يفقد برغم القرون المتطاولة راهنيته: في مواجهة مجتمع يعشش فيه الفساد ويسوده الانحلال، هل ينبغي إيثار عزلة متعالية على غرار ألسيست، أو التصالح معه كما فعل صديقه فيلانت؟


بين نثر وشعر


أعمال موليير لا تبلى بمرور الزمن، لأنها تعالج قضايا إنسانية كونية، فهي وإن كانت مركزة على مجموعة بشرية معينة داخل مجتمع متمدن متحضر، تغوص في النفس الإنسانية تسبر أعماقها، في لغة أنيقة صارمة، تأتي تارة في صيغة شعرية على البحر الإسكندري (بحر شعري من اثني عشر مقطعا صوتيا) وطورا في قالب نثري رفيع.

فالعلاقات بين الرجل والمرأة، وبين الزوج والزوجة، وبين الأهل والأبناء، وبين الأسياد والخدم، تعكس حقيقة الطبع البشري وتكشف عن خبايا النفس. وما يشغل موليير ليس العقدة ولا الحبكة، بقدر ما يهمه أثر تلك الصراعات على الناس، وما تخلفه الممارسات الشاذة، أو لنقل غير السوية، لبعض الفئات المجتمعية كمدّعي الورع والمتطببين والمغرورين ومنتحلي المعرفة من آثار سيئة على سائر أفراد المجتمع.

16