مونتي بايثون الفرقة التي سخرت المعرفة للسخرية تعود من جديد

السبت 2016/08/20
مونتي بايثون مجموعة صنعت كوميديا سوريالية لم يعرفها العالم من قبل

إسطنبول- لا تغيب أخبار فرقة مونتي بايثون قليلاً حتى تعود إلى الواجهة من جديد، فبعد العروض الاستعادية التي قدمتها الفرقة منذ سنتين، والتي أنهت عبرها غيابها الذي استمر قرابة ربع قرن عن جمهورها، هاهو اتحاد الإذاعات الأوروبية يعلن أنه سيقوم بتكريم أبرز أعضائها الممثل البريطاني والكوميدي جون كليز بمنحه جائزة الزهرة الذهبية لإنجاز العمر في الحفل السنوي الـ55 الذي سيجري في برلين يوم 13 سبتمبر القادم.

وفي الكتابة عن تجربة كوميدية ملهمة، كان لها تأثيرها وقامت على أكتاف مجموعة من الممثلين البارعين الذين كان لهم أسلوبهم الخاص في إضحاك المشاهدين، وكذلك تفكيك جميع البنى المحصنة في عقل الجمهور ووضعها على سكة السخرية القاسية، يمكن البدء بالحديث عن الكوميديا وأنواعها والضرورات التي تحكم كل نوع منها، ثم الانتقال إلى الحديث عن الموضوع الذي جعلنا نستدعي الكوميديا.

ولكن لنتخيل أن الموضوع في حد ذاته قد شخّص أمامنا، وقرأ ما نفعله هنا، ثم سخر منا ومن مقدمتنا، ثم التفت صوب الجمهور وأنهى كلامه بعبارة “والآن مع شيء مختلف تماماً”.

ربما لو حدث هذا الآن فإن شروحات طويلة عن التكنيك الخاص بفرقة مونتي بايثون، ستصبح مفهومة ومدركة للذين يريدون أن يعرفوا سر نجاح أفرادها في الوصول إلى قلوب مئات الملايين من البشر الذين تابعوا أعمالهم على مدى أكثر من عقدين من السنين، ولكن لماذا نحتاج أن نشرح طبيعة التكنيك أو الطريقة الكوميدية وهي مصممة في أصلها وفق شكل بسيط جداً يرفض أصحابه التفصيل فيه؟ لقد بات للفرقة مصطلح خاص بها في القواميس اللغوية هو البيثونسيك، ولكن ماذا كان رأي أفرادها في الأمر؟ تيري جونز عبّر عن خيبة أمله من وجود مثل هذا المصطلح، وقال “لقد كان الهدف الأول لمونتي بايثون هو خلق شيء جديد يستحيل تصنيفه، ولكن للأسف إن وجود مثل هذه الكلمة في قاموس أوكسفورد يُظهر مدى فشلنا”.

السخرية الذكية

إذن علينا أن نختار طريقة مختلفة للكتابة عن مونتي بايثون، آخذين بعين الاعتبار أننا نتحدث عن تجربة مرئية، تحفل شبكة الإنترنت بأفلامها، وبإسكتشات مسلسلها الأشهر “سيرك مونتي بايثون الطائر”، فالغاية هنا ليست الذهاب إلى تأريخ التجربة والتفصيل فيها، بل النفاذ إلى طبيعة التجربة الكوميدية والبحث في ضروراتها التي جعلتها ترسخ لا في ذاكرة المشاهدين فحسب، بل حتى في المنطق الذهني الذي يعمل وفقه سياسيو هذه الأيام. فحين يقوم هؤلاء بالسخرية من بعضهم ويذهبون إلى استدعاء شخصيات وإسكتشات مونتي بايثون، فإن هذا يؤشر على أن الفعل الكوميدي تجاوز حد الإضحاك ومضى إلى الحفر في العقل، فما الذي فعله هؤلاء حتى بات لديهم كل هذا الثقل في الذاكرة؟

مونتي بايثون فرقة بات لها مصطلح خاص بها في القواميس اللغوية هو البيثونسيك، ولكن ماذا كان رأي أفرادها في الأمر؟ تيري جونز عبر عن خيبة أمله من وجود مثل هذا المصطلح، قائلا "لقد كان الهدف الأول لمونتي بايثون هو خلق شيء جديد يستحيل تصنيفه، ولكن للأسف إن وجود مثل هذه الكلمة في قاموس أوكسفورد يظهر مدى فشلنا"

تمكن الإجابة عن السؤال عبر استدعاء مشهد واحد من أشهر مشاهدهم التلفزيونية ألا وهو “مباراة الفلاسفة”، والذي تم تصويره على هامش الألعاب الأولمبية في ميونخ في 1972 حيث يتقابل أثناء مباراة لكرة القدم فريقان من الفلاسفة في نهائي بطولة العالم في الفلسفة هما الفريق الألماني الذي قام بتدريبه مارتن لوثر ويتكوّن من قائده كانط ومن اللاعبين لايبنز وشوبنهاور وشيلينغ وبكنباور وياسبرز وشليجل وفيتجنشتاين ونيتشه وهايدغر، وأيضاً الفريق اليوناني بقيادة الفيلسوف سقراط ومعه من اللاعبين أفلاطون وأبكتيتوس وأرسطو وسوفوكليس وأمفيدوكليس وأفلوطين وأبيقور وهيراقليطس وديموقريطس وأرخميدس.

وقد جاء كونفوشيوس ليكون حكم المباراة مع مساعديه توما الإكويني والقديس أوغسطين. تبدأ المباراة بصافرة حكمها، ولكن الفلاسفة لا يحرّكون أقدامهم كما يفعل لاعبو كرة القدم، بل إنهم يمشون بهدوء مبتعدين عن الكرة التي لا يلمسها أحد، وهم يتحدثون ويتناقشون في قضاياهم، ورغم أن أحداً لم يلعب فعلياً، إلا أن الحكم ينذر نيتشه ببطاقة صفراء بعد أن اتهمه هذا الأخير بأنه غير حرّ. قبيل نهاية الوقت يبدل لوثر فيتجنشتاين بكارل ماركس الذي كان على مقاعد اللاعبين الاحتياطيين طيلة الوقت، وبعد ذلك بدقيقة يصرخ أرخميدس “وجدتها”، ويضرب الكرة بقدمه، وفي الدقيقة الأخيرة يسجّل سقراط هدف المباراة الوحيد برأسه بعد تمريرة من أرخميدس.

ولكن الفلاسفة الألمان يرفضون الهدف ويشككون به فيقول هيغل إن الحقيقة ليست سوى سلسلة من الأخلاقيات البديهية اللاطبيعية، بينما يقول كانط إن الأخلاق موجودة فقط في الخيال، أما ماركس فيؤكد أنّ هنالك تسلّلاً. وتنتهي المباراة مع صافرة النهاية من كونفوشيوس وسط احتفال الإغريق بفوزهم. هذا المشهد الساخر، هو جزء من منظومة كاملة جوهرها يقوم على تفكيك البنى الراسخة وجعلها متاحة للضحك، فكل هؤلاء الفلاسفة الذين اشتركوا في المباراة كانوا ومازالوا عتبات صلبة في الفكر الفلسفي العالمي، ولكنهم هنا وتبعاً لتنظيراتهم المعروفة والتي قاربت مفاهيم الضحك والكوميديا والسخرية في بعض جوانبها، تحوّلوا من برج الفلسفة العاجي إلى مادة أو جزء في المضحك، وهنا أيضاً علينا الانتباه إلى أن أسلوب السخرية لم يقم على مناظرة تسخر من الفلسفة، بل جاء على شكل مباراة كرة قدم يحتشد الجمهور في مدرجات ملعبها، في مقاربة تفسح الكثير من مجالات تأويل مشهديّتها.

من المسرح إلى السينما

الأفلام التي قامت الفرقة بإنجازها وضعت اسمها ضمن قائمة الأهم والأفضل بين صناع الكوميديا في العالم

انطلقت مسيرة فرقة مونتي بايثون المعروفة للجمهور من خلال برنامجها الهزلي “سيرك مونتي بايثون الطائر”، الذي بدأت إذاعته لأول مرة على قناة بي بي سي قبيل نهاية عام 1969. غير أن تاريخ أعضاء الفرقة يعود إلى مرحلة سابقة بدأت منذ منتصف ستينات القرن الماضي جرت وقائعها في جامعتي أوكسفورد وكامبريدج اللتين شهدتا لقاءات وأعمالا اشترك فيها غراهام شابمان وجون كليز وتيري غيليام وإيريك آيدل وتيري جونز ومايكل بالين.

قبول الجمهور للإسكتشات الغرائبية المضحكة التي قدمها الفريق في البرنامج الذي استمر لأربع سنوات، شكل البداية الحقيقية لمسيرته، فعبر خمس وأربعين حلقة تلفزيونية أنجز أعضاء الفريق ملامح ظاهرة البايثون التي انطلقت بشكل أكبر مما توقعه منتجوها، حيث لمس هؤلاء أن الإطار الذي قيدتهم به آلية المسلسل التلفزيوني، صار من الواجب كسره والتحول نحو أشكال أكبر في الاتساع والتأثير.

تم إيقاف البرنامج التلفزيوني في العام 1974 لتبدأ بعدها تجاربهم المتعددة في جولات من العروض المسرحية والمسرحية الموسيقية، وصناعة الأفلام السينمائية، والألبومات المتعددة، والكتب المتنوعة، كرست نجوميتهم الفردية والتي أدت في النهاية إلى توقفهم عن العمل كفريق واحد في أواخر عقد ثمانينات القرن العشرين. ومن بين تفاصيل هذه المسيرة يمكن التوقف مطولاً عند تجارب الفرقة السينمائية، إذ أن الأفلام التي قامت بإنجازها وضعت اسمها ضمن قائمة الأهم والأفضل بين صناع الكوميديا في العالم، خاصة وأن الأسلوب الكوميدي الذي اشتغلت من خلاله هذه الأفلام كان يؤثر بالجمهور من خلال مستويين، الأول وهو المبنى الغريب للمفارقة المضحكة التي يعمل الفريق من خلالها، والثاني هو جعل الكثير من المواضيع المسكوت عنها أو الممنوعة بسبب قدسيتها بالأحرى هدفاً للمعالجة. ففي فيلم “مونتي بايثون والكأس المقدسة” الذي تم عرضه في الصالات عام 1975 قام الفريق بتناول قصة الملك آرثر وفرسان الطاولة المستديرة الذين عزموا على البحث مع ملكهم عن الكأس المقدسة، والتي تعتبر واحدة من أهم الأيقونات في الميثولوجيا البريطانية بطريقة كوميدية ساخرة.

أما فيلم “حياة براين” الذي طرح في الصالات في العام 1979، فكان نقطة فاصلة ليس فقط في تاريخ الفريق بل في تاريخ تعاطي السينما عموماً مع الأفكار الراسخة والمنزهة في حياة البشر، فمن خلال إطار يقوم على المفارقات الغريبة يروي الفيلم حياة براين الذي ولد في مغارة مجاورة لتلك التي ولد فيها السيد المسيح، ولكن ما قام به صناع الفيلم من إسقاطات خلطت بين تفاصيل من حياة براين مع تفاصيل أخرى يعرفها الجمهور على أنها خاصة بعيسى بن مريم، أثار المؤسسات الكنسية ضدهم، حيث اعتبر الفيلم تجديفاً وإساءة غير مسبوقة للدين المسيحي.

التكنيك الكوميدي الذي يتبعونه في إنجاز اللحظة الكوميدية فهو يقوم علىأن يصل المشهد إلى ذروة الإضحاك ثم يقطع فجأة وبدون مقدمات لأنه ببساطة إذا ما استمر فسيتحول إلى شيء ما مملّ
وتذكر الأخبار التي تروي وقائع ما حدث في إطار القضية أن الفيلم تم منع عرضه في صالات العديد من مدن بريطانيا بتهمة الإساءة للدين، حيث اعتبر المشهد الذي يُظهِر أولئك الذين يتم إعدامهم وهم يُغنُّون أغنية “انظر دومًا للجانب المشرق من الحياة”، مشهداً مسيئاً بشكل كامل، وقد تم حظر عرض الفيلم في عدد من الولايات المتحدة الأميركية. وقد ظل ممنوعاً في أيرلندا لمدة 8 سنوات، وفي إيطاليا لمدة 11 سنة. ولكن السؤال الذي غلّف كل تجارب مونتي بايثون، ولا سيما منها تلك التي أثارت الكثيرين حول العالم ضدها، بقي يدور في فلك قدرة النوع الكوميدي على ممارسة هذا التأثير، خاصة وأن العديد ممن قاموا بدراسة الظاهرة صنفوا النوع على أنه “كوميديا سوريالية”، فهل يمكن لنوع مستجد وغريب كهذا أن يضيف إلى أنواع الكوميديا ملامح جديدة تكرّسه فعلاً؟

ذروة الإضحاك

في البحث بتاريخ الكوميديا، وبحسب أغلب من قاموا بتصنيف أنواعها، لا وجود لنوع يحمل هذا التوصيف، فالسوريالية كمذهب فني لم تنتج بحسب المدونات الفنية ملامح كوميدية خاصة بها، ولكنها قدمت مفاتيح أولية قادت الفن التمثيلي إلى عتبة “العبث” كثيمة فنية راسخة، ولكن التدقيق في منجز مونتي بايثون وقياس منجزهم الكوميدي وفق قواعد الأنواع الكوميدية السابقة يوضح كيف أنهم لم يركنوا إلى مبدأ ثابت في المجمل، لا بل إنهم استفادوا كثيراً من أنواع كوميدية ككوميديا الموقف أو الكوميديا الذهنية، وغيرها، حتى بات عملهم يجول بينها ويتنقل مستفيداً من آلية الانطلاق من الفكرة صوب الأداء، وليس تطبيق أدوات الأداء المحددة على الفكرة، فكل فكرة بذاتها تفرض منطق أداء مختلفا، وهذا ما يفسح أمام الممثلين التنوع والبحث في الآفاق عن أدوات جديدة كانت تطوّر رؤيتهم التي كانت تذهل الجمهور مع كل جديد كانوا يقدمونه.

الناقد محمود عياد وفي إطار عرضه لمصطلح “البيثونسيك” الذي اعتمد للدلالة على أسلوب مونتي بايثون كتب يقول “إن أسلوب السرد الخاص بهؤلاء والذي قدموه في الإسكتشات السينمائية يبنى على إسكتشات كوميدية منفصلة غير مرتبطة ببعضها البعض سوى في المكان والزمان، أما سير الأحداث فمنفصل تماما عن كل شيء، يبدأ الإسكتش ولا ينتهي أبدا فهم لا يؤمنون بالنهايات فكلها مملة”.

أما من ناحية التكنيك الكوميدي الذي يتبعونه في إنجاز اللحظة الكوميدية فهو يقوم على”أن يصل المشهد إلى ذروة الإضحاك ثم يقطع فجأة وبدون مقدمات لأنه ببساطة إذا ما استمر فسيتحول إلى شيء ما مملّ وغير مضحك على الإطلاق، بل إنهم يقطعونه بأنفسهم بطريقة أو بأخرى إما عن طريق فارس أو شخص ما مسلح يدخل إلى الكادر ليضرب من يتكلم حتى يتوقف عن الكلام إذا ما كان يقول كلاماً مملاً وهو ما يحدث في نهاية كل إسكتش على أيّ حال” .

انطلقت مسيرة فرقة مونتي بايثون من خلال برنامجها الهزلي "سيرك مونتي بايثون الطائر"

إن البيثونسيك وبحسب عياد هو “أسلوب سردي يعتمد بشكل أساسي على كسر الحائط الرابع -أو التحدث إلى الجمهور- ويحدث ذلك بشكل عفوي للغاية ويتكرر كثيراً وكثيراً جداً لدرجة أنك تشعر أنه جزء من الأحداث وأنت في وسط فيلم وليس حدثاً حقيقياً هم يقولون لك هذا ويعيدونه كثيراً، يقدمون عرضاً مسرحياً أكثر منه فيلماً سينمائياً ويريدونك أن تعرف ذلك وتدركه منذ البداية”.

وهنا سنلاحظ ومن زاوية قراءة سلسلة أدوات فنون الأداء التي تطورت في القرن العشرين أن أعضاء فرقة مونتي بايثون كانوا يأخذون من كل أسلوب أدائي أهمّ ما فيه، وخاصة ذلك الجزء الخاص بالعلاقة مع الجمهور والأشد قدرة على التأثير بعقله، ولهذا فإن الكوميديا التي جرى تقديمها هنا كانت وبشكل أساسي تبنى على مضامين عقلية لا تزال تسكن في الراهن، رغم أن الموضوع الذي تتم معالجته قد تم استدعاؤه من الماضي، كالعودة إلى تاريخ الدين المسيحي أو معالجة أسطورة راسخة كحكاية الكأس المقدسة.

العودة من التاريخ

عاد أعضاء فرقة مونتي بايثون الذين فقدوا سادسهم غراهام تشابمان (توفي في عام 1989) إلى العمل معاً قبل عامين من الآن، في تجربة أعلنوا أنها ستحدث لمرة واحدة، حيث قدموا عشرة عروض على خشبة المسرح في لندن، جرى بثها سينمائياً في عدد كبير من صالات السينما. وجاء في تصريح لإريك أيدال عن هذه التجربة قوله “كان من المنطقي تقديم عرض مباشر، عندما فكرنا في أنه سيكون آخر عرض مباشر لنا، أردنا أن يكون حدثاً عالمياً، ومن حسن الحظ أنه سيبث على نطاق واسع وذلك في التلفزيون الأميركي وعلى شاشات السينما وفي أستراليا أيضاً.

إنه أمر مثير حقاً وهذا يعني فعلاً أنك ستودع الجمهور على خشبة المسرح، ولن تكون له فرصة ثانية لمشاهدة العرض، البيتلز لم يحصلوا على هذه الفرصة ولو فعلوا ذلك لكان أمراً رائعاً. أنا سعيد جداً بتقديم هذا العرض الثمين والجميل”، وأضاف “لقد حضرنا عرض ‘معنى الحياة’ لكن الجمهور لم يشاهده بشكل مباشر أبداً، لذلك أخذنا هذا العمل وأضفنا إليه الكثير من الأغاني والموسيقى. ليتحول إلى نوع من الكوميديا الموسيقية الساخرة التي لم نرها على المسرح منذ خمسينات القرن العشرين، ولعل ذلك يعود لأسباب وجيهة، لكنّي أجدها من المسرحيات الجميلة، لأننا عندما نقدم إسكتش أو أغنية لبايثون يكون ذلك رائعاً حقاً”.
14