مومياء محروقة

الصمود والاستمرارية والأمد الطويل سجايا تشترك فيها أنواع السيجار الطويلة والقصيرة، النحيفة والبدينة، مع سلطة الحكام المؤبدين، والفنانين الخالدين.
الأربعاء 2018/09/12
السيجار سلطة

الوقوف في متجر للسيجار الفاخر، شبيه بدخول صالة لبيع التحف، تبدو اللفائف البنية بياقاتها الذهبية، المصففة في صناديق خشب الأرز، شبيهة بمومياءات، يقتضي الأمر معرفة بالمنحوتات والأنظمة السياسية والجغرافيات والصراع الطبقي وحروب العالم، بقدر ما يقتضي انتماء لتاريخ من الذكاء العارف، الأنواع ذاتها لا ترتضي لها أسماء ملفقة أو دون معنى، هي دوال بذاكرة مثقلة بالحكمة تخترق الهويات والأذواق والأمزجة، خليط من شخصيات يسارية وأرستوقراطية ورأسمالية ونيوليبرالية، إنما بعمق أسطوري دائما، وبإحالات على وجوه تستهوي فناني الغرافيك: “سيجار تشرشل”، “سيجار بادرون”، “سيجار لويس السادس″، “سيجار ملك الدانمارك”، “سيجار الضون أرتورو”،… لهذا لم أتخيل يوما سيجارا يخترق وجها أمرد دونما شارب خرافي يؤدي تحية الشرف.

السيجار غير تجريبي، ليس وسيلة لتعلّم التدخين، هو تتويج لمسار في شهوة الاحتراق، ولخبرة في الزهد بمذاهب الرشد الصحي، وتعبير عن كاريزما في مواجهة الإدمان المبتذل. هو الوحيد من أنواع المشروبات الدخانية الذي يقتضي بروتوكولا، ومعرفة، وتدريبا لتناوله، لا مجرد عود ثقاب… يمكن أن يقدم هدية تعادل ثمن لوحة، أو خاتما له حجر يتوهج دون اشتعال… تخيل نفسك عزيزي القارئ تشعل النار في تحفة  ثمينة، ألا يتجلى الأمر أشبه ما يكون بإحراق تعويذة شيطانية، أو بقربان مبذول بسخاء.

السيجار سلطة وإلا فهو مجرد مشهد هزلي، يجب أن تكون عمر الشريف، أو فيديل كاسترو، أو غابرييل غارسيا ماركيز لتتناسب التوليفة. الفنانون والممثلون والروائيون والموسيقيون والديمقراطيون والملوك والانقلابيون الكبار والجذريون فقط يختارون السيجار للتأقلم مع ترتيبة تضع الثروة والوجاهة والحكمة على قناة لفافة بطيئة الاشتعال، وتحتاج في كل مرة إلى ولاعة يتقدم بها أقرب مساعد أو خادم أو مريد؛ الصمود والاستمرارية والأمد الطويل سجايا تشترك فيها أنواع السيجار الطويلة والقصيرة، النحيفة والبدينة، مع سلطة الحكام المؤبدين، والفنانين الخالدين. للسيجار عرش وتاج وصولجان ومقبض مذهب وأرومة عريقة، وقدرة على قطع النفس الضعيف، تماما كعتاة الجبابرة.

وبخلاف الغليون المرائي والمخاتل، وعلب السجائر المعجونة بالعرق والتوتر وسرعة التخلص، والشيشة الغوغائية، يحتفظ السيجار برهبة متمنعة على المدعين. من تخول له نفسه أن يجرب التلاعب بتحف بمئات الدولارات؟ في ساحة باب الشمس بقلب مدريد على ناصية الشارع المفضي إلى مقر “الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة: سان فيرناندو”، يستقر متجر للسيجار، تبدو لي زيارته واجبة كزيارة “متحف البرادو” أو “متحف الملكة صوفيا”، بغير ما طموح مهلك ولا التزام، وإنما لإدراك مقامات الفتنة ومكائد أنفاسها.

15