"مو حزن.. لكن حزين"

لماذا لا نعترف أن الأصل في الأشياء هو الحزن، أما الفرح فحالة طارئة عابرة، تزرع طمأنينة كاذبة، وتموه على السؤال المتعلق بمأساة الإنسان وعجزه وفجيعته أمام مصيره.
الثلاثاء 2019/02/12
الدمعة رمز للشفافية والنقاء

الذين يتحدثون عن "النهايات السعيدة" يخادعون أنفسهم قبل غيرهم.. يكفي أنها "نهايات" حتى لا تكون سعيدة.

اعتدنا صغارا أن نختم مواضيع الإنشاء والتعبير الكتابي بعبارة “وعدت إلى البيت فرحا مسرورا”، ولو كان الأمر يتعلق أحيانا بالانتهاء من المشاركة في تشييع جنازة.

علمونا أن السعادة تتلخص في العودة الآمنة إلى البيت، وذلك في إقرار ضمني، وإشارة خفية إلى أن كل سلوك بشري هو أمر غير محمود العواقب، وبناء عليه، فليس هناك أفضل من أن يعود الواحد بعد تلك المغامرة سالما غانما.

زرعوا في رؤوسنا الصغيرة فكرة مفادها أن أجمل الحكايات هي تلك التي تنتهي بالعمر المديد والزواج السعيد الذي تنتج عنه الذرّية الصالحة، وذلك كي لا ينام ويستيقظ الواحد على قلق أو سؤال.

إنها ثقافة المصالحة الوهمية مع الأسئلة الوجودية الكبرى، ومحاولة تضميد الجراح النازفة بالأجوبة الوردية الخادعة.. إنه الهروب من المواجهة عبر افتعال السعادة.

لماذا لا نعترف أن الأصل في الأشياء هو الحزن، أما الفرح فحالة طارئة عابرة، تزرع طمأنينة كاذبة، وتموه على السؤال المتعلق بمأساة الإنسان وعجزه وفجيعته أمام مصيره. ليس في الأمر تمجيد للحزن أو دعوة لحياة ملؤها التجهم والاكتئاب، لكن من الضروري التنبّه إلى شفافية هذا الشجن الذي يرتبط بالإنسان كذات فاعلة ومنفعلة إزاء الوجود.

جعلت العامة، منذ القديم، الدمعة رمزا للشفافية والنقاء، وكذلك، توصيفا للجمال والإتقان فيقال “شراب مثل الدمعة”. وألبس الناس صفة “الحزين” على كائنات ومواسم من حيوانات وزهور وطيور وفصول.

ارتبط الحزن بالشعر حتى أن أحدهم سأل أعرابية: لماذا كان الرثاء أعذب أشعاركم؟ فردت “لأننا نقوله والنيران تلتعج في صدورنا”. وحاول الشاعر الأرجنتيني الشهير بورخيس، تعريف الشعر بقوله إنه “اللحظة التي تلقي فيها بالمجداف منكسرا ومهزوما ضد التيار، وتغني”، ذلك أن الشعر لا يكتبه العبيد ولا المنتصرون بل النبلاء المنكسرون على أنفسهم.

عرف العراق عربيا بأنه بلد تنتشر فيه حالة الشجن نحو أقصاها في الشعر والغناء، وذلك لعوامل وأسباب تتشابك فيها الميثيولوجيا بالتاريخ والجغرافيا في هذا البلد الذي عانى من المآسي في تاريخه القديم والحديث، حتى أن المغني ياس خضر، الملقب بـ”صوت الأرض” والمعروف بمطرب “المآسي الكبرى” قد غنى ـ وبحزن شديد ـ أغنية “وداعا يا حزن”.

أما مواطنه الشاعر مظفر النواب، والذي تعامل معه في أغنية “البنفسج” و”مرينا بيكم حمد”، فقد كتب بالعامية العراقية وفي شجن يخنق الأنفاس “مو حزن لكن حزين.. مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من (لمّا) تمضي السنين” التي أداها سعدون جابر.

24