مونودراما فلسطينية في شكل كوميديا سوداء

قد يعرف بعض النقاد المونودراما على أنها العمل المسرحي المتكون من ممثل واحد، ويرون أنها تلك الحكاية أو الخطبة الطويلة التي يتقمص فيها الممثل شخصيات عديدة، لكن يبقى المثير في هذا الضرب من المسرح صعب التحقق خاصة في ظل النزعة الفردية التي يخلقها على الخشبة، وما يتطلبه من جهد من الممثل لتقمص شخصيات بأدوار مختلفة. وهذا ما قدمته الفلسطينية رائدة طه في عملها المسرحي الأخير “36 شارع عباس-حيفا” الذي يعرض هذه الأيام ببيروت.
الأربعاء 2017/10/04
المسرح قضية وليس مجرد مرآة

بيروت- تشيد الكاتبة والممثلة الفلسطينية رائدة طه بمفردها على خشبة المسرح بيتا فلسطينيا بعمرانه وأثاثه، يطوّقه صوت بحر حيفا من ورائه، تستعيد سكان هذا البيت قبل ما يعرف بالنكبة، لتحكي من خلاله قصة عائلتين فلسطينيتين تشكلان رمزا للقضية الفلسطينية وشتات ناسها.

تدور أحداث المونودراما (أي مسرحية الممثل الواحد) في حيفا زمن هجرة الفلسطينيين من أرضهم عام 1948، وتحديدا في شارع يحمل اسم العمل المسرحي “36 شارع عباس-حيفا” وهو عنوان منزل العائلتين.

وقد انطلق عرض المسرحية على مسرح المدينة في بيروت في 28 سبتمبر ويستمر حتى 15 أكتوبر وتؤدي فيه رائدة طه أدوارا لشخصيات عدة على الخشبة، متنقلة بين زمن النكبة إلى زمن النكسة ثم الزمن الحالي أي فلسطين الحالية وواقعها.

وقد كتبت طه هذا النص عن تجربة شخصية، فيما تولى الإخراج اللبناني جنيد سري الدين محولا بنيته إلى مونودراما حكواتية تحتوي على قصص تأخذ شكل الكوميديا السوداء.

جدلية الشتات

تبدأ المسرحية التي تستمر على مدى ساعة ونصف الساعة بالنشيد الإسرائيلي وتنتهي بالنشيد الفلسطيني في دلالة على استمرارية فلسطين. وعلى خشبة المسرح تدخل رائدة طه إلى منزل يقع في شارع عباس في حيفا وتنقب بين محتوياته لتروي قصة عائلة أحمد أبوغيدا لدى مغادرتها حيفا عام 1948.

في تلك الحقبة تقول طه في المسرحية إن الناس شاهدوا “سفنا حاملة فلسطينيين رايحين وسفنا حاملة يهودا جايين”. تتشتت العائلة الفلسطينية على دول عدة، ويحتل منزلها رجل نمساوي يدعي إبراهام، ومنه يشتري المحامي الفلسطيني علي الرافع شقة يسكن فيها إلى الآن مع زوجته.

من هنا تبدأ فصول المسرحية وتحتدم بعد تصميم عائلة الرافع على إعادة المالكين الأوائل إلى منزلهم. لم تشعر سارة زوجة الرافع يوما بالانتماء إلى تلك الدار، وكانت تعمد دائما إلى تربية أولادها على أن هذا البيت ليس لهم.

ومن خلال هذه الحكاية تعالج المسرحية جدلية الشتات الفلسطيني من منظار عائلة الرافع التي بقيت في حيفا وحملت الجنسية الإسرائيلية، وعائلة أبوغيدا التي طردت من مدينتها وأصبحت من عداد اللاجئين مشتتة بين مدن مختلفة.

ويشكل شارع 36 عباس-حيفا للعائلتين الوطن الضائع، ضياع ظاهر في قصص وحكايا الشخصيات على الخشبة، شخصيات مختلفة ترتديها طه بإتقان، لتحاكي زمنا مؤلما يطل من بين سنواته والدها الحقيقي علي طه الذي انطلق من مطار اللد لخطف طائرة إسرائيلية عام 1972.

قصة حقيقية

ترى رائدة طه أن المسرح هو انعكاس للواقع لكن مع طرح فني للكثير من الأسئلة، إذ أن مهمة المسرحي أن يطرح العديد من القضايا التي قد تعتبر من “التابو” والخطوط الحمراء، فالأسئلة هي ما يجعل الجمهور يحس أنه ليس قطيعا أو مجرد مرآة تنعكس فيها صورة كما هي.

وحول مسرحية “36 شارع عباس-حيفا” تقول طه “لقد كنت شاهدة على تطور هذه القصة وزرت حيفا وأجريت الكثير من المقابلات مع أصحاب الشأن حتى صار النص جاهزا”.

وأضافت “في هذه المسرحية أحكي عن أراضي 48 التي تمثل مناطقنا في الداخل. أحكي عن فلسطينيتنا، عن هؤلاء الناس الذين أحس دائما أنهم معزولون عن الشاشة. هؤلاء الناس المتهمون فقط لأنهم فرض عليهم أن يحملوا جواز سفر إسرائيليا”.

ومضت تقول “لا أحد يفكر أن هؤلاء هم الذين صمدوا وبقوا، ولم يتركوا بيوتهم، وحافظوا على أرضهم. طبعا الذين خرجوا 750 ألف فلسطيني طردوا وهجروا من حيفا، خرجوا غصبا عنهم وليس برضاهم”. وتابعت “هذه القصة حقيقية، تفاصيلها تقريبا كلها حقيقية، وأنا أعرف فؤاد أبوغيدا، تعرفت عليه عندما جاء إلى حيفا”.

ونلفت إلى أن رائدة طه ولدت في القدس وغادرتها إلى عمان في حرب 1967 ثم إلى بيروت فالولايات المتحدة الأميركية، حيث نالت شهادة الماجستير في الإعلام، قبل أن تعود إلى رام الله، وتشغل منصبا إداريا في إحدى المؤسسات الثقافية.

وقال المخرج اللبناني جنيد سري الدين حول العمل المسرحي “رائدة طه لديها القدرة على أن تأتي بفلسطين إلينا. نرى البيت والمدينة وفلسطين والماضي من خلال الشخصيات التي تقلدها على المسرح. فالقصة قصتها وهي لديها طاقة كبيرة على الحكي”.

وقالت زينة عواد بعد مشاهدتها المسرحية “المسرحية قوية وتعتبر عملا تاريخيا. أما الممثلة الواحدة رائدة طه فقد نجحت في التعبير عن كل المشاعر التي يمكن أن تخالج أفراد الشعب الذي عاش هذه المأساة. نشعر أننا نعيش معها نفس القصة وهي تعيش أكثر من شخصية في ذات المسرحية”.

أما عماد عبود اللبناني المقيم في أستراليا، والذي يقضي عطلة في بيروت، فقال “على مدى ساعة ونصف الساعة استطاعت رائدة أن تتحكم بالمسرح، واستطاعت أن توصل لنا قصتها. كل موضوع وكل فكرة وكل شخصية استطاعت أن تبلغها بطريقة متقنة فنيا، وفي نفس الوقت جعلتنا في قمة الشعور والعاطفة بالقضية الفلسطينية”.

14