موهبة الذكاء المتدني!

الثلاثاء 2013/11/05

مازال التقدم الذي أحرزه علم النفس الاجتماعي في ما يتعلق بتعريف الذكاء، محدودا ولم يبلغ سن النضج بعد.. وهذا يرجع بالتأكيد إلى الطبيعة البشرية بالغة التعقيد، إضافة إلى استمرار لعبة تبادل الأدوار بين البيئة والوراثة التي يعزى إليها تشكيل ذكاء الإنسان.

على الرغم من ذلك، هنالك بعض المحاولات لحصر أبعاد هذه الصفة الإنسانية الفذة، بوصفها نشاطا عقليا عاما يتميز بالصعوبة والتجريد والاقتصاد، إضافة إلى الابتكار والتخيل وسعة الانتباه مع سرعة الاستجابة للمواقف. بعض علماء النفس، يجدون ذكاء الإنسان في مدى قدرته على التكيف على نحو سليم مع المواقف الجديدة في الحياة ونجاحه في تحقيق التوافق بين ذاته وبيئته أو ما يسمى بالذكاء الاجتماعي، الذي تتشعب تفصيلاته حتى تصل إلى تقبل النقد وإذكاء روح النقاش والأهم من ذلك، احترام حقوق الآخرين في التعبير عن آرائهم.

الواقع أن التعريفات السابقة للذكاء لم تتطرق إلى الغباء باعتباره مصطلحا مخالفا في المعنى، بل يلجأ أغلب المتخصصين إلى استخدام بدائل لفظية خجولة لتلافي المرور على مصطلح يجده البعض صفة لا تليق بمخلوقات راقية كالبشر!. فيشير بعضهم إلى كلمات مثل نسبة ذكاء متدنية أو انخفاض في معدلات الذكاء، وغيرها من الصفات التي تحدد كينونة الشخص الذي يرتكب أخطاء اجتماعية وسلوكية قاتلة.

الغريب في الأمر، أن معظم الناس الذين يتمتعون بموهبة الذكاء المتدني لا يعرفون بذلك، أو يعرفون ولا يريدون أن يعترفوا بمعرفتهم، أو لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا.. وهذه هي الكارثة. بعضهم يستهين بذكاء الآخرين في المحافل العامة، بعضهم يعتقد بأنه الأذكى، وبعضهم لا يتعلم من أخطائه.. وهذا الأخير تنطبق عليه كثيرا مقولة صاحب النظرية النسبية ألبرت أينشتاين "الغباء.. هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات مع انتظار نتائج مختلفة"!

في العلاقات بين الناس، لا يتسبب غباء أحد الأطراف في موت الطرف الآخر "إكلينيكيا".. فأقصى غايات الغباء الاجتماعي هو التسبب بموت الآخرين كمدا. أما في مجال السياسة فقد تتناثر شظايا الغباء (أو انخفاض مستوى الذكاء) في جميع الاتجاهات، بحيث يصنفه البعض باعتباره جريمة لا تغتفر في حق الشعوب المظلومة، التي تبتلى بسياسيين لا يتكيفون مع المواقف الجديدة ولا يعترفون بحق الآخرين في إبداء آرائهم، كما لا يتعلمون من أخطائهم أو أخطاء غيرهم فيحلو لهم تكرار الحلول ذاتها لمشاكل شعوبهم المستعصية طمعا في نتائج مختلفة.

وما يحدث في العراق خير مثال على ذلك؛ فالأسلوب العقيم الذي يتبع في التعامل مع التفجيرات التي تودي بحياة المئات من المدنيين بصورة يومية في معظم مدن العراق تبدو عقيمة، كما أن تكرارالخطط العسكرية ذاتها، فضلا عن التشدد الأمني وحملات الاعتقال واسعة النطاق التي ما زالت تبحث عن الإبرة الهاربة في كومة القش، لم تحصد سوى نتائج متشابهة.

كما يبدو أن يد الإرهابيين باختلاف ألوانهم وأحقادهم، أصبحت تتحرك وتعمل وتنفذ في بيئة تتسم بالأمان ذاته الذي تتمتع به الأسود عادة في غابات، لا تحكمها قوانين ولا تحويها جدران.

فهل عجزت مخيلة السياسيين (مجتمعين) عن إيجاد حلول فورية وناجعة لإيقاف تدفق أنهار الدم في العراق؟ وهل يعرف هؤلاء بأنهم لا يصلحون للمهمة الصعبة؟ أم أنهم يعرفون ولا يريدون أن يعترفوا بمعرفتهم؟

واقعيا، يبدو بأن هنالك خيارا ثالثا؛ أي أنهم لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا؟!

عموما، فإن المعرفة لن تغير من الواقع شيئا طالما آمن نابوليون بونابرت في الماضي بحكمة تقول "في السياسة، الغباء ليس عائقا"!

21