مياه السياسة العراقية باتت ملوثة بعد اقتحام فصائل الحشد الحياة العامة

بعض الساسة العراقيين يشعرون بالقلق من أن تحاول إيران من خلال الحشد الشعبي إنشاء نسخة عراقية من الحرس الثوري الإيراني بجهاز أمني مواز وإمبراطورية أعمال واسعة.
الأربعاء 2018/11/14
نفوذ الحشد الشعبي في تعاظم
 

رغم مرور ستة أشهر على إجراء الانتخابات في العراق، إلا أن الأمر مازال على ما هو عليه خاصة بسبب عدم حصول رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي على موافقة برلمانية على حكومته بصفة كاملة أو لما لوحظ من مزيد تغلغل فصائل الحشد الشعبي في الحياة العامة، وقد أضحت في وضع أفضل سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

بغداد- استبدل حسن فدعم في مايو الماضي زيّه العسكري ببذلة أنيقة عندما أصبح واحدا من 45 من رجال الفصائل الشيعية الذين انتخبوا أعضاء في مجلس الأمة العراقي المكون من 329 مقعدا.

وكان فدعم قد تلقى تدريبا عسكريا في إيران وحارب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. والآن أصبح يشتغل في السياسة بعد أن ضاعفت الفصائل المسلحة التي تدعمها إيران عدد مقاعدها في البرلمان العراقي. وقد أصبح تحالف فتح الذي يمثلها ثاني أكبر كتلة سياسية.

وفي مقابلات شرح ثمانية من رجال الفصائل الذين ترجموا نجاحهم في ساحة المعركة إلى نصر انتخابي خططهم لاستغلال هذه المنصة الجديدة. وبعد مرور ستة أشهر على الانتخابات لم يحصل رئيس الوزراء العراقي الجديد عادل عبدالمهدي على موافقة برلمانية على حكومته. غير أن أمرا واحدا يبدو جليّا، وهو أن الفصائل باتت في وضع أفضل من ذي قبل للتأثير في السياسات، بدءا من الأمن الداخلي إلى السياسة الخارجية.

وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قال إنه يخشى أن يقوض رجال الفصائل جهود توحيد العراق. وتحاول الديمقراطية الوليدة الموازنة بين مطالب السنة والأكراد والشيعة بعد سنوات الصراع الطائفي في حين بدأ الاقتصاد يخطو خطوات الانتعاش الأولى بعد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

وحاول العبادي دون جدوى منع قيادات الفصائل من خوض الانتخابات هذا العام. وتساءل في ذلك الوقت: كيف يكون لصاحب الزيّ العسكري رأي سياسي؟ وقال إن ذلك لا يحدث في أي مكان في العالم وإنه ممنوع.

وردّ رجال الفصائل بإعلان أنهم سيتخلون عن أدوارهم العسكرية للالتزام بالقانون الانتخابي في العراق. وكذلك يشعر البعض في واشنطن بالقلق. فقد قدم أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ مشروع قانون من شأنه فرض عقوبات على اثنين من الفصائل المدعومة من إيران في العراق؛ هما عصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء.

ومن أعضاء مجلس الشيوخ الذين يرعون قانون “عقوبات الإرهابيين وكلاء إيران” ديفيد برديو وتيد كروز وماركو روبيو. ولم تجزع إيران. فقد قال سفير إيراني سابق في المنطقة يعمل الآن مسؤولا كبيرا في طهران “في الاجتماعات التي عقدناها مع أشقائنا العراقيين أكدوا لنا أنه لا يمكن لأميركا استغلال العراق”.

ومن حلفاء إيران في العراق منظمة بدر التي فازت بـ21 مقعدا في الانتخابات. وعلى مدى عقدين قاد هادي العامري زعيم منظمة بدر الحرب على الرئيس الراحل صدام حسين من منفاه في إيران.

وقال كريم نوري، أحد القادة المحليين في بدر، إن “الاتصال بإيران مستمر لتحجيم خصوم طهران، الولايات المتحدة والسعودية”، ولم يذكر أي تفاصيل أخرى. وقال هشام الهاشمي المستشار الأمني للحكومة العراقية، إنه يعتقد أن إيران على اتصال بساسة الشيعة.

إلهام من إيران وارتياب في أميركا

الحشد الشعبي يبحث محاربة الفساد بعد إفساده العملية السياسية
الحشد الشعبي يبحث محاربة الفساد بعد إفساده العملية السياسية

عندما حث المرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الشيعة على الانضمام لقتال تنظيم الدولة الإسلامية في 2014، كان فدعم واحدا من عشرات الآلاف من الشيعة الذين لبوا النداء. وقاد تشكيل فجر، وهو قوة قوامها 3400 مقاتل.

وبعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة جرف الصخر جنوبي بغداد، ضغط فدعم على جهاز الحكم المحلي في محافظة الحلة التي خرج منها لإلغاء حقوق السنّة في الملكية العقارية بالمنطقة، وقال إن صلات تربطهم بالدولة الإسلامية. ووافق المجلس المحلي في الحلة على مطلبه.

ويقول فدعم، الذي انتخب في مايو لتمثيل الحلة في البرلمان، إنه يكرس وقته الآن للسياسة ويظهر مرارا في البرامج الحوارية على قنوات التلفزيون الشيعية للتأكيد على رسالته المتمثلة في مكافحة الفساد.

ويتوافد الزوار على مكتبه في الحلة طلبا للمساعدة. وتفتقر الحلة مثل مناطق كثيرة في العراق للخدمات الأساسية. فالطرق مليئة بالحفر. والمنشآت الطبية تتداعى. وهو يتلقى مئات الطلبات من شبان يبحثون عن وظيفة في الخدمة المدنية.

وعلى الناحية الأخرى من المدينة يقع مستشفى يديره أتباعه. ويقدم المستشفى الرعاية الطبيّة مجانا لمقاتلي الفصائل وعامة الشعب. ويستطيع المرضى الاستفادة من صيدلية منظمة تمتلئ بالأدوية. وتبدو غرف المستشفى أنظف من أغلب المنشآت الطبية في العراق.

وقال فدعم “في آخر المطاف يجب أن نتحول إلى السياسة لإعادة بناء بلدنا. إعادة إعمار البلد والمحافظة على أمنه لا يمكن تحقيقهما إلا عن طريق إدارة سياسية جيدة”.

وقد حارب فالح الخزعلي، وهو من رجال الفصائل الذين أصبحوا يعملون بالسياسة، دعما للرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية وفقد إحدى عينيه دفاعا عن مرقد شيعي قرب دمشق. وهو يعمل الآن من مدينة البصرة ثاني أكبر المدن العراقية في جنوب البلاد الغنية بالنفط.

وتزيّن الجدار في مكتبه صور للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي والزعيم الثوري آية الله الخميني. وسيبدأ فترته الثانية في البرلمان إذ أنه انتخب نائبا للمرة الأولى في 2014.

وقال الخزعلي “يجب على الأميركيين أن لا يعتبروا العراق قرية تابعة لهم. العراق دولة مستقلة لها تاريخ عريق. على الولايات المتحدة ألا تتعامل مع العراق على أساس تقديم صفر وأخذ 100”.

وأضاف “كان لإيران الدور الفاعل في تسليح القوات العراقية وكذلك قوات الحشد عن طريق الحكومة. فقط الجمهورية الإسلامية في إيران وقفت مع العراق في وقت كانت فيه الدولة على وشك الانهيار. الجميع وقف موقف المتفرج”.

ومثل إيران، يعارض الخزعلي الوجود العسكري الأميركي في العراق. وهو يقول إنه يضغط “باتجاه صياغة قانون لإجبار الحكومة على إعادة النظر في التعاون العسكري المشترك مع الولايات المتحدة”.

ويرابط في العراق حوالي 5200 جندي أميركي. وقال متحدث باسم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، إنهم باقون “ما دامت الحاجة إليهم” للمساعدة في تحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت تخضع من قبل لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

ويركز الخزعلي، مثل فدعم، على قضايا يومية تمثل أهمية للعراقيين تتمثل في المياه الملوثة وتداعي البنية التحتية وفساد المسؤولين. وقد فتح مكتبه في البصرة لكل من يمكنه تقديم دليل على فساد مسؤول.

ويقول إنه أعد ملفّا يتضمن 100 حالة. وخلال جلسة البرلمان الأولى في منتصف سبتمبر نجح الخزعلي في مطالبة البرلمان بإرسال وفد للتحقيق في “الأوضاع المأساوية” في البصرة التي شهدت احتجاجات على تلوث المياه وانقطاع الكهرباء والبطالة والفساد.

وقال “محاربة الفساد هي هدفي الأساسي الآن وبعد هزيمة داعش”. وأضاف “الفساد هو داعش ثان إن لم يكن أسوأ”. ويشترك معه في هذا الرأي آخرون من بينهم عصائب أهل الحق، وهي من الفصائل التي تواجه عقوبات أميركية محتملة.

وشغل سعد الحسيني أحد رجال هذا الفصيل، وهو من مدينة الكوت الواقعة على نهر دجلة، مقعدا في البرلمان. وخلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية كان يتولى مسائل لوجيستية لعصائب أهل الحق بما يضمن وجود المقاتلين في مواقعهم وترتيب الأمور الخاصة بهم بعد مقتلهم.

وهو يقول إن الاحتجاجات في البصرة تنبع من فشل الحكومات المتعاقبة. وأضاف الحسيني “التظاهرات الآن هي دليل صارخ على أن الفساد ينتشر في كل مؤسسات الدولة. الخطوة التالية يجب أن تكون محاربة الفساد”.

فصائل الحشد الشعبي أصبحت في وضع أفضل من ذي قبل للتأثير في السياسات، بدءا من الأمن الداخلي إلى السياسة الخارجية

وتابع “سيكون هدفي الأساسي بعد أن أصبحت نائبا في البرلمان العمل على تشريع قوانين تساهم في خدمة المواطنين ومراقبة أداء الحكومة من أجل القضاء على الفساد”.

يشعر بعض الساسة والضباط العسكريين العراقيين بالقلق من أن تحاول إيران من خلال الفصائل الشيعية إنشاء نسخة عراقية من الحرس الثوري الإيراني بجهاز أمني مواز وإمبراطورية أعمال واسعة.

الحرس الثوري 2

للفصائل العراقية أسهم في شركات للبناء والتجارة واستيراد السيارات. وفي منفذ الصفرة الحدودي على مسافة 90 كيلومترا شمالي بغداد تتولى منظمة بدر، أوثق شركاء إيران من الفصائل في العراق، تحصيل الرسوم الجمركية والضرائب على البضائع المنقولة من الإقليم الكردي في شمال البلاد، وذلك وفقا لما قاله عضو في المجلس المحلي واثنين من كبار المسؤولين العراقيين السابقين.

وقال عضو المجلس إن منظمة بدر تحصل على ما لا يقل عن 12 إلى 15 مليون دولار شهريا. ونفى عماد جعفر، وهو قائد محلي في منظمة بدر، أن المنظمة تستخدم المعبر الحدودي في جمع الأموال.

وقال ثلاثة من أصحاب مكاتب الصرافة ومصادر بالشرطة إن مكاتب الصرافة في الشوارع التي تكثر فيها الحركة في وسط بغداد تدفع رسوما للفصائل لضمان استمرار نشاطها.

ولا تتوقف التدفقات النقدية عند مصالح الأعمال. إذ كانت ميزانية الدولة العراقية تخصص مليار دولار للفصائل خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

ويحصل المقاتل بالحشد الشعبي عادة على مرتب شهري يبلغ 600 دولار بالمقارنة مع مرتب أي جندي في الجيش والذي يبلغ 200 دولار.

7