مونيكا ويت.. أميركية جندها الحرس الثوري خلال مؤتمر في طهران

ضابطة القوات الجوية الأميركية أقنعت الإيرانيين بعد أن هددت بأخذ أسرارها إلى روسيا.
الأحد 2019/02/17
من مونيكا إلى فاطمة

واشنطن - كان الأسبوع الماضي حافلا بالأحداث من تطورات الحرب ضد داعش في سوريا والعراق إلى مؤتمر وارسو ثم مؤتمر ميونيخ، والتصريحات الأميركية المتصاعدة ضد إيران، الأمر الذي غطى على خبر آخر لا ينفصل في تفاصيله عمّا سبق، وهو خبر اتهام ضابطة سابقة في القوات الجوية الأميركية بالتجسّس لصالح إيران.

وكشف عدد من كبار المسؤولين الأميركيين في مؤتمر صحافي عقد في واشنطن، الأربعاء، أن الضابطة السابقة في القوات الجوية الأميركية مونيكا ويت (39 عاما) متهمة “بكشف برنامج استخباراتي سرّي لصالح النظام الإيراني، وكشف هوية عميل استخباراتي أميركي ما عرّض حياته للخطر”.

ووجهت إلى العميلة الأميركية السابقة إلى جانب أربعة قراصنة إلكترونيين إيرانيين، اتهامات بالعمل لحساب قوات الحرس الثوري الإيراني. واستخدم الأربعة أساليب هجمات إلكترونية لاستهداف ثمانية من عملاء الحكومة الأميركية “جميعهم عملوا في وقت واحد أو تفاعلوا” مع المشتبه به الرئيسي.

وقال جون ديمرز، مساعد وزير العدل لشؤون الأمن القومي، “إنه يوم حزين لأميركا عندما يخونها أحد مواطنيها”. وتابع ديمرز قائلا “إن التجسّس من قبل أفراد سابقين أو حاليين من مجتمع الاستخبارات، يشكل تهديدا كبيرا لبلدنا وخطرا متزايدا على زملائهم السابقين”.

وصدرت مذكرة اعتقال دولية بحق الأميركية التي تُعتبر فارة، والتي تثير قضيتها الكثير من الأسئلة حول الأسباب التي تدفع شخصا مثل ويت إلى الخروج عن القوات الجوية الأميركية وعالم المدافعين عن واشنطن، لتعمل جاسوسة لإيران، ألد أعداء بلدها، وفي فترة تعد من أكثر الفترات حساسية بين إيران وواشنطن، كما على الصعيد العالمي ككل.

من تكساس إلى طهران

جون ديمرز: مونيكا ويت متهمة بالانشقاق والتوجه إلى إيران عام 2013 لأسباب أيديولوجية. خدمت ويت في صفوف القوات الجوية في العراق واعتنقت الإسلام بعد حضور مؤتمر في إيران حول عدم أخلاقية الثقافة الأميركية
جون ديمرز: مونيكا ويت متهمة بالانشقاق والتوجه إلى إيران عام 2013 لأسباب أيديولوجية. خدمت ويت في صفوف القوات الجوية في العراق واعتنقت الإسلام بعد حضور مؤتمر في إيران حول عدم أخلاقية الثقافة الأميركية

في مسعى لتقديم إجابة على هذا التساؤل، قال جون ديمرز إن مونيكا ويت متهمة بالانشقاق والتوجه إلى إيران عام 2013 لأسباب “أيديولوجية”، موضحا أنها خدمت في صفوف القوات الجوية في العراق واعتنقت الإسلام بعد حضور مؤتمر في إيران حول عدم أخلاقية الثقافة الأميركية.

وكشف بورغر، مراسل صحيفة الغارديان في واشنطن، أن ويت أظهرت رغبة في هَجر وطنها وماضيها، حتى أن المجنّدين الإيرانيين رفضوها في بادئ الأمر، إلى أن هددت بأخذ أسرارها إلى روسيا بدلا منهم، وتسليمها إلى ويكيليكس.

واعتنقت ويت الإسلام في مراسم بثها التلفزيون الإيراني في 2012، خلال رحلتها الأولى إلى طهران. جاء ذلك في نفس الوقت الذي اعتنق فيه شون ستون، ابن المخرج الأميركي أوليفر ستون، الإسلام أيضا. وحضرت ويت وستون نفس المؤتمر في طهران، والذي كان بعنوان “الهوليوودية”.

وتناول المؤتمر موضوع ثقافة السينما الأميركية، والتقت فيه مجموعة من مناهضي الغرب وأصحاب نظريات المؤامرة.

وبعد سنوات، أخبرت مونيكا ويت شبكة أنباء بنغالية بأنها “حصلت على فرصة للتفكير أكثر في نفسها وفي مستقبلها”، بعد حضور المؤتمر. وقالت “لقد جذبتني هذه الأسئلة إلى الإسلام: ما هو الهدف الرئيسي للحياة ولماذا يجب أن نعيش بأفضل طريقة”.

وفقا لبيان الخزانة الأميركية، كان منظمو المؤتمر مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني. وهدفت هذه الأحداث إلى توفير أرض خصبة لتجنيد الجواسيس.

ويمكن أن يكون هناك عدد قليل من المجندين الحاملين لنفس استعداد ويت، كما يصورها المدعون العامون الأميركيون. وبالإضافة إلى التحول في العقيدة الشيعية، ظهرت أصيلة ولاية تكساس، التي تبلغ من العمر 33 عاما، في مقاطع الفيديو تبرّأت فيها من حكومتها.

ورغم أنها كانت منتمية إلى القوات الجوية الأميركية، الشيء الذي مكّنها من التمتع بأعلى تصريح أمني محتمل، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي بدا غير قلق في نظرته للتحول المفاجئ في حياتها.

 وبعد ثلاثة أشهر من رحلتها إلى طهران، حذرها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي من أنها قد تصبح هدفا للتجنيد في إيران، فأكدت أنها لن تمنح أي معلومات من خبرتها في القوات الجوية إذا ما عادت إلى الجمهورية الإسلامية.

ولكن بعد أسابيع، وتحديدا في يونيو 2012، زارها طرف التقت به في طهران، في الولايات المتحدة. وتم تحديده في لائحة اتهام دائرة العدالة بصفة “الفرد أ”، وهو مواطن أميركي-إيراني “عمل مقيّما بالنيابة عن أجهزة الاستخبارات الإيرانية”.

واستأجر “الفرد أ” ويت، التي كانت تعيش في ضواحي واشنطن، كمساعدة في صنع “فيلم دعاية مناهض لأميركا”. وبحلول فبراير، عادت الأميركية إلى طهران أين عرض عليها أن تنشق.

لم يكشف نص الاتهام هوية الشخص الذي تتواصل معه ويت، لكن تتوقع الصحافة الأميركية أن هذا الشخص المجهول هو مرضية هاشمي، الصحافية الأميركية والحاصلة على الجنسية الإيرانية والتي تعيش في طهران منذ حوالي 25 سنة.

وخلال زيارتها إلى الولايات المتحدة تحت اسمها الأصلي “ميلاني فرانكلين”، تم إيقاف مرضية هاشمي يوم 23 يناير سنة 2019 في مدينة سانت لويس، قبل أن يتم التحفظ عليها لمدة عشرة أيام في واشنطن بهدف الاستماع لها كشاهدة في قضية جنائية أمام قاض من العاصمة الأميركية.

ويتبين أن هيئة محلفين كبرى في العاصمة الفدرالية وجهت إلى مونيكا ويت الاتهام في الثامن من فبراير. وهاشمي، المولودة في الولايات المتحدة واسمها الأصلي ميلاني فرانكلين، قبل أن تعتنق الإسلام وتتزوج إيرانيا، تعيش في إيران حيث تُعرف منذ 25 عاما بأنها الوجه التلفزيوني الأشهر في قناة "برس تي في" الإيرانية الناطقة بالإنكليزية. ولدى عودتها إلى طهران، نددت هاشمي بظروف احتجازها، من دون الكشف عن تفاصيل القضية التي كانت سبب توقيفها.

محللة اللغة المشفرة

ولدت مونيكا الفرايد ويت في إل باسو، في تكساس. وانتقلت عائلتها إلى فلوريدا عندما كانت صغيرة في السن. وفي سن الثامنة عشرة، انضمت ويت إلى القوات الجوية وأصبحت “محللة للغة المشفرة”. وعملت مع وحدة من طائرات المراقبة الإلكترونية في نبراسكا، وترجمت الاتصالات الاستخباراتية التي تم اعتراضها. وتعلمت اللغة الفارسية في معهد للغات في كاليفورنيا.

وبحسب سيرتها الذاتية، فقد انتقلت إلى مكتب التحقيقات الخاص في 2003 وشاركت في التحقيقات المضادة، والتحقيقات الجنائية، في قاعدة اندروز في واشنطن، وهي القاعدة التي تخرج منها طائرات “سلاح الجو واحد”، أي الطائرة الرئاسية وطائرات عدد من المسؤولين الكبار في الإدارة.

وفي النهاية، تم توجيه ويت إلى “الحرب على الإرهاب”، في قاعدة ثمريت الجوية في عمان وأربيل في العراق، وفقا لموقع لقدامى المحاربين في العراق. ويبدو أن تلك التجربة هي التي كانت وراء خيبة أملها.

وكتبت ويت في سيرة ذاتية قصيرة غير مؤرخة على موقع قدامى محاربين في العراق ضد الحرب “لقد خدمت في القوات الجوية لمدة 10 سنوات وشاركت في حربي أفغانستان والعراق”.

وأضافت “بعد مشاهدة الكثير من الفساد والأضرار التي كنا نتسبب فيها بكل من العراق وأفغانستان، ومفهوم الولايات المتحدة، قررت أنني بحاجة للقيام بأي شيء ممكن للمساعدة في تصحيح الوضع”.

ومع ذلك، بعد مغادرتها القوة الجوية، بقيت ويت في مجال الدفاع. وعملت لمدة خمسة أشهر كمحللة استخباراتية لبوز ألن هاملتون، وهي شركة رائدة في مجال توفير خدمات الاستشارات الإدارية والتقنية، ثم أكثر من عامين في شركة أخرى في فيرجينيا.

وقالت في سيرتها الذاتية إنها “أشرفت على التنفيذ، وضبطت، ونسّقت عمليات مكافحة التجسس الحساسة ضد أجهزة الاستخبارات الأجنبية في جميع أنحاء العالم”.

وفي سنة 2010، تركت العمل للعودة إلى الدراسة، وحصلت على الماجستير في دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن في 2012. وعملت كمتدربة لبرنامج فولبرايت في العراق، حيث ساعدت الطلاب العراقيين في الحصول على منح دراسية في الجامعات الأميركية.

العميلة الأميركية السابقة وجهت إليها، إلى جانب أربعة قراصنة إلكترونيين إيرانيين، اتهامات بالعمل لحساب قوات الحرس الثوري الإيراني. واستخدم الأربعة أساليب هجمات إلكترونية لاستهداف ثمانية من عملاء الحكومة الأميركية

وقالت لمحاورها البنغالي إنها بدأت في التساؤل حول المسيحية والمادية الغربية خلال فترة دراستها في الجامعة، وأصبحت نشطة في حركة احتجاج “احتلوا وول ستريت”.

وخلال دراستها في الجامعة، كتبت مقالين لمجلة الشؤون الدولية. كان أحدهما يتعلق بالعلاقة بين طاجيكستان وإيران، ولماذا يعتبر إقناع طاجيكستان بالمشاركة في العقوبات الغربية على طهران صعبا.

وشاركت في تأليف المقال الثاني الذي يتحدث عن صعوبات إصلاح الدعم. ولم تقدم أي مقالة أي إشارة إلى الحماسة التي كانت ستبرزها بعد بضعة أشهر، عندما كانت تقدم، وفقا للائحة الاتهام، تفاصيل شخصية لزملائها السابقين في المخابرات.

وفي سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني لـ”الفرد أ” في صيف سنة 2013، بدا أنها كانت تسافر بين أفغانستان وطاجيكستان طالبة الانتداب.

وكتبت ويت “قلت لهم إنني لا أتمتع سوى بالقليل من الخيارات وسأذهب إلى مناطق أخرى لطلب المساعدة”. وبعد تدخل من طهران، قدمت لها السفارة في العاصمة الطاجاكية المال للسفر إلى دبي في نهاية يوليو، بانتظار الحصول على تأشيرة إيرانية من هناك.

واستغرق الأمر شهرا آخر لتبادل الوثائق، والنظر في تاريخ عملها وروايتها قبل أن يتم إعطاؤها الضوء الأخضر من قبل الإيرانيين.

خلال صعودها الطائرة نحو طهران، بدت ويت سعيدة. وكتبت في آخر بريد إلكتروني لها قبل أن تختفي في إيران أنها عائدة إلى منزلها. وأنهت رسالتها مع رمز تعبيري مبتسم.

من ضابطة في القوات الجوية الأميركية إلى جاسوسة لصالح إيران

بحسب القرار الاتهامي، عملت مونيكا ويت بين العامين 1997 و2008 في سلاح الجو حيث تعلّمت اللغة الفارسية وقد أُرسلت مرات عدة إلى الشرق الأوسط، خصوصا في إطار مكافحة التجسّس. كما عملت من العام 2008 حتى 2010 كمستشارة في وزارة الدفاع.

وفي فبراير 2012، زارت مونيكا ويت إيران لحضور مؤتمر بعنوان “هوليووديسم” الذي عُقد برعاية الحرس الثوري الإيراني وهو موجه تماما ضد الولايات المتحدة، بحسب القرار الاتهامي.

وفي مايو من العام نفسه، حذّرها عملاء من الشرطة الفيدرالية الأميركية (أف.بي.أي) من محاولات إيرانية لتجنيدها. إلا أنها أقسمت حينها أنها لم تُعطِ قط معلومات إلى طهران. لكن في الشهر التالي، عملت مع شخص غامض أُطلقت عليه تسمية “الشخص أ”، يحمل الجنسيتين الأميركية والإيرانية جاء ليصوّر فيلما دعائيا معاديا لأميركا في الولايات المتحدة.

وفي فبراير 2013، زارت إيران مجددا لحضور مؤتمر جديد بعنوان “هوليووديسم”. وفي الصيف التالي، تواصلت كثيرا مع “الشخص أ” وشكرته خصوصا في رسالة إلكترونية على “إتاحة الفرصة” لها لاستخدام تدريبها العسكري “لأغراض جيدة بدلا من (استخدامه لأغراض) سيئة”. وأبلغها “الشخص أ” عن “شكوك” إيران بشأنها، فتحدثت عن احتمال انشقاقها وذهابها إلى روسيا.

لكن في 28 أغسطس، أرسلت له رسالة تقول فيها إنها على متن طائرة متوجهة إلى إيران “أنا ذاهبة! إلى المنزل”. ولا يكشف القرار الاتهامي هوّية “العميل أ”.

7