مونا يول.. "أوسلو" ولحظة التحول

قصة أوسلو لا تنتهي بنهاية الفيلم، فهي تعيد طرح الحوار وفلسفته، ولا يغيب عن الذهن الملف السوري المعقد، خاصة وأن من عرف بمهندس أوسلو النرويجي غير بيدرسون هو المشرف على هذا الملف اليوم.
الثلاثاء 2021/09/28
القضية الفلسطينية تغيّرت منذ اتفاقية أوسلو

ربما لا يلحظ الجيل الحالي الذي يراقب تهلهل مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، وسط عودة الحديث عن تطبيع قامت به بعض الدول العربية مع إسرائيل، أن هذا المسار أساساً كان قد مرّ بمنعطف خارج السياق السياسي العلني، وكان طريق هذا المنعطف يمرّ بمدينة اسمها ”أوسلو“ في شمال العالم.

كانت المدينة أبعد ما يمكن عن إحداث أي تغيير في قضية تبعد عنها آلاف الكيلومترات نحو الشرق الأوسط، عجزت كبرى الجهود الدولية في العالم عن إحداث أي اختراق فيها. ودفع ثمن ذلك الجمود مئات الآلاف من الضحايا واللاجئين. 

السينما وحدها اليوم، تعد تذكير المعنيين من الشعوب العربية وكذلك الإسرائيليين معهم، بأن ما حصل آنذاك قبل 28 عاماً لم يكن سهلاً ولعل الحاجة إليه ما تزال قائمة حتى يومنا هذا في نزاعات عديدة.

عقل المرأة

شخصية يول تؤديها في الفيلم الممثلة روث ويلسون، التي ظلت تحرص طيلة الوقت على الالتزام بعدم التدخل بين طرفين بينهما ما بينهما من الثارات والدماء والحقوق المتنازع عليها
شخصية يول تؤديها في الفيلم الممثلة روث ويلسون، التي ظلت تحرص طيلة الوقت على الالتزام بعدم التدخل بين طرفين بينهما ما بينهما من الثارات والدماء والحقوق المتنازع عليها

فيلم ”أوسلو” الذي عرض هذا العام بتوقيع بارتليت شير ومن إنتاج المخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ، يصوّر القصة التي لا يعرفها أحد، كيف تم كسر الجليد، وكيف ولدت فكرة جمع الفلسطينيين مع الإسرائيليين، وكيف فكّر الطرفان في ذلك وكيف كان أداؤهم؟.

الصورة التي رآها العالم، هي صورة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي، اسحق رابين وهما يتصافحان في البيت الأبيض. لكن ما حدث كان أعقد من ذلك بكثير.

يتشارك تيري ردو لارسن الذي سيصبح بعد سنوات شخصة شهيرة حول العالم، ورئيسًا لمعهد السلام الدولي، مع زوجته الباحثة والدبلوماسية مونا يول، هما بطلا حكاية أوسلو. في مغامرة لم يكن أحدٌ ليتوقع نجاحها.

كانت يول تزور الضفة الغربية وغزة باستمرار، من خلال عملها في الخارجية النرويجية، وفي زياراتها تلك رأت بأم عينها أن هذا الصراع لابد لها من نهاية، هو صراع عبثي قائم على تنازع الحقوق التاريخية، حق ديني وحق تاريخي جغرافي. وهكذا صراع لن يجد له سبيلاً للحلحلة إن لم يكن هناك ما يمكن أن يسمى ”نفكير خارج الصندوق“. وهكذا فعلت يول، التي أقنعت زوجها لارسن بترتيب الأمور بعيداً عن الإعلام وإزعاجه وتشويشه.

في الفيلم ستؤدي دور يول الممثلة روث ويلسون، التي ظلت تحرص طيلة الوقت على الالتزام بعدم التدخل بين طرفين بينهما ما بينهما من الثارات والدماء والحقوق المتنازع عليها. 

لارسن كان خبيراً في معهد فافو، وهو مركز أبحاث بالنرويج. بينما كانت يول تتبع للخارجية، وكان يمكن لهذه الشراكة أن تثمر الكثير خلف الكواليس.  قام بدور لارسن الممثل أندرو سكوت. وبينما كانت زوجته تمثل انضباط العاملين في السلك الدبلوماسي كان لارسن يظهر التمرد والخروج على النص. 

مغامرة الحوار

الخيوط تتفرق بين الشخصيات السياسية المتفاوضة، لتعود وتتجمع عند يول
الخيوط تتفرق بين الشخصيات السياسية المتفاوضة، لتعود وتتجمع عند يول

يبدو الحوار في الفيلم أقرب إلى التقارير الدبلوماسية المليئة بالبلاغة المقصودة، فكل كلمة كانت تعني شيئاً أبعد مما تعنيه، وأكثر من ذلك، ورغم استناد السيناريو إلى مسرحية ”أوسلو“ لجي تي روجرز التي حصلت على جائزة توني، إلا أن الأدب كان الأقل حظاً مقابل الانتقاء الدقيق للكلمات، فكل جملة قد تفجّر التفاوضات الحساسة وينهار كل شيء. مع أن خروجات حصلت بسبب الانفعال بين الطرفين، وحتى من قبل الوسطاء أنفسهم، إلا أن الحذر كان هو السيد.

تقنع يول ولارسن أحد القيادات الفلسطينية بالقدوم إلى قصر أثري في أوسلو للقاء أكاديميين إسرائيليين، وهو ما حصل، بالفعل. وكانت تلك الشخصية القيادية أحمد قريع، الذي تمتع بقسط كبير من الحنكة والدهاء في جميع مراحل المفاوضات – الفيلم. قدّم شخصية قريع الممثل الفلسطيني سليم ضو، الذي لعب بطولة فيلم “غزة مونامور” وفاز بجائزة أفضل فيلم آسيوي في مهرجان تورينتو ورّشح للأوسكار.

ظهر ضو بشخصية مركّبة، توحي بالبساطة، إلا أنها تخفي خلفها أكاديمياً عميق الإدراك للواقع ولآفاق المستقبل، ولن ينسى مشاهدو الفيلم ذلك المشهد الذي كشف عن أن ذريعة قريع التي تتكرّر في الفيلم خلال المفاوضات أكثر من مرة، من أنه بحاجة للاتصال بتونس، حيث القيادة الفلسطينية وعرفات، لم تكن سوى رغبة منه بالاختلاء بنفسه، والتدخين والتفكير، وإعطاء الطرف الإسرائيلي صورة عن أن القرارات لا تتخذ إلا بشكل مؤسساتي وليست فردية اعتباطية. 

وكانت كل الخيوط تتفرق بين المتفاوضين والشخصيات السياسية المحيطة بالقصة عن بعد، لتعود وتتجمع عند يول. فهي البطلة الحقيقية للفيلم ولاتفاقية أوسلو كلها تبعاً.

كتبت رولا شهوان مديرة مركز السياسات ودراسات حل الصراع في الجامعة العربية الأميركية برام الله، قراءتها الخاصة بالفيلم، وقالت إن يول ”خطرت لها فكرة ترتيب لقاء بين ممثلين عن إسرائيل وفلسطينيين، من منطلق إيمانها أنه يمكن للخصوم أن يجدوا نوعاً من الأرضية المشتركة لحل نزاعاتهم، وطبعاً هذه الأرضية ستكون اقتصادية بحتة، كما أظهر لنا الفيلم في اللقاء الأول في لندن مطلع التسعينيات، والذي جمع كلاً من أبو العلاء (قريع)، الذي كان يشغل وزيراً للمالية في منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك والبروفيسور الإسرائيلي يائير هيرشفيلد، المحاضر في جامعة حيفا. ولم يكن التركيز على الجانب الاقتصادي للصراع عبثاً، بل جاء لتقزيم القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب يناضل من أجل حريته واستقلاله واستعادة أراضيه، إلى قضية إنسانية يمكن حلها من خلال دعم النمو الاقتصادي وتحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين“.

في تحليل كهذا، ما يزال التفكير في أن فتح الثغرة عبر الاقتصاد لم يكن سوى خديعة، بينما ما وجده يول، كان أن حديثاً في أي جانب مهم للطرفين، ربما يكون مشجّعاً على النقاش في بقية القضايا الإشكالية.

حدث بمسارح عديدة

الحوار في الفيلم يبدو أقرب إلى التقارير الدبلوماسية المليئة بالبلاغة المقصودة
الحوار في الفيلم يبدو أقرب إلى التقارير الدبلوماسية المليئة بالبلاغة المقصودة

يول التي ستصبح لاحقاً مساعدة لوزير الخارجية وسفيرة للنرويج في إسرائيل وسفيرة بلادها في الأمم المتحدة بنيويورك، قرّرت أن تفتتح المفاوضات بعشاء فاخر، تم منع لحم الخنزير فيه بالطبع، احتراماً للتعاليم الإسلامية واليهودية. وفي الحوارات التي دارت، لم يكن للوفد الإسرائيلي أي أفضلية على الفلسطينيين، بل عكس الفيلم الكثير من تناقضات الطرح الإسرائيلي، إلا أنه أظهر اهتمام الإسرائيليين الحذر بالتقدم ببطء في المفاوضات. بين الحاجة إلى تحقيق سبق في السلام والرغبة في تطويل المسار. 

القصة التي تدور في مكان واحد، تقريباً، تذكّر المشاهد باستمرار بأن النص كان مكتوباً كمسرحية، تدور أحداثها على خشبة واحدة، وعلى امتداد ثلاث ساعات إلا ربع الساعة، بينما الفيلم لا تتجاوز مدته الساعتين إلا ربع الساعة. وقد سبق لمخرجه وأن عرض النص كمسرحية في بلدان عديدة قبل أعوام. أما كيف فكّر شير بتحويل هذه القصة إلى عمل فني، فهذا يعود إلى صداقة جمعت ابنته بابنة لارسن ويول، ومن خلال تلك الصداقة التقى بلارسن وقص عليه التفاصيل المثيرة التي أثارت شهيته لتقديم المسرحية ومن ثم الفيلم.

المفاوضات استغرقت فترة طويلة، حتى نضجت الأفكار وتحولت إلى وثيقة تم الإعلان عنها في العام 1993 في واشنطن. بعدها أصبحت اتفاقية أوسلو نموذجاً للعمل خارج السياق، كما سلف، ولإمكانية إقناع العالم بإمكانية إحداث متغيّر ما في حالة مستعصية، وقد وقعها كل من محمود عباس الذي سيصبح رئيساً لدولة فلسطين، وشيمون بيريز الذي سيصبح رئيساً لدولة إسرائيل، بينما تم منح جائزة نوبل للسلام لعرفات ورابين وبيريز معاً. 

تغيّرت القضية الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو، وتحولت الثورة إلى٬ مؤسسات في الطريق إلى الدولة الحلم، وتلقى الإسرائيليون اعتراف حكومتهم بمن كانوا يسمونهم إرهابيين بردود فعل مختلفة، أقصاها كان إقدام أحد المتطرفين اليهود على اغتيال رابين بعد عامين فقط من إعلانها، لينتهي الفيلم بالصورة الشهيرة لتوقيع اتفاق السلام، في حديقة البيت الأبيض، ويظهر عرفات وهو ينعي رابين. 

ولا تنتهي قصة أوسلو بنهاية الفيلم، فهي تعيد طرح الحوار وفلسفته، وكذلك الحاجة الملحة إليه في ملفات عديدة في العالم، لا يغيب عن الذهن بينها الملف السوري المعقد، خاصة وأن من عرف بمهندس أوسلو النرويجي غير بيدرسون هو المشرف على هذا الملف باعتباره مبعوث الأمم المتحدة المعتمد.

Thumbnail
13