ميازاكي آخر أباطرة الرسوم المتحركة وقد هبت عليه الريح

الاثنين 2014/02/17
فيلم "هبت الريح" آخر أعمال ميازاكي قبل الاعتزال

باريس –وسم الياباني هياؤو ميازاكي الرسوم المتحركة بميسمه، مما بوّأه مكانة هامة في اليابان، حيث يعدّه اليابانيون رسميّا “ثروة وطنية”، وفي تاريخ هذا الفن الذي أثراه بأشرطة أدهشت المشاهدين -يابانيين وأجانب- وحققت عروضها أرقاما مذهلة، منذ “قصر كاليسترو” عام 1979 إلى “هبّت الريح” شريطه الأخير الذي قرّر الاعتزال بعده، لأنه لم يعد يملك نفس الخفة في الرسم كما يقول بعد أن جاوز السبعين من عمره.

سطع نجم ميازاكي عام 1984 مع شريط “نوزيكاء أميرة وادي الريح” الذي تناول فيه البيئة المهدّدة بجنون البشر ونزعته التدميرية، كما مثلت شخصية نوزيكاء مدخلا لعالم تتزعمه المرأة، والمعروف أن ميازاكي عمد إلى تخيّر الإناث بطلات لأفلامه، تعبيرا عن دفاعه عن المرأة، والتزامه بحقوقها، فحدّ بذلك من هيمنة العنصر الذكوري الطاغية على شتى الأفلام في اليابان وخارجه. تلت ذلك أفلام تطفح بـ”الكميس″ (وهي أرواح ذات أجساد وملامح متغيرة) صادفت تزايد إقبال الشباب على الـ”شينو” (وهي طقوس أحيائية animistes يعود عهدها إلى أصول الأرخبيل الياباني الأولى)، نذكر منها “الخنزير الأحمر” و”قصر في السماء” و”الأميرة مونونوكي”، وخصوصا “رحلة شيهيرو” الذي حقق عام 2001 رقما قياسيا من حيث عدد مشاهديه، فقد بلغ 20 مليون متفرّج، وحاز الرتبة الأولى في قائمة أكثر الأفلام مشاهدة في الأرخبيل.


التزام أيكولوجي


أفلامه لقيت رواجا واسعا ليس في اليابان وحده، وإنما أيضا في الغرب الأوروبي الذي تاق إلى أفلام تعبّر تعبيرا أصدق عن اضطراب المرحلة وتعقدها. ووجد الجمهور ضالته في أفلام ميازاكي، المسكونة بالصراع والنزاع، والشخصيات ذات الأبعاد المتعددة، والقلق الذي يعقب الكوابيس. وبالرغم من أن أغلب أفلامه تنتهي عادة بانفراج، فإن بعضها عُدّ استباقيا، يستشرف الأخطار الداهمة، نتيجة موقع اليابان وطبيعة أرضه المزروعة ببراكين كالألغام في ساحة حرب. من ذلك مثلا ما أنذر به شريط “بونيو على المنحدر الصخري” عام 2008، فقد ألمح إلى التسونامي الذي ضرب البلاد بعد ثلاث سنوات، وبرهنت كارثة فوكوشيما في مارس 2011 على أن مخاوف ميازاكي لم تكن مجرّد أوهام. وكان من أثر ذلك أن ازداد التزامه الأيكولوجي راديكالية، فاستعاد خطابته الماركسية أيام كان نقابيا، ليدين من جديد لجوء بلاده إلى الطاقة النووية. يقول ميازاكي: “قليلة هي الأماكن التي لم تلوثها الفضلات. في أعمالي، حرصت على تخليد مناظر اليابان الجميلة قبل أن يمحونا جميعا بركان جبل فوجي عندما يثور”.

إلا أن الثيمة التي اختارها في شريطه الأخير تخالف نزعته السليمة، وقد أثارت ضجة كبرى ليس في اليابان وحده، وإنما في الدول المجاورة، كوريا الجنوبية على وجه الخصوص، وحتى في الولايات المتحدة. فالشريط، الذي يستمدّ عنوانه من قصيد “المقبرة البحرية” للشاعر الفرنسي بول فاليري، يروي طفولة جيرو هوريكوشي، الذي سوف يصبح مهندسا في الصناعات الجوية ويبتكر طائرة “زيرو” (السماء الصافية)، أخطر آلة في سلاح الجو الياباني وهي التي انهمرت بطياريها “الكاميكاز" على قاعدة بيرل هاربر الأميركية في المحيط الهادئ ودمّرتها. ويصور أحلامه وميله إلى رسم طائرات، وتوقه إلى بلوغ أعلى نقطة في الفضاء السرمدي.


مزج المتناقضات


للردّ على خصومه، أوضح ميازاكي أنه لم يقصد امتداح الحرب ولا الاحتفاء بالنزعة العدوانية لدى البشر، وهو المولود عام 1941، من جيل انطبعت طفولته بنزوع اليابان إلى امتلاك أسباب العظمة، وعواقبها الكارثية. وكل ما أراده تصوير طفل عاش بحلم راوده وسعى إلى تحقيقه، في ظرف بدأت خلاله الإمبراطورية اليابانية في الانحدار، وهو لا يدرك قطعا إلى أيّ طريق سوف يأخذه ابتكاره، ولا في أيّ غرض سوف يستعمل.

الشريط عمل مدهش، مظلم ومضيء في الوقت ذاته، سوداويّ المنحى في بعض أوجهه، وساحر خلاّب في أوجه أخرى، تتجلى فيه قوة الخلق في أبهى صورها. عبر بورتريه جيرو، وهو طفل في هيئة “الأمير الصغير” بطل الفرنسي أنطوان دو سانتيكزوبيري، مسكون بحلم وحيد هو صنع طائرات، يطرح ميازاكي قضية الابتكار وجرائرها. فهذا الطفل الحالم أبدا يجد نفسه في بلد على شفير الحرب، وظرف يخيّم عليه الكساد الاقتصادي، وشعب يعاني من جرائر زلزال عنيف هزّ مدينة كانتو عام 1923. ولكنه برغم النوائب والنكبات لا يحيد عن حلمه قيد أنملة. فالشريط يمزج المتناقضات، ألعاب صبيانية وطائرات حربية، ندف ثلج ومدفعيات ثقيلة، كرمز لصراع الفن والعنف، الجمال والدمار، في محاولة لاستكشاف البعد القاتل للشغف.

والسؤال الذي يطرحه هو: هل ينبغي على المرء التخلي عن أحلامه أم “يحاول العيش” كما توحي بذلك بقية العنوان؟ إن الصور البديعة تعمّق تلك الثنائية التي تتبدّى الطائرات، تلك الطيور الملعونة، في سحرها ومأساويتها، كرمز لها. فالغايات والمطامح نبيلة ولكنها سرعان ما تصطدم بواقع همجيّ.

يشتغل ميازاكي بطريقة تقليدية، أي باستعمال القلم والورق، ولا يلجأ إلى الحاسوب إلا في المرحلة الختامية. “كل أفكاري مستمدّة من مسودات رسوم كثيرة أخطّها بعد ساعات طويلة من التأمل والملاحظة”، كما يقول: “أستطيع أن أقضّي أياما كاملة، جالسا على مقعد، أتابع بانتباه حركة فساتين النساء لكي أنقلها بدقة في رسومي”. وهو ما يقرّ به منافسوه. هذا مثلا جون لاسيتر، صاحب استوديوهات بيكسار الأميركية، يسرّ بأن أمرين لدى ميازاكي يثيران إعجابه، هما التكثيف والتدرّج. “كل شيء عنده له وزن، وكل شخصية لها ما يناسب من حجم وقامة مقارنة بالشخصيات الأخرى”.

16