مونودراما الكابوس العراقي.. "أبناء سومر" صامدون في وجه الموت

"أبناء سومر" فتح ببراعة جرح الواقع المعيش على تاريخ العراق برمته، معتمدا على نص مسرحي متين مشحون بالدلالات العميقة، إلى جانب الطاقة الاستثنائية للأداء التمثيلي.
الخميس 2020/02/13
محاولات غير مجدية للهروب من أشباح الحاضر

أطلق العرض العراقي السويدي "سومريون" أو "أبناء سومر" الذي شهدته القاهرة ضمن فعاليات مهرجان أيام القاهرة الدولي للمونودراما، صرخة مدوّية برائحة مياه دجلة والفرات الممزوجة بالدماء، وفجائع أهل العراق الراقصين على حافة السكين.

القاهرة – تستمد عروض المونودراما وهجها وحيويتها من خلال براعة الأداء التمثيلي الفردي المتفوّق في المقام الأول. وهو نابع من قدرات ممثل واحد يؤدي العمل ويملأ فضاء العلبة المسرحية، إلى جانب عناصر المسرحة الأخرى من نص وسينوغرافيا وحركة وموسيقى وإضاءة وغيرها التي تبرز هذا الأداء الفردي وتوفّر سبل تميّزه.

وجاءت عروض الدورة الثالثة من أيام القاهرة الدولي للمونودراما التي اختتمت، الأربعاء، لفرق مصرية وعربية وأجنبية على مسارح القاهرة المختلفة حافلة بالتنوع والزخم والمزج الواعي بين الجماليات الفنية والتقنيات المتطوّرة والرسائل المضمونة بأبعادها الفردية والاجتماعية، وعمقها الإنساني العام.

سفر التكوين

إطلالة على وجه الواقع العراقي
إطلالة على وجه الواقع العراقي

على الرغم من قسوة الواقع، فإن هناك ما يستحق التضحية والتحمّل والمقاومة في أرض لا تقبل ديمومة الجفاء والجفاف، فالصبر على البقاء هو الاختيار الذي لا حياد عنه حتى قيامة العراق.

هذا ما طرحه عرض المونودراما “سومريون” (أبناء سومر) عبر ثلاثين دقيقة على مسرح البالون بالقاهرة، من تأليف قاسم حميد وسلمان داود محمد، وسينوغرافيا وإخراج وتمثيل علي ريسان، الذي اشترك كذلك في صياغة النص، وموسيقى خالد ربيعي، وإضاءة أكرم مصطفى.

وجاء النص المسرحي رصينا، وهو مكتوب بلغة عربية سلسة فيها من الشعر مجازاته وخيالاته وبعض إيقاعاته ومن لغة الحياة كذلك اقتصادها ومباشرتها في مواضع لا يفيد فيها غير اليقين والاعتراف بالمآسي والحقائق المفزعة، وساعد هذا النص المركّب على استيعاب حمولة متعددة المستويات والدلالات، ففتح ببراعة جرح الواقع المعيش على تاريخ العراق برمته، القريب والبعيد، باعتباره جرحا كبيرا متصلا.

وقادت طبيعة النص الأداء التمثيلي وسائر مفردات العملية المسرحية إلى صيغة بدت ملحمية، فالعمل ينطلق من مكان وزمان محددين هما واقع العراق الحالي في ظل ويلات الحروب والانقسامات المذهبية والسياسية، لكنه متشعب التفاصيل والإسقاطات إلى أبعد الحدود، وهو ما تجلى للوهلة الأولى بمجرد مطالعة عنوان العرض، المحيل إلى الجذور السومرية البابلية، وحضارة ما بين النهرين.

أراد صنّاع العرض تقديم عمل دسم، مرويّ بكل عصارات دجلة والفرات من مياه ودماء وأحبار وصفحات لا تبلى من سفر التكوين، ومحطات لا نهائية لرحلة الدم والتراب والمشي الإنساني الخطر بأقدام من غمام لا تتحمل أشواك المعترك، فيما الأحمر القاني يتصبّب من كل حدب وصوب، ويسكن كل شيء، حتى حبات المطر وذاكرة النخيل والشجر.

براعة الأداء التعبيري الجسدي والحركي
براعة الأداء التعبيري الجسدي والحركي

اعتمد العرض على الطاقة الاستثنائية للأداء التمثيلي، الذي جاء مركّبا أيضا، فلم يعتمد على النص الثري وحده. وإنما اتكأ على الأداء الحركي والتعبير الجسدي بالملامح والإشارات والصيحات والغناء الفلكلوري الشعبي إلى جانب تصوير مشاهد الفزع والرعب ومواجهة الأعداء الحقيقيين والمحتملين والأشباح السوداء والخفافيش التي ملأت سائر الدروب والآفاق والمنافذ.

صوّر العرض الحرب باعتبارها أم الهزائم والمآسي، وجاء تجسيدها على المسرح كحالة طقسية متكاملة، فأصوات طلقات الرصاص لا تتوقف، والأدخنة تنبعث بكثافة إلى درجة أن المتفرّجين يتلمّسونها ويشمّونها في القاعة الصغيرة، والطبول والأجراس تجلجل، وجميع محاولات الاحتماء والهرب لتفادي المصير المظلم باءت بالفشل، فالمواجهة محتومة.

وتعمّق العرض، أيضا، في تحليل كيمياء هذه الحروب التي وصلت بالعراق إلى هذا الحدّ من التشرذم والتفتت، محيلا إلى أن الخراب المقيم ليس وليد صدفة، وإنما هو مصنوع صناعة متعمدة بفعل الخيانات، وبأيدي هؤلاء الذين يرتدون أقنعة ويحملون أسماء مستعارة، مدّعين شعارات برّاقة، ويوتوبيا خيالية يجنون من ورائها حصاد شرورهم كمكاسب مادية وعينية تخصهم وحدهم، فيما يدفع الشعب الثمن دائما.

لم يتوقف عرض “أبناء سومر” عند الطرح السوداوي أو الرؤية العدمية، وإنما اتخذ الصفحة الأخيرة المحترقة في سجل العراق نافذة للإطلال على بقية السجل الحافل بالخميرة الإنسانية النشطة الخلاّقة، التي رسمت حضارة العراق، بما يعني قدرة أبناء “أوروك” (مدينة الحضارة السومرية القديمة على ضفاف الفرات ومهد ملحمة جلجامش) على تجاوز أحزانهم، والسعي إلى اقتناص غد أفضل، بالصمود والإصرار على الحق في الحياة والسلام والمعرفة والخيال.

اقتناص الغد

أبناء سومر صامدون حتى قيامة العراق
أبناء سومر صامدون حتى قيامة العراق

وسّع العرض دائرة أفكاره ومجالات رموزه وانشغالاته خارج الشأن العراقي، فشملت كذلك ما هو إنساني مشترك، حيث تطرّق إلى تعرية أساليب الزيف والتدليس والدعاية الكاذبة، الدينية والسياسية وغيرها، بهدف سحق إنسانية الإنسان وتغييب القيم النبيلة والمشاعر الفطرية البريئة، وإحلال الكوابيس محل الأحلام، وتحويل الحكايات والأساطير إلى سطور جافة مقتضبة تتحدّث عن حقيقة واحدة في الحياة، هي رحيل الشهداء.

كما نسج “أبناء سومر” من خلال قماشة متماسكة مادة مكثفة، بصرية سمعية حركية، للألم والحزن، بعد تحويلها إلى فن مستساغ يستنهض الهمم من أجل مواجهة الدمار في “مختبر الوجع”، بحد تسمية العرض للحيّز العراقي الضيق المتاح، الذي بدا كأنه سجن يضمّ من تبقوا على قيد الحياة. بينما راح الشعراء “يلحسون حليب القنابل” خارج الواقع الممكن، ويكتفون بالتحسّر على الماضي “في وقت ما، كان عندنا قمر لا يعرف الأفول”.

انسجمت مقومات العرض مع بعضها البعض، متفاعلة مع النص والأداء التمثيلي، فجاءت المنظومة في إطار هذه “الفخامة” المقصودة، التي لم تخل من مبالغات للإصرار على توصيل الرسالة “الصرخة”.

واتسقت صيحات بطل العرض مع الموسيقى الصاخبة المشحونة بأصوات الرصاص وطبول الحروب وصهيل الخيول، وألسنة اللهب، ودوامات الدخان، والشموع الصغيرة المزروعة في الأرض، وكشافات الإضاءة التي بلورت نقاط الصراع. وعمدت إلى تعرية ملامح الوجه لكشف المشاعر والتناقضات الإنسانية المتلاحقة في رحلة الفزع والصمود إلى آخر قطرة دم متاحة.

لقد وصف بطل العرض، ذو الـ43 شظية التي تعني سنوات عمره، بلاده بأنها تلك التي تأكل أبناءها. لكنه أبدا لم يتخل عنها وهو يتقلب في السكون المروّع، فهو بوصفه أول الحكايا وآخر القصائد، مسؤول مع رفقائه عن أن تعود بلاده لتكون مظلة الدفء والأمان والطمأنينة، وواحة الوعي والحضارة والحرية والإيمان “سنعبر من ثقب، سنتجاوز الخيانات، ونلفظهم، ونعيد الأشياء لطبيعتها”.

مهرجان

 

16