مونودراما "ركب" الفلسطينية.. صرخة على قدر الألم

الاثنين 2013/09/30
طاهر نجيب في مشهد من مونودراما "ركب"

رام الله – مرّ على كتابة نص مسرحية «رُكب» ما يقارب الثماني سنوات، حين شارك كاتبها الفنان والمؤلف المسرحي الفلسطيني طاهر نجيب في ورشة للكتابة المسرحية في مسرح «رويال كورت» في لندن بإدارة الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر في عام 2005. والمسرحية تحكي قصة ممثل فلسطيني من الأراضي المحتلة عام 1948، يحمل جواز سفر إسرائيلي، حين كان عائداً من باريس إلى فلسطين في العاشر من سبتمبر (أيلول)، أي قبل يوم واحد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

منذ عام 2006، قُدمت المونودراما على خشبات المسارح في فلسطين والعالم من خلال الفنان الفلسطيني خليفة ناطور، إلاّ أنها عادت بداية يوليو الماضي إلى خشبة المسرح بإنتاج جديد، يقدمها كاتبها الذي يقوم بدور الممثل والمخرج في آن.

لم تكن استعادتها إلى المسرح بروح جديدة هو الأمر الوحيد لنص ومسرحية «رُكب»، بل قد صدرت أخيراً عن هيئة كتاب من قبل «دار راية للنشر والترجمة» في حيفا، من أجل تقديمها إلى القارئ الفلسطيني والعربي بشكلها الأول بلا أي مؤثرات مسرحية وإخراجية، بل بمثابة إعطاء القارئ كل الحرية والخيال للعيش في تفاصيل مسرحية لا زالت حيّة في سياقها الفلسطيني ولربما في سياقها العربي اليوم في ظل ما تمر به المنطقة. إصدار نصّ مسرحية «رُكب» على هيئة كتاب مستقل، هو بمثابة افتتاحية «سلسلة المسرح» الجديدة عن «دار راية للنشر والترجمة».


أحلام وأوهام


في تماس مباشر مع تجربته الحياتية وتأسيسًا على وقائع حقيقية يكتب طاهر نجيب نقدا لاذعًا لأوهام الفلسطينيين وأحلامهم في الفترة التي أعقبت اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، وهي الأحلام والأوهام التي داستها جنازير دبابات الاحتلال أثناء إعادة احتلالها للمناطق الفلسطينية خلال أحداث الانتفاضة الثانية فيما يعرف بـ"السور الواقي".

تتكون المسرحية من قصص ومشاهد تحاور الهُوية بكافة تركيباتها وتنتقدها كذلك بسخرية وسخرية سوداء ولربما بعنف أحياناً، أضف إلى سردها حالة الغربة التي يعيشها الفلسطيني أينما كان في العالم أو حتى في وطنه، مما يشبه إلى حدّ ما أيضاً ما يعيشه العربي اليوم، لا الفلسطيني فقط. «ركب» حكاية ممثل يعمل في أحد مسارح رام الله، ويؤدي شخصية «الزير سالم»، يقتل ويبطش ويرمل ويقمع، يجد نفسه غير قادر على مغادرة بيته إلى المسرح قبيل عرض المسرحية، بسبب المجنزرات الإسرائيلية التي تجتاح شوارع رام الله وتطلق النار على كل شيء يتحرك.


أسئلة وجودية


خلال هذا الاعتقال الإرادي يطرح البطل على نفسه وعلى جمهوره أسئلة وجودية قلما وجدت لها مساحة في الأعمال الفلسطينية الجديدة، أسئلة تطال حالة العجز العام، التي يكتفي فيها أهالي المدينة المحاصرة بالإصطفاف على طول شارع «ركب» في وسط رام الله، والبصاق بصورة متواصلة. تطال الفن، أيضا، وضرورته وجدواه، في مثل هذه الظروف، حيث تجري المسرحية الحقيقية في الشوارع التي تجتاحها الدبابات والمدرعات، وليس على الخشبة في الصالة المعتمة. أجواء العجز هذه واللاجدوى، التي يستشعرها الكاتب- الممثل فيه وفي المحيطين به تدفع بالتناقض إلى أقصاه: إذ كيف يمكن لمن يجلس في بيته خائفا مرعوبًا من القصف والدمار أن يكون هناك في المسرح بعد ساعتين متقمصا شخصية «الزير سالم»، البطل الهمام، يقاتل ويثأر وينتصر؟

غير أن الممثل ينجح في مغادرة رام الله قبيل اجتياحها بالكامل، مدفوعًا برغبة تجتاحه أن لا بد من المغادرة بكل ثمن، لأن لديه دعوة إلى باريس، بعد أيام لتقديم عرض مسرحي. الصدفة وحدها تجعل العاشر من سبتمبر 2011، أي قبل يوم واحد من (غزوة نيويورك) موعد إقلاع طائرته من باريس إلى تل أبيب. ففي الحوار السوريالي والغريب بين ضابط الأمن في مطار شارل ديغول والممثل المغادر يطرح طاهر قضية الهوية المركبة للبقية الباقية من الفلسطينيين في وطنهم، والذين هم، أيضا، مواطنون إسرائيليون في آن معًا. إذ سرعان ما يجد نفسه في موقف شديد الغرابة: عليه أن يثبت للشرطية أنه إسرائيلي وفلسطيني في ذات الوقت لتسمح له بصعود الطائرة، وهو ما يتم بعد سلسلة من التأجيلات والانتظارات، قدر الفلسطيني العادي.

وحين يصل إلى تل أبيب يكون الأمن -كالعادة- في انتظاره على درج الطائرة.

هكذا تكتمل دائرة الاغتراب والاستلاب ليكتشف أنه ليس مواطنا في وطنه، وليس غريبا في باريس أيضا. وأثناء جلوسه في غرفة مع بضعة من رجال شرطة إسرائيليين من أمن المطار بانتظار انتهاء إجراءات تفتيش حقائبه يحدث الزلزال: يشاهد على الشاشة الكبيرة للتلفاز المعلق في الغرفة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لحظة وقوعها.

كتب طاهر نجيب «ركب» عام 2006، وأنتجت مسرحيا في السنة ذاتها باللغة العربية بأداء الفنان خليفة ناطور، كما أسلفنا، حيث حازت على الجائزة الأولى لمهرجان مسرحيات الممثل الواحد (تياترونو) في تل أبيب، وسرعان ما لاقت حفاوة لافتة، إذ جرى خلال عدة سنوات إنتاجها بخمس لغات، هي الفرنسية (في فرنسا وبلجيكا) والألمانية (2012- مسرح مدينة آوغسبورغ) وبالعبرية، قبل أن يعيد كاتبها إنتاجها وتأديتها هذا العام تحت رعاية «مسرح أم الفحم الجماهيري» في فلسطين.

16