مومياء إبراهيم بولمينات يمكنها أن تتنفس

إبراهيم بولمينات يمتهن الرسم كحرفة الحفار الغرافيكية حيث سَطحُ العمل مجال لتجارب المادة والأداء في نفس الوقت.
الاثنين 2020/06/01
وجوه خارجة من خطيئة العصر (من أعمال الفنان إبراهيم بولمينات)

منذ أن اطلعت على رسوم الفنان المغربي إبراهيم بولمينات وشيء ما يدور في ذهني، فكل عمل فني خالص لا بد أن يحرك شيئا في الذهن، وهذا ما فعلته رسوم إبراهيم كرصد لالتقاط كادر الصور الإنسانية الشخصية (البورتريه) الملتبسة والملفتة للنظر. فهو إن لم يكن رساما لتخيلته مصورا فوتوغرافيا، لكن ليس بأداة الصورة الرقمية الحديثة، بل كما لو كان خلف الصندوق المظلم وخرطومه الحاجز وأمرّ منه للشخص الذي يصوّره بأن يأخذ وضع الانتباه والسكون وعيناه مسلطة على عدسة الكاميرا دون أن يخفق لها جفن.

ربما استغربتم من هذا الوصف أو التصور بما أن رسوم إبراهيم تخلو من الملامح وحتى إشارة الفوتو. والصور الفوتوغرافية الشخصية كما وظيفتها وُجدت لحفظ الملامح لا لطمسها. لكني أعتقد بأني وبكل إصرار أتصور “رسوم” إبراهيم تحدّق بنا وبكل شراسة، فليست العينان لوحدهما من تشير إلى التحديق، بل بما يحجبها من صنعة الفنان بنوايا تجاوز ظاهرها خفاءً ملغزا كفعل تخريبي أو تفكيكي كما يحلو للبعض أن يسميه. لكن ما دافع إبراهيم ليكرس نفسه لفعل التفكيك مسارا لمجمل تجربته؟.. سؤال يضعنا في لب إشكالية وجوده الاغترابية.

إبراهيم لا يرسم بمعنى الرسم التقليدي، بل هو يمتهن حرفة الحفار الغرافيكية حيث سَطحُ العمل مجال لتجارب المادة والأداء في نفس الوقت. سطوحه غالبا ما تبدو وكأنها كائنات غافلة وما عليه سوى تحديد علاماتها الدالة التي هي نفسها في أعمال أخرى (الرأس وبعض من الجسد) وليشتغل على الفكرة نفسها بتنويعات لا تنتهي.

هنا نتوقف كما توقف زمن الفنان عند تفصيل معين من الجسد البشري. فما مغزى أن تبقى معلقا ما بين الرأس وبعض من حامله؟ فهل تحوّل العالم المحيط إلى مجرد رأس، وهل بإمكاننا فعلا اختزاله هكذا؟ أعماله تخبرنا أن مجازفته أتت أكلها وبانت ملامحها التي لا تخطئها عين المتلقي. هو يذهب مباشرة إلى المركز حيث مركز تحكم الدماغ من تخيل وغرائز وخفايا لا تحصى، جمعها الفنان ضمن حيز حافظته لا كصور تشريحية وعلامات علمية دالة، بل كلغز أو حافظة ملغزة تخفي علاماتها ملامحها بمسحة هي جزء من تضاريس أرضية وتضاريس لونية. وقد نجح الفنان في مشروعه لا بتكرار مفرداته بل بمحاولاته الحثيثة لتنويع مصادرها الظاهراتية المتنوعة.

يستثيرنا تساؤل هل التزم الفنان بالتعبير عن الهيئة الذكورية في أعماله، والتي تبدو طاغية وكأني به يتمثل الفن النحتي اليوناني أو الروماني وولع تلك الشعوب بهيئة المجد الذكوري؟ لكن لا أجد أي تمجيد أو ملامح عنف حركية صاخبة في رسومه. بل هو العنف المعاكس، عنف الاستلاب، العنف الداخلي لا الإيجابي، إن كان ثمة عنف إيجابي. ليس سوى التصدع والانثيال والإزاحة بصورها الشتى التي تعمر سطوحها.

ويأخذنا هذا إلى تساؤل آخر هل فقد فناننا ثقته بالفعل الإنساني الإيجابي، الهادئ والمسالم، وحتى الملتهب لينجرف صوب تصدع الأفعال شخوصا إنسانية ملتبسة نوايا هيئاتها؟ ربما نجد في تاريخه الشخصي ما يشير إلى ذلك، أو حتى في تاريخه المحيطي العام، وهو فعل خارجي. أنا لا أحزر بقدر ما أحاول إماطة اللثام عن كم الاستلاب الذي بثه الفنان على سطوح أعماله وكأنه مشروع “كونسبت” لا أول له ولا آخر.

إن كانت محاولته لرسم التشخيص الأنثوي محدودة وبحدود الطمر تحجبا (الحجاب) فلا يدل هذا على أنه استبعد الخوض في غمار جماليات التشخيص الأنثوي التي شغلت الكثير من فنانينا العرب وغيرهم لكونها لا تخدم أغراضه الفنية. أو لكونه لا يميل إليها أصلا. وربما هو لم يجد ضالته في هذا المجال بسبب إحالة أفعاله غالبا لنوازع تعبيرية وعاطفية نفسية تتقاطع مع المنحى الفني الجمالي وفلسفة مشروعه الوجودية.

ربما لأسباب داخلية أخرى. لكنني أجزم بأن كل أفعاله الفنية وحتى لو لم تكن تجسيدا للجسد البشري فإنها غالبا ما تنسل منه لفضاءات أخرى كتلا صلبة أو نثارا من غازات متطايرة بقدر ما تبدو مشوشة، إلا أنها تنتمي لجذر فعله التشخيصي المفضل. هو الذي تعود على ديناميكية الحركة لا أظنه يستطيع تدجين أفعاله وشطب كل انفعالاته من أجل مساحة تكتفي بجمالية مظهرها. من راد مجال الصخب أعتقده لا يستكين ولا يهاود السكون منعطفا قابلا للإفصاح عن سكونية لا طعم لها.

هل أعمال إبراهيم مومياوات حديثة؟ وهل سعى لتحنيطها لزمن قادم؟ أم هي مومياوات لا تزال تتنفس هواء محيطها؟ وهل بإمكان المومياء أن تتنفس ونحن نعلم أن انسلاخها هو جزء من صفاتها؟ فهل يعني ذلك أن انسلاخنا هو جزء من كينونتنا التي صاغها زمننا الحديث بعوامل استلابه التي لا تعد؟ وهل بات عالمنا الحديث بشعا إلى هذا الحد ونحن لا نزال نجمّل بشاعته دون أن نبالي؟

إن كان كذلك فالفنان أعتقده وحده من يشير إلى ذلك كما الجمال الكوني الذي ينساب من بين أناملنا، كما الدمار البيئي الذي حجرنا هذه الأيام في زوايانا القصية. نحن الذين كنا نفصح عن ملامحنا بالوضوح المطلوب بتنا ننتهك هذا الوضوح نشطبه وندمره، كما شهادة الفنان إبراهيم العصرية. فهل بات مصير الفنان موقوتا بأزمنة الأخطاء الكبرى بدل الخطيئة الأولى وفعلها الرومانتيكي الذي لا يخلو من رومانسية لا تزال مخبأة في كتب الحضارة الأم الأولى؟

15