مومن السميحي يوثق الثقافة العربية بكاميرا متوسطية

لا يستقيم الحديث عن تطور السينما في المغرب دون الحديث عن روادها، ومساءلة مرجعياتهم الفكرية والثقافية، ولا يمكن الخوض في أزماتها ومناقشة أساليبها دون استيعاب الاختلافات الحاصلة بين مختلف أجيالها الذين منحت مقترحاتهم الفنية رؤى فيلمية متباينة حاولت الاشتغال بطرق متعددة على ما يعتمل ويروج داخل المخيال المغربي، هنا كان لـ”العرب” حوار مع المخرج المغربي مومن السميحي الذي انتهى من تصوير فيلمه الوثائقي “مع طه حسين” ويستعدّ لإخراج فيلم عن “حي بن يقظان”.
الجمعة 2016/09/30
مخرج رحالة

يرى المخرج المغربي مومن السميحي الذي أخرج أكثر من عشرة أفلام بين روائية ووثائقية في حواره مع “العرب” أن الدافع الفكري والجمالي الذي جعله ينجز فيلما وثائقيا عن طه حسين، الآن، يتمثل في مآسينا الحالية التي لا تنحصر فقط في هدر الدماء وتشرد الأطفال وتهديدات الفاشية اللعينة، بل تكمن كذلك في كارثتنا الثقافية‫ المتمثلة في الإهمال والنسيان والتهميش والسفسطة والسطحية والمستقبلية، كما في تعبير محمد عابد الجابري، فضلا عن هيمنة الظلامية وتهريجها وشعوذتها‫.

ولذلك يقول السميحي “أعمال طه حسين مرشحة لأن تكون منقذتنا من الضلال‫، لأن وجهها الأدبي قد لعب الدور المعروف في إحياء تاريخ الأدب العربي (الهائل) والعالمي، وجعله مادة للتدريس في المدرسة والجامعة لحقب عدة، وإلى يومنا هذا، بسائر البلاد العربية‫؛ إلاّ أنها كُبِتَتْ كَبْتًا مريرا منذ نشرها، وأُرِيدَ إخفاءُ وجهها العلمي في ميدان التاريخ، وتحديدا في ميدان تاريخ الدين والديانات الذي ليس هو الفقه وعلم الكلام والخطاب التيولوجي التقليدي‫”.

ويذكر ضيف “العرب” في هذا الخصوص “الفتنة الكبرى‫”، “الشيخان”، “علي وبنوه”، “الوعد الحق”، “على هامش السيرة”، لقد كان تحليل طه حسين للتاريخ الإسلامي بغزارة معرفته ودقة منهجه وحرصه على القول العلمي المحض فريدا من نوعه لا في الإنتاج الثقافي العربي، بل بالأحرى في الإنتاج العالمي‫، وما أحوجنا إليه في الظرف الراهن‫! ما أحوجنا إلى عقلنة واقعنا العربي الكابوسي‫!”.

بين علمين

برر مومن السميحي هيمنته على الحديث “الذاتي” عن طه حسين داخل فيلمه باعتبار أن هذا الأخير قد وفّر له الصيغة الذاتية لإمكانية التواضع وتحديد فضاء خطابي واقعي، وهو موقع المخرج السينمائي القارئ منذ الطفولة لطه حسين؛ إذ لم تكن لديه الأدوات والمنهج والتكوين العلمي المطلوب كي يتطرق من موقعه كمخرج للمواضيع الضخمة، المصيرية اليوم، التي خاضها واستوعبها وحقق فيها ونفذ إلى أعماقها وقلبها هذا العبقري الفذ‫.

ويضيف “فيلمي مجرد مدخل لتاريخ النبوة وتاريخ الخلافة التي تبعتها وأصداء وتطورات وتحولات كليهما إلى يومنا هذا ومدى تأثيرهما عقائديا وسياسيا‫، وما على مجموعة الباحثين التي تتكون من أدباء ومؤرخين وعلماء اجتماع إلا أن تكتب موضوع فيلم وثائقي طويل يقدم للناس عطاء فكريا علميا أعتقد أنه مصيريّ”.

أعمال طه حسين منقذة العرب من الضلال‫، حيث أن وجهها الأدبي لعب دورا هاما في إحياء تاريخ الأدب العربي والعالمي

ويشكل مشروع فيلمه الروائي الذي يضعه بين أيدي لجنة الدعم السينمائي بالمغرب تحت عنوان “حي بن يقظان/حدس العصر الذهبي العربي العلمي الكبير” حلمَ عمره، نظرا لميل المخرج واهتمامه الكبير بالبحث في التراث الفلسفي العربي الإسلامي. ويستهل القول حول الانخراط في مثل هذه المشاريع بنوع من السخرية اليقظة، حيث يقول “لسنا أمة تضحك من جهلها الأمم إذا ما ربطنا الحاضر بالماضي‫، كأن نربط طه حسين القرن العشرين بالوليد بن رشد وأبي بكر بن طفيل في القرن الثاني عشر‫، وهذان الأخيران يكونان قطبا فكريا مميزا لثقافة الغرب الإسلامي، وهما مختلفان اختلافا جذريا عن قطب المشرق المتمثل في ابن سينا والفارابي‫؛ فالأولان يربطان الإنتاج‫ العلمي بمفهوم الشريعة‫/الحكمة (الرشدية‫) و‫المنقول/المعقول (ابن طفيل‫)، بينما يكون الربط عند الآخرين بالصوفية (الإشراق)”.

ويؤكد السميحي أن العالم أجمع اقتبس قصة ابن طفيل الخالدة ‫”حي بن يقظان‫” وهو مشروعه الروائي الحالي، وذلك ابتداء بقصة ‫”روبنسون كروزو‫” الشهيرة دون أن يلتفت إليها العرب‫، فيقول “إنه فعلا حلم العمر‫، كنت أصرخ داخل نفسي، طيلة حياتي، وأثناء إقامتي بالغرب، وكلما قرأت أو شاهدت مواضيع تذكرني بالتراث العربي (ونحن يا أيها الناس)، هذا ما حصل لي بالضبط مع كل تلك الأفلام التي تستحضر الطفولة المتوحشة مثل ‫”كتاب الغاب‫” لكيبلينغ أو فيلم فرانسوا تروفو ‫”الطفل المتوحش‫” أو فيلم لويس بونويل الجميل عن أسطورة روبنسون، وقد طهرها بجرأته العبقرية المعهودة من هذيانها المسيحي في القصة الإنكليزية‫”.

ثقافة الضفتين

عن تفسيره لعيشه المزدوج بين فرنسا وطنجة وسفره الدائم إلى القاهرة، وكتابته باللغتين العربية والفرنسية، يرى مومن السميحي أن الصدف والحظ أتاحا له الإقامة بباريس إبان ثورة العلوم الاجتماعية فيها، والتي تمت على يد بارت وجاك لاكان وليفي شتروس.

وفي القاهرة كانت الصداقة مع صلاح أبوسيف ومخرجي الموجة الجديدة وراء التعرف على نجيب محفوظ وإعجابه الشديد برواياته، فالثقافة العربية متوسطية على مستويات التوظيف والتكامل والتطوير، أما الانشطار الحقيقي الذي يهدد كل عربي فهو أن يكبت انتماءاته اليونانية والفرعونية وتاريخ المتوسط المعاصر الذي لن ينتظره لكي يواكبه، وأن يكبت صوت العرب القدامى الذين دعوا بكل قواهم إلى هذا الانتماء الهائل الواسع المنفتح، وهم الذين حذروا من جهالة الانكماش والانطواء.

مشهد من فيلم "سيدة القاهرة"

ولفهم المسألة أكثر سألناه حول تكوينه الفرنسي، وهو المنفتح على الفكر الغربي، وعن علاقته بالمفكر رولان بارت وغيره من الأعلام، ثم عن سر عشقه لمصر التي صَوَّرَ فيها فيلما سماه “سيدة القاهرة”، فضلا عن إنجازه لشريط وثائقي عن طه حسين، فأشار إلى أن البطلة “رشيدة” تتكلم في مشهد من فيلم “قفطان الحب” مع أمها بالفرنسية وتخاطبها هذه الأخيرة بالعربية.

ويوضح بقوله “إن التعايش أدق وصفا في هذا النطاق، كان الناس يسكنون في أزقة طنجة وفي عماراتها المتكونة من يهود ومسيحيين ومسلمين، وكانت اللغات تتعايش كذلك وتتداخل بالأزقة كما بالقاعات السينمائية مصرية وأسبانية وإنكليزية وفرنسية”.

وقد كان المخرج ينتظر بمكتبة “الحريشي” في السوق الداخل بلهفة شديدة وصول منشورات القاهرة: “الكواكب” و”كتابي” و”الأدب”، كما كانت تقرضه المكتبة الأميركية، باللغة العربية، كتابات ثورو ومارك توين.

وتعرض المكتبة الفرنسية أفلام رونوار، كما أنه سافر للدراسة بفرنسا وفي حقيبته “عصفور من الشرق” مقتديا عن وعي تام بتوفيق الحكيم وهو يملأ حقيبته بكتب عربية عند قصده باريس.

بعد هذا، عَبَرَ في كل مراحل حياته، وباستمرار، الجسور من ضفة إلى أخرى، فأخرج أفلاما في القاهرة كما في باريس وطنجة وفاس والأندلس، وهو اليوم يتساءل من خلال فيلمه عن طه حسين، أليس طه حسين أول من حلل كون الثقافة العربية لم تترعرع وتعط أحسن ثمارها، إلاّ بالاحتكاك مع الثقافات الإنسانية الأخرى؟

ويعتبر مومن السميحي أنه لم يعد هناك فضاء ثقافي عربي كما أسسته السينما المصرية أو المثقفون الشرقيون في اللحظة المعاصرة، بل أصبح كل قطر عربي يريد أن يهيمن على سوق الكتاب والفيلم والأغنية، فقط لا غير، ليبرهن على “وطنيته”، ومنها على السلطة، فانطلاقا من تجربة “سيدة القاهرة” في 1991 ظهرت في المغرب السينما التجارية المغربية، الأمر الذي لم يكن كافيا لإقناعه بالتضحية والتنازل عن رغبته في ثقافة عربية، وهذا ما عبّر عنه في خاتمة فيلمه “طنجاوي” بأغنية “وطني حبيبي، وطني الأكبر، أكبر من الوجود كله”، بصوت عبدالحليم حافظ.

16