مونيه ودوشامب ورسامة الـ"نانا" يشغلون أروقة العالم

الجمعة 2014/12/26
لوحة "شجرة الحياة" للنمساوي كليمت

باريس - من زخم المعارض الفنية في المتاحف والمراكز والقصور القديمة، التي احتفت خلال العام الذي شارف على الانتهاء بمختلف المدارس الكلاسيكية والانطباعية والمعاصرة والمتمردة على التصنيف، استقطبت ثلاثة منها اهتمام الوسط الفني ووسائل الإعلام، اثنان لعلمين مشهورين هما كلود مونيه ومارسيل دوشامب، والثالث لامرأة تركت بصمة واضحة في سجل الفنون هي نكي دو سان فال.

ليس من السهل تغطية كل المعارض الفنية، لذا اخترنا منها أبرزها، تلك التي تمثل تذكرة بعلم ثابت، أو إضاءة لتجربة لم تلق حظها من الانتشار، أو التعريف بتجربة تتمرّد على القواعد الجمالية المعروفة.

وقد ارتأينا ألا نركز على إعادة فتح متحف بيكاسو بباريس بعد أعمال صيانة دامت خمس سنين، ولا أن نتوقف عند الجدل الذي يحوم حول مفهوم العرض كفن متكامل ينهض به الوسطاء والنقاد والمفوضون.

نظم متحف مارموتان بباريس في ثمانينية افتتاحه معرضا لمونيه وأتباعه، ليميط اللثام أخيرا عن سرّ “انطباع”، شروق هي أم غروب.

فقد ظلت تلك اللوحة التي يصفها نقاد الفن ومؤرخوه بـ”جوكوندا” القرن التاسع عشر، ويصنفها الفرنسيون بثروة وطنية مثل “حرية” دو لاكروا و”أولمبيا” مانيه، زمنا طويلا تسمى “انطباع، شمس غاربة” قبل أن يتوصل الباحثون والمهندسون والخبراء إلى تحديد الزمن الذي ترصده انطلاقا من موقع راسمها، أي الفجر، وتاريخ إنجازها بالتحديد اعتمادا على خبراء الرصد الجوي أي 13 نوفمبر 1872.

“دوشامب قبل الريدي ميد”هو معرض يكشف عن الوجه الآخر لمارسيل دوشامب، وجه الفنان القدير الذي فاجأ الوسط الفني بلوحة “عار ينزل السلم”، حاول فيها الربط بين الرسم والعلوم البصرية، قبل أن يتجه إلى “الريدي ميد”، تلك الأشياء العادية التي يطرحها كما هي ويدعي أنها أعمال فنية.

سنيا دولوناي تزوجت روبير دولوناي، فاختارا معا التجريدية، وأعلنا عن مولد فن جديد أطلقا عليه اسم (التزامنية)

يفسر البعض إقلاعه عن الرسم بكونه ناجما عن الرفض الذي قوبلت به لوحته تلك، فيما يفسرها آخرون بكونها نتيجة لخيبة حلمه بالجمع بين العلم والفن، فقد حاول الاستفادة من اكتشافات العصر كالبصريات والأشعة السينية والإشعاعات، لإعادة ابتكار الفن التشكيلي. وكانت أعماله تعكس محاولته الإمساك بما لا تدركه شبكة العين.

وبعد جهود مضنية دامت أربع عشرة سنة، تخلى عن تلك التجارب، مثل شخص يتوقف عن مهمة بدت له مستحيلة. نكي دو سان فال هي فتاة متمردة على وسطها البورجوازي، وعلى والدها الفرنسي الذي حاول الاعتداء عليها جنسيا، وأمها الأميركية التي كانت تخجل من تحوّل ابنتها إلى عارضة أزياء، ثم إلى رسامة يتبدّى العنف جليا في أعمالها، أي أن تمرّدها لم يكن فنيا صرفا، بل كان يستمدّ جذوره من طفولة ممزقة، لينعكس في أعمال بدأت بقذف القماشة بواسطة بندقية، ثم انتقلت إلى موقف المدافعة عن بنات جنسها في سلسلة من الرسوم والمنحوتات عرفت بـ”نانا” أي نساء بلغة العوام، وتتميز كلها برأس صغير وجسد ضخم وألوان زاهية، يرقصن مثل المتزحلقات على الجليد.


التجارب المبتكرة


معرض استعادي لواحد من أشهر أعلام الفن المعاصر، هو الأميركي بيل فيولا، الذي استفاد في بداياته من جماعة الفلوكسوس الثائرين على الفن المتحفي والمتمردين على كل قوانين الفن، قبل أن يشق طريقه باعتماد الفيديو وتقنيته البطيئة.

لوحات تشهد على خيال خصب وقدرة فائقة على التحكم في الأدوات الفنية وتوجيهها الوجهة التي يتفجر منها إبداع فريد، في شكل صور مبتكرة تبهر الناظر وتحمله في عالم سحري.

أجساد تصعد ببطء كأرواح منجذبة إلى السماء، وتحتها شلالات ماء شبيهة في انسيابها المتقطع وتفتت قطراتها بسيل من النقود تتهاوى في الفضاء كنثار التبر.

وفي الخلفية أصوات تقضقض اللهب وانهمار الماء وحركة الأجساد البطيئة، تحيل على المشاهد الدينية التي خلدها عمالقة النهضة.

"غويا" بريشة بيثنتي لوبيث بورتانيا

مارسيل راييس من أعلام الفن المعاصر، سطع نجمه مطلع الستينات، باستعماله مختلف المواد والتقنيات كالبلاستيك والطلاء والمرايا والأشياء والصور والنسخ المصورة والقصّ والطبع والتجميع والتركيب والتكبير، ويصوّر مجتمع الاستهلاك بألوان فظة ترشّ بالبخّارة على أوجه الحسان، ثم صار يؤطر الوجوه والأفواه والعيون بالنيون، ويستعيض عن البلاستيك بالصور الشمسية والطبع على الحرير.

بعد مايو 1968، راجع فهمه لطبيعة العمل الفني وندّد بتهاويه إلى مستوى البضاعة، فقام بثورة جمالية، حيث اتجه إلى الفن السينمائي فأخرج أفلاما تجريبية.

ثم أقبل على رسم المناظر الطبيعية والطبيعة الميتة ومشاهد من الحياة اليومية على منوال القدامى، إلى جانب النحت باستعمال المواد “الفقيرة” كالورق المدعوك وعجين الحجر وورق الكرافت أو البرونز المذوّب.

يعتبر فونتانا من أهم الفنانين في القرن العشرين على غرار ماتيس ودالي وبيكاسو، ومن أبرز ممثلي الحداثة الأوروبية، وأكثرهم راديكالية، وقد اشتهر في العالم بلوحاته المجروحة بسكين، فما من متحف للفن الحديث في العالم إلا وله لوحة من لوحاته.

ولكن ذلك الأسلوب الفني الذي توخاه ليس وحده ما ميز مسيرة هذا الفنان العصيّ عن التصنيف. وقد حرص المنظمون على إبراز تنوع أساليبه، وترددها بين التجريدية والتصويرية، البحث الميتافيزيقي والتناسخ، الطوباوية والكيتش، الانبهار التكنولوجي والمواد غير المستوية.

فإلى جانب لوحاته المخروقة، التي صارت من أيقونات الفن الحديث في العالم، عرضت له أعمال أخرى أقل شهرة، خصوصا منحوتاته الأولى وإبداعاته الخزفية، وكلها تبرز ولعه بالمواد والألوان.


شهود على العصر


جان دو بوفيه عاش يرفض المتاحف، لأن الإبداعات الفنية في رأيه تتطلب أن يُنظر إليها في تفردها، خارج إطار نتف المعروضات التي تجد المؤسسات الثقافية متعة في إضفائها عليها، وكان لرفضه للمنظومة القائمة، دور في تشكيل آثار غير خاضعة للتصنيفات.

لوحات بيل فيولا تشهد على خيال خصب على التحكم في الأدوات الفنية وتوجيهها الوجهة التي يتفجر منها إبداع فريد

ركز اهتمامه على المواد الفقيرة واللامادية فأنجز بورتريهات غامضة سماها “دمى بشرية”، كما اشتغل على “تجميع بصمات” بتوجيه عنايته للبرية المهملة المكسوة بالأتربة والحجارة والأعشاب الطفيلية.

ثم بدأت تظهر في أعماله خطوط معقدة يرسمها بالقلم أو الريشة. ثم أقبل على الألوان الفاقعة ليعبر عن عالم تائه في زحام المدينة ومحلاتها التجارية، قبل أن ينصرف إلى الكتابة الآلية بابتكار رسوم يكشطها بمشارب حمراء وزرقاء.

اشتهر كلود فيالاّ بتصور يقوم على طبع شكل بسيط ذي كروم وحيد أشبه بقطعة إسفنج اصطناعية، وتكراره بأعداد غير محسوبة مع تواتر مسافات منتظمة على صفحة قماشة طليقة لا قاعدة لها. ويندرج هذا المسعى ضمن النقد الراديكالي للتجريدية الوجدانية والهندسية.

هذا الشكل المحايد ولّد اشتغالا على اللون الواحد بطريقة يكون فيها اللون موضوعا وغاية. وهو ما مهّد لظهور جماعة “محامل-مساحات” التي كان فيالاّ أحد مؤسسيها، وكانت تطمح لإعادة الفن التشكيلي إلى مفهومه المادي الأول، والتعامل معه بوصفه تقنية إنتاج كأي تقنية أخرى، بعيدا عن البهرج والأبهة.

سنيا دولونايهي من أصل أوكراني. تزوجت الفنان روبير دولوناي، فاختارا معا التجريدية، وأعلنا عن مولد فن جديد أطلقا عليه اسم “التزامنية”، أي البحث عن ألوان خالصة وحركات ألوان متزامنة، وهي التجربة التي استوحاها من بعدهما رسامون آخرون.

عرف فن سنيا دولوناي تحولا في الستينات في شكل فن تجريدي شاعري، فقد كان الخلق عندها في وجهيه الشكلي والتقني ينعكس في أعمال ضخمة كالرسوم الجدارية والفسيفساء والزرابي والسجاد. هو أضخم معرض يقام لها في باريس منذ 1967، ويضمّ ما يزيد عن أربعمئة أثر فني. غويا هو أحد مبتكري الحداثة بفضل الثيمات الجديدة التي ركز عليها، وبفضل معالجته الخطوطية والجمالية العنيفة. فمن مستجداته “سلسلة ألعاب الأطفال” التي تصور صغارا بائسين يهيمون في القرى الإسبانية الفقيرة، وكذلك “سلسلة النزوات” التي انتقد فيها جشع الطبقة البرجوازية والسلوك المنحرف لبعض فئات المجتمع ورجال الدين.

تجريد لسنيا دولوناي

ثم سلسلة “فظائع الحرب” برؤية فنية جديدة تخالف جماليات الفن التاريخي، حين كان الرسامون يميلون إلى تمجيد الحرب بوصفها عملا بطوليا، إذ صوّر العنف، بصرف النظر عن التوظيف السياسي والإيديولوجي، كعالم تتبدّى فيه الفظاعة عارية.

انحيازه بدا واضحا إلى وطنه إسبانيا، فقد اكتفى بتخليد المقاومة الباسلة لقوات شعبية ضدّ جيش نابليون، مركزا على دور المرأة في التصدّي للعدوان.

ترك غوستاف كايبوط ما يقارب خمسمئة لوحة صاغها بأسلوب أكثر واقعية من أسلوب أصدقائه الانطباعيين، وبرع خاصة في تصوير مشاهد من شوارع باريس كان يلتقطها من الشرفات المرتفعة، ومشاهد من الحياة العمالية في الضواحي الباريسية، ومناظر طبيعية ممثلة في الحدائق والبساتين، ومناظر مائية على ضفاف نهر السين عند ضاحية أرجنتوي شمالي باريس، وعلى عدوة وادي اليير حيث ضيعته.

وقد صارت منذ 1973 ملكا لبلدية اليير، التي قامت بترميمها وتهيئتها كما كانت في عهد كايبوط، حيث بيته الأبيض الكبير.

هذه الملكية وقع تسجيلها ضمن “المعالم التاريخية” لأنها، على غرار بيت موني بجيفرني، معقل هام من معاقل الانطباعية.

يقترح العرض نظرة غير مسبوقة إلى غوستاف كليمت ومن تأثر به -خصوصا إيغون شيله وفريدنسرايخ هوندرتسفاسر- عبر عملية إخراج طريفة للوحات والبورتريهات والمناظر والزخارف المذهبة والألوان المتلألئة، التي أحدثت ثورة في الفن النمساوي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

حيث يبرز كليمت كواحد من أهمّ الفنانين الذين رصعوا شارع رينغستراس الشهير بصروح ونصب تذكارية بديعة، قبل أن يتزعم حركة الانفصال الفيينية التي سعت إلى تجديد الفن النمساوي، وفتح الباب أمام الحداثة، باستعمال الذهب والموتيفات الزخرفية التي طبعت أعماله وشكلت رمزا لتلك الثورة الفنية.

غوستاف دوري عاش حياته يبتكر رسوما لروائع الأدب العالمي، حاز بفضلها اعتراف الوسط الفني بموهبته. حتى أن إميل زولا علق على رسم دوري لدون كيخوتة: “تسمون هذا رسما توضيحيا لأثر أدبي؟ أنا أزعم أنه أعاد صياغة هذا الأثر. بدل أثر فني رائع ها أن العقل البشري يعدّ اثنين”.

غوستاف كايبوط ترك ما يقارب خمسمئة لوحة صاغها بأسلوب أكثر واقعية من أسلوب أصدقائه الانطباعيين

أطلق عليه لقب “الفنان التبشيري”. بعد أن أنجز رسوم “الكتاب المقدس”، ولوحة ضخمة عن “المسيح وهو يغادر قاعة المحكمة” غنية بالشخوص والتفاصيل والجزئيات، بشكل يذكر بكبار فناني عصر النهضة، ثم انكبّ على إعداد رسوم ما يزيد عن 120 كتابا صدرت في فرنسا وكذلك في ألمانيا وأنكلترا وروسيا.

فرنسوا أندري فانسن برع في الرسم وجرب شتى أنواع التقنيات في سائر الأنماط، لم يستثن منها حتى الكاريكاتير، وترك أعمالا كثيرة ضاع أغلبها منذ مطلع القرن 19.

كان أستاذا لامعا واسع المعرفة، ولكن انشغاله بالتدريس وبمناصب إدارية هامة في ظل سائر الأنظمة التي تعاقبت على فرنسا في تلك الفترة، جعله يعيش على الهامش، محسوبا على المدرسة الأكاديمية الملتزمة بقواعد صارمة، ومن ثمّ كان اسمه ضامرا بالقياس إلى مجايليه مثل فراغونار أو دفيد.

17