مومباسا الكينية طبيعة أفريقية ساحرة

الأحد 2015/03/29
مومباسا حاضرة البحارة العرب والتراث العماني المهاجر

نيروبي - السياحة في أفريقيا تختلف عن السياحة في دول وقارات أخرى، على الرغم من أنها تحتوي على سياحة الرفاهية الفاخرة ذات النزل الرفيعة، لكنها تمتاز أيضا بالسياحة الطبيعية حيث تحتوي القارة على مناظر طبيعية ومحميات وحضارات تستحق الاكتشاف. مومباسا الكينية مدينة تعاقبت عليها الحضارات وتركت فيها فسيفساء أفريقية وبرتغالية وعربية تستحق الاكتشاف إلى جانب قربها من محميات الحيوانات الضخمة.

مومباسا مدينة تقع على خط الاستواء تقريبا، تعتبر ثاني أكبر مدن كينيا، وميناؤها الرئيسي هو أيضا أقدم ميناء على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية حيث يمتد الميناء على جزيرة تحمل نفس اسم المدينة وترتبط بالأرض الأم عبر جسر رئيسي، بالإضافة إلى المراكب البخارية التي تنقل الركاب بين الضفتين.

ورغم موقع مومباسا الجغرافي الهام، إلا أنها لا تزال فقيرة تشبه كثيرا المدن الأفريقية في بؤسها وتدني خدماتها، لكن الطبيعة وهبتها جمالا خلابا ومناخا كانا سببين أساسيين في لفت أنظار المستعمرين إليها على مدى العصور.

وما إن حصلت البلاد والمدينة على استقلالها حتى صارت هذه الطبيعة المميزة مصدرا أساسيا للدخل، إذ يزور البلاد نحو 800 ألف سائح في العام ويبلغ إجمالي عائدات السياحة نحو 600 مليون دولار سنويا.

وأدى هذا التدفق السياحي إلى إنشاء منتجعات سياحية ضخمة وحديثة حولها تستفيد من الطبيعة الخلابة ومن شواطئ ومياه المحيط الهندي الدافئة، فضلا عن قربها الشديد من أشهر محميات الحيوانات الكبيرة في سهول السافانا الأفريقية مثل “سافو” الغربية و”سافو” الشرقية، وهما محميتان ضخمتان تعيش فيهما حيوانات الغاب المفترسة على طبيعتها.

ومن تلك المحميات تستطيع رؤية جبل “كليمنغارو” ذي القمة البيضاء المغطاة بالثلوج نظرا لأنه أعلى جبل في أفريقيا، بينما يحيط بأسفله طقس استوائي.

ولمدينة مومباسا طابع عربي شديد العراقة، فقد تأسست المدينة على يد العرب في القرن العاشر الميلادي مع وفود نشر الدعوة الإسلامية في القارة، وقد ظلت لهؤلاء كامل الهيمنة على المدينة وجاراتها بالتناوب مع البرتغاليين والبريطانيين حتى القرن الماضي، و طوال تلك السنين ظل الصراع بين تلك القوى مستمرا بهدف السيطرة على حركة الملاحة البحرية والتجارة في المحيط الهندي.

من الملامح العربية في مدينة مومباسا الزي العماني الخليجي للمرأة (اللباس الأسود وغطاء الرأس)، كما أن عمران المدينة، خصوصا المدينة القديمة، يشبه العمران العماني الى درجة كبيرة

يعيش في مومباسا الآن أكثر من نصف مليون نسمة، يشكل الأفارقة الأصليون النسبة الأعلى منهم بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المهجّنين بين الدم الأفريقي والعربي، كما تعيش في المدينة أيضا جالية عربية (عُمانية الأصل)، وأخرى آسيوية حضرت للاستقرار والعمل في مومباسا منذ مطلع القرن العشرين عندما أراد البريطانيون إنشاء خطٍ للسكك الحديدية يمتد من المحيط الهندي وينتهي عند بحيرة فكتوريا. فقد كانت الفكرة تتمثل في ربط المحيط الهندي بالنيل الذي يرتبط بدوره بالبحر الأبيض المتوسط، و إذا كان هؤلاء قد استوطنوا المدينة منذ قرن فإن جاليات عربية كثيرة مثل اليمنية والعراقية قد اختارت مومباسا مكاناُ للاستقرار وحط الرحال، شجعهم على ذلك بساطة الحياة وعدم التعقيد في مستلزمات المعيشة، إضافة إلى ذلك انتشار الإسلام بقوة متمثلة في المساجد المنتشرة على أنحاء المدينة التي تمثل رمزا حقيقيا للتعايش بين الأديان و الطوائف.

ومن الملامح العربية الإسلامية أيضا في المدينة الزي العُماني الخليجي للمرأة (اللباس الأسود وغطاء الرأس)، كما أن عمران المدينة، خصوصا المدينة القديمة، يشبه العمران العُماني إلى درجة كبيرة.

ويتحدث أغلب سكان المدينة وكينيا و من حولها من البلاد اللغة السواحلية، وهي خليطٌ من اللغة العربية واللغات الأفريقية، بل إن السواحلية الآن إحدى أكبر وأهم اللغات الأفريقية.

ومن اسم اللغة نفسها يتبين لنا أن التأثير العربي فيها هائل، فهي في الواقع خليط بين اللغة العربية واللغات المحلية، خصوصا “البانتيو”، ويكاد يكون لا أثر فيها للغة البرتغالية.

وأسس المدينة التجار والبحارة العرب في أواخر القرن التاسع الميلادي، و قد زارها الرحالة المعروف ابن بطوطة في عام 1330، كما زارها أيضا المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما في عام 1498. وفي عام 1840 وبعد أن انتقلت المدينة من أيدي البرتغاليين إلى العرب، خضعت المدينة إلى سيطرة سلطان زنجبار العماني الأصل ثم سيطر عليها البريطانيون في عام 1895، ثم أصبحت عاصمة المحمية البريطانية لشرق أفريقيا في عام 1907.

ومنذ بداية القرن العاشر الميلادي، أسس العرب العمانيون بجانب مومباسا عددا من المدن والموانئ الصغيرة على المحيط الهندي، خصوصا في كينيا وتنزانيا، بحيث أصبحوا يسيطرون على حركة التجارة في المحيط الهندي. ولكن منذ أن اكتشف دي غاما الطريق البحري إلى الهند عبر المرور برأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا والوصول إلى مومباسا من الجنوب، حاول البرتغاليون على مدى قرن السيطرة على مدن زنجبار التي أنشأها العرب، وبالتالي السيطرة على التجارة في المحيط. وبالفعل طوال القرن السادس عشر وحتى بداية السابع عشر نجح البرتغاليون في تحقيق ذلك دون منازعة كبيرة.

واليوم بالإضافة إلى دخل السياحة واستخدام الميناء، فإن مومباسا تحتوي على مصاف لتكرير النفط الخام ومصانع متطورة للسكر.

17