موليير مصر اتخذ من الصحف خشبات لمسرحياته المصورة الساخرة

اللعبات التياترية والحواريات ليعقوب صنوع تفضح سرقات الخديوي إسماعيل وتعذيبه للفلاحين.
الأحد 2021/08/01
المسرحيات المصورة مدعومة بتعليقات بالعامية المصرية

يعتبر يعقوب صنوع رائدا مسرحيا هاما في مصر، واستمر يكتب مسرحياته إلى سنة 1910 إذ كتب بعد 1872 “موليير مصر” و”ما يقاسيه الزوج الخائن” لخشبات المسرح ولكنه أيضا قدم عددا من المسرحيات في شكل لعبات تياترية، وكتب العشرات من اللعب التياترية المنشورة في عدة مجلات، وهي عبارة عن دراما صحافية أو مسرحيات صحافية مصورة يرسم فيها رؤيته الإخراجية رسما دقيقا يجعل المتلقي يشاهد العرض بالصور وإن لم يشاهده على خشبة المسرح.

كانت انطلاقة الباحثة المصرية نجوى عانوس الأكاديمية في العام 1977 بدراسة حول مسرح يعقوب صنوع، ومنذ ذلك الوقت واصلت تتبعها بحثا وتحليلا للإنتاجات الإبداعية للرسام والمسرحي الذي يعد أحد رواد المسرح المصري والصحافة المصرية الساخرة وموليير مصر كما أطلق عليه الخديوي إسماعيل، وكتابها الصادر أخيرا عن دار المعارف بعنوان “لعبات يعقوب صنوع التياترية وحوارياته.. دراسة تداولية” تأملت فيه النص المكتوب وعلاقته بالصورة لإنتاج الدلالة الفنية والدرامية.

بداية تؤكد عانوس أن فكرة كتابة لعبات وحواريات صحافية مصورة في مجلة “أبو نظارة” لم تنشأ من فراغ، بل سبقتها وعاصرتها صحيفة “بنش” الإنجليزية فتأثر بها، بل وأثرت أيضا مجلة “أبو نظارة” في “بنش” وفي غيرها من الصحف، مثل جرائد “باريس” و”لافرانس” و”لوسوار”، وفي الصحف الألمانية والأميركية التي كانت تنقل وتترجم عنها.

وتذكر أن رسام صحيفة “بنش” هو نفسه رسام مجلة “أبو نظارة”، حيث کان صنوع أو أبونظارة يكتب اللعبة التياترية أو الحوارية ثم يشرح للرسام المشهد الإخراجي ويأمره برسم الصورة التي يراها مفسرة للّعبة، إذ كان حريصا على تصور العرض في خشبة المسرح، فيقول مثلا في إحدى الحواريات “هذا مسرح تشخصن فيه الروايات”، ويتدخل غالبا بكتابة تعليقات بالعامية المصرية.

لعبة تياترية

الصورة تمتلك حسا دراميا مشهديا
الصورة تمتلك حسا دراميا مشهديا

تقول عانوس “حاولت منذ دراستي الأولى لمسرح يعقوب صنوع، المنشورة في الهيئة المصرية العامة للكتاب 1984، أن أجيب عن عدة أسئلة وهي: ما موقع مجلة ‘أبو نظارة’ في خارطة الصحف الأوروبية المعاصرة؟ وهل نشأت فكرة كتابة لعبات صحافية تياترية وحواريات من فراغ؟ وما هي علاقة التأثر والتأثير بين المجلة والصحف الأوروبية؟ ومن الذي رسم الصور الكاريكاتيرية المفسرة للُعبات والتي تستنطق الكلمات؟ وكيف أخرج الرسام وصنوع هذه المشاهد المصورة؟”.

وتوضح عانوس “رجعت إلى قراءة مجلة ‘أبو نظارة زرقا’ قراءة متأنية، فوجدت رسما من بين الرسوم يستنطق حوارية في ‘أبو نظارة زرقا’ العدد السادس السنة الثالثة يوم الجمعة عشرين أبريل 1879 مكتوبًا عليه بخط جانبي صغير ‘هذا الرسم منقول عن جرنال بنش Punch المطبوعة في مطبعة Paguenea في باريس’، وتوضح هروب الخديوي إسماعيل أو شيخ الحارة بالمال المسروق من المصريين راكبا حماره الصغير وهو الفلاح المصري المحمل بالديون، ويحاول الدائنون الأجانب جذب الحمار، ولكنهم يفشلون إذ يبعدهم شيخ الحارة عنه، ويقول لهم إنه فقط الذي يستطيع أن يقود هذا الحمار”.

يعقوب صنوع كان يكتب لمجلة "أبو نظارة" اللعبات التياترية والحواريات ويصور للرسام الإخراج ويتدخل بعد الرسم بكلمات توضيحية
يعقوب صنوع كان يكتب لمجلة "أبو نظارة" اللعبات التياترية والحواريات ويصور للرسام الإخراج ويتدخل بعد الرسم بكلمات توضيحية

وتتابع “وجدت أن صحيفة ‘بنش’ لم تهتم بأخبار مصر إلا في عهد الخديوي إسماعيل أي منذ 1893، وفي عهد الخديوي توفيق قدمت حواريات ومسرحيات قصيرة توضح سلبيات حكمهما، وذلك تضامنا مع السياسة الإنجليزية التي أرادت التخلص من السيطرة العثمانية في مصر حتى تنفرد باحتلالها. وهنا عثرت على الصورة الموجودة في صحيفة ‘بنش’ والمنقولة إلى مجلة ‘أبو نظارة’ في العدد التاسع عشر من أبريل 1879 ومكتوب على الحقيبة كلمة إفلاس أو عجز عن وفاء الديون Insolvency. وقد جاءت الصورة لتفسير قصيدة بعنوان ‘الفلاح المسكين’ وتصور الخديوي إسماعيل يقود الحمار المصري ويسوقه، ويقول له هذا هو العليق أيها الحمار، اخفض عنقك حتى أركبك وإلا سأستخدم العصا”.

 وتصور القصيدة تعذيب الخديوي إسماعيل للفلاح المصري حتى يجمع منه الضرائب المتنوعة لسداد الديون بعد أن أصبحت مصر مفلسة، وبمقارنة هذه الصورة بالصورة في “أبو نظارة” نجدها تخلو من الألفاظ المحظورة مما يؤكد تدخل أبونظارة في الصورة الأولى.

وتشير عانوس إلى أن هذا الأمر يؤكد أن رسام صحيفة “بنش” هو نفسه رسام مجلة “أبو نظارة”، إذ كان أبونظارة يكتب اللعبات التياترية والحواريات ويصور للرسام الإخراج ويتدخل بعد الرسم في الصورة بكلمات توضيحية بالعامية المصرية. ويقول أبوخليل في محاورة بينه وبين أبونظارة في العدد الأول من السنة الثالثة، الجمعة الواحد والعشرون من مارس 1879، “كتبت في نمره 30 أنها آخر نمره من رحلتك، أنا عارف ياخي رايح تقولي إيه، إن الطبع العربي غالي قوي قوي في باريز والرسيم طماع، وبدأ يأخذ منك الشيء الفلاني والبوسطه وما أشبه”.

ويأتي العدد الخماس عشر في نوفمبر 1879 من صحيفة “بنش” بصورة تشبه الأولى وتصور الخديوي إسماعيل مذعورا من الدائنين الذين يطالبونه في حوار قصير بترك الحمار/ مصر، ولكنه يحاول الفرار ممسكا بالعصا قائلا “هذه الفرنكات وتوفيق ابني كلهم في سلة ‘شوال’ ورائي انظروا إلى حماري واتبعوني لكي تأخذوا الأموال”. وتضيف عانوس “من هنا بدأت في المقارنة بين لُعبات صنوع وحوارياته ومسرحيات “بنش” القصيرة وحوارياته وقد عثرت على مسرحية صحافية قصيرة مصورة وعدد من الحوارات المختلفة تماما وقد سجلتها في حواريات مجلة ‘أبو نظارة'”.

مسرحيات صحافية

تلفت الباحثة إلى عثورها على مسرحية تحت عنوان “الفرج ورد الفعل”Relief and Reaction منشورة في “بنش” بتاريخ الخامس من يناير 1879 ويدور موضوعها حول ديون مصر في عصر إسماعيل ويدور الحوار فيها بين الخديوي إسماعيل واثنين من وزرائه.

ويعتبر هنري مايهو هذه المسرحية تراجيديا مصرية من فصلين، إذ يراها تراجيديا لأنها تنتهي بمأساة الخديوي الذي يهرب من الديون ويترك الشجرة المسكينة مصر تتساقط أوراقها وخلفه منازل الفلاح الفقير وفي يده الأموال التي جمعها ليهرب بها، والصراع هنا بين الخديوي والفلاح، بينما يرى المتلقي المصري في هذه الصورة سخرية من منظر الخديوي إسماعيل الضخم البنية وهو يجري هاربا فيضحك، وعندما يتذكر أنه يهرب بأمواله يبكي، فالمصري يضحك ضحكة ممزوجة بالمرارة والحزن أو العكس، فهو يزيل الفوارق بين الكوميديا والتراجيديا، وقد انتبه النقاد الفرنسيون إلى ضرورة عدم وجود فوارق حاسمة بينهما؛ فلا نجد تراجيديا دون عنصر كوميدي إذ نجد شخصية البهلول في مآسی شكسبير، لذلك أطلقوا على النوعين مصطلح دراما”.

وتضيف عانوس “بالمقارنة أيضا نجد أن ‘بنش’ تطلق على الخديوي اسمه الحقيقي ‘الخديوي’ ويتحاور وكأنه يقرر حقائق أو يقرأ الأخبار، بينما تطلق مجلة ‘أبو نظارة’ على شخصياتها أسماء رمزية فنجد لقب ‘شيخ الحارة’ على الخديوي إسماعيل، ومعنى شيخ الحارة الوارد في ظاهر الكلام هو كبير الحارة المسؤول عنها، إذ يعرف كل ما فيها ومن فيها ويتميز بمكانة اجتماعية بين الأهالي، وتحول هذا المعنى إلى معنى مغاير اصطلحت عليه الجماعة، وأصبح شيخ الحارة تعبيرا اصطلاحيا يشير إلى الخديوي إسماعيل. ويتخذ اسم شيخ الحارة قابلية تأويلية لتوليد کلام مسكوت عنه، فكأن مبدأ المسكوت عنه هو مفتاح التداولية، ويأتي بصفات أو بصورة هذا المسكوت عنه فيعرفه المتلقي”.

وتقارن عانوس بين شخصية الملكة فيكتوريا في محاورة منشورة في “بنش” يوم التاسع والعشرين من مارس 1878 تحت عنوان “إلى ماذا يشير الاسم؟ جنون الإله (بان) المرعب في الشكوى الإنجليزية”، وصورتها في محاورة بين شخصية أبونظارة وأبوخليل المنشورة في مجلة “أبو نظارة” – مصر للمصريين – السنة  التاسعة – عدد فبراير 1880.

مجلة "أبو نظارة" قدمت عدة مسرحيات صحافية قصيرة مصورة وحوارات درامية مختلفة متماهية مع صحيفة "بنش"

وتقول “يدور الحوار في حوارية بنش بين الملكة وجون بول ابنها وبين ضمير المتكلم المستتر والمتصل أيضا، فهو ينفصل ويسأل ‘يمكن أن نسأل سؤالا ما هو الاسم؟’ ويبدأ في الإجابة لينجز فعلا إخباريا فيقول ‘إن الاسم يرتبط بذاكرة الإنسان مع الآخر، فتستمع إلى أسماء تحترمها وأخرى تحتقرها وأخرى تتعاطف معها وأسماء تشعرنا بالوطنية، فالاسم يؤدي إلى تداعي المعاني، ويوضح العلاقة بين الملكة والثعبان الملتف حولها في الصورة، فالثعبان لا يعيش إلا في الحوائط القديمة الخربة حتى يشعر بالأمان والملكة عجوز وقديمة وهو يلتف حولها وكأنها الحائط’. ويبدأ في وصف احتلال المرأة العجوز للبيوت الهندية وغيرها حتى تحقق إمبراطوريتها، ثم تعرف الملكة نفسها، وتفتخر بأنها ملكة إنجلترا قائلة ‘أحمل قواعد المملكة الإنجليزية وأقودها وأحركها وأخلص من كل قلبي في توجيهها وإدارتها بالقانون'”.

وتضيف عانوس “لو قارنا هذه المحاورة بمحاورة بين أبوخليل وأبونظارة المنشور في ‘أبو نظارة’ ـ مصر للمصريين ـ السنة 9 ـ عدد 2 من فبراير 1885 حول العجوز ملكة إنجلترا نجد صنوع أو أبونظارة يطلق عليها ‘العجوز الشمطاء’، وهذا الاسم متناص من ألف ليلة وليلة، ويربط بين عالم الكاتب وعالم القارئ ويمثل علاقات التقاليد الثقافية إذ احتلت هذه المرأة مكانة ممتازة في الليالي، فهي تحترف الكيد الدرامي والسياسي وتمتلك العصا السحرية لممارسة الشر، وتتوسط العجوز الشمطاء المشهد وهي تحمل أشواك المسألة المصرية فوق ظهرها المنحني من ثقلها، وتوشك أن تنكسر وتحاول الإمساك بأشواك السودان وينصحها ملوك العالم بالابتعاد عن السودان ويتحاورون معها”.

رائد المسرح
رائد المسرح

وترى الباحثة أن شخصية أبونظارة ترتبط بعالم القارئ وتشترك معه في الثقافة المصرية، فهو والمتلقي يعرفان العجوز الشمطاء في الليالي وفي الواقع، وهي هنا لا تعتز بنفسها بل تنحني وتكاد تقع وتنهزم، وهذا المشهد يسعد المتلقي الذي يطلب الثأر منها، أما المكان فهو الشارع، وترتدي كل شخصية من الشخصيات الملابس التي تشير إلى جنسيتها.

ثلاثة فصول

يجيء الكتاب في تمهيد وثلاثة فصول، حيث ناقشت عانوس في التمهيد عدة إشكاليات حول اللعبات التياترية والحوارات ووقفت عند ماهيتها وعلاقة التأثر والتأثير بينها وبين مسرحيات مصورة وحواريات منشورة في صحيفة “بنش كرنفال لندن الشعبي”، هذه الصحيفة التي عثرت عليها في مكتبة جامعة تورنتو لمؤسسها هنري مايهو والمطبوعة في لندن، وقد عرفت بها ثم بدأت بالمقارنة بين مسرحيات بنش الصحافية المصورة وحوارياته ومسرحيات صنوع الصحافية المصورة وحوارياته وخرجت بعدة نتائج.

أما الفصل الأول فعنونته بـ”الجنس في الاختلافات أو التنويعات اللغوية المصورة الواردة في لعبات أبونظارة التياترية وحوارياته”. فالحواريات هي وعاء من مسْرَحة شخصيات ظهرت في المجلة، وتتجسد من خلال الرسم الذي كان يتدخل فيه صنوع بتعليقات ليعطي الصورة حسا دراميا.

وبدأت الدراسة بالتنويعات اللغوية المصورة الخاصة بالنساء ودرست سمات لغات ولهجات الشخصيات كالأغا والحاكم ودرست التنويعات اللغوية الخاصة بالمرأة المصرية المنتمية إلى الطبقة الشعبية والطبقة الوسطى وقد استخرجت المؤلفة التعبيرات الاصطلاحية من لعبات أبونظارة التياترية وحوارياته.

وعنونت عانوس الفصل الثاني بـ”المعرفة المشتركة الشعبية بين المتكلم والمخاطب” حيث وقفت على الأبنية النصية في التداولية/ عناصر أو وسيلة أو حلقات في سلاسل التواصل والتوصيل، إذ لن يتم التوصيل إلا بتحليل المعرفة المشتركة بين المتكلم والمخاطب سواء كانت معرفة شعبية أو تاريخية أو عربية.

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان “التعبيرات الاصطلاحية المتداولة في اللعبات التياترية والحوارات” وهي تلك الكلمات الاصطلاحية الثابتة باعتبار أن هناك أثرا واضحا لصحيفة “بنش” الشهيرة في ذلك الوقت على مجلة “أبو نظارة”.

14