ميتات جنبلاط الثلاث

السبت 2016/04/23

دخل وليد جنبلاط السياسة وفي جعبته، كما في الألعاب الإلكترونية الحديثة، عدد محدود من الميتات التي يحق له استعمالها، وكان المحللون يبالغون كثيرا في تقدير عددها. البعض الآخر كان يميل إلى تصميم نظرة تنسب إلى الرجل امتلاكه لعدد غير محدود من الميتات، ما يجعله عصيا على كل أنواع النهايات السياسية مهما تقلبت الظروف وتغيرت الموازين وانقلبت.

لا يبدو الزعيم الدرزي في حاضر أحواله، كما عبر عنها في مقابلته الأخيرة مع مارسيل غانم في برنامج كلام الناس، متمتعا بما اعتاد أن ينسب إليه، وأن يعبر عن نفسه من خلاله. الصورة التي حاول أن يبثها بدت هزيلة ومتناقضة، فثوب محارب الفساد الساعي إلى كشفه والداعي إلى محاسبة مرتكبيه، بدا ثوبا فضفاضا على من وصف نفسه بأنه واحد من الحيتان الذين ابتلعوا البلاد. لم ينجح جنبلاط في بث شخصية الرائي المستقبلي الذي يعلم كل شيء، ولكنه يختار، بإرادته، تقطير المواقف لحكمة لا يعلمها إلا الراسخون في تقلباته الزلزالية، التي تتبع في جميع أحوالها رادار الرعب، وترصد مكان بثه وتعمل على التفاهم معه.

السجال مع وزير الداخلية نهاد المشنوق، واتهام قيادة الجيش، والهجوم على سوليدير لم تكن أكثر من ثرثرة لا معنى سياسيا لها، لأنها تصدر عنه في لحظة صار فيها الفساد تاريخا متكاملا لا يمكن معالجة لحظة واحدة منه، من دون كشف كل ملابسات هذا التاريخ وتفاصيله، وهي مهمة يعلم جنبلاط أنها مستحيلة. من هنا يأتي إصراره على طرح موضوع الفساد لأنه موضوع لا شك في أحقيته، ولكنه غير قابل للطرح. لعل هذا المنطق يلخص حال جنبلاط فهو قد أصبح هكذا بالضبط حيث أنه لم يعد يمثل حالة قابلة للطرح ولا للابتزاز ولا لتقمص دور “بيضة القبان” الشهير.

أنجز جنبلاط ميتاته جميعها وهي لا تتجاوز الثلاث ميتات؛ أولها كانت مع الخروج الفلسطيني من لبنان الذي اتخذ في تلك اللحظة صيغة تسليم نهائي للبلد إلى سلطة الأبد الأسدي، الذي انطلقت حياة جنبلاط السياسية مع محاولة التعايش معه في انتظار اللحظة التي سترى فيها جثته طافية على النهر. دخل جنبلاط السياسة من باب الانتظار، وكانت ميتته الأولى مع الخروج الفلسطيني من لبنان، حيث بكى للمرة الأولى وهو يطلق الرصاص مودعا الشاحنات الفلسطينية المغادرة لأنه كان يعي أن تلك اللحظة قد فتحت باب انتظاره على أبد مفتوح.

ميتته الثانية كانت إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري والنتائج التي تمخضت عن الاغتيال، حيث ظن جنبلاط أنه سينجح في وراثة ثقل الحريري السياسي، وأن يعبر سياسيا حدود أقلويته الطائفية من باب التحول إلى الرمز الأبرز في ثورة الأرز التي نجحت في طرد الوجود السوري العسكري من لبنان. اعتقد حينها أن باب الانتظار قد أقفل، وأن جثث أعدائه ستطفو على النهر بسرعة. ما حدث أثبت له أنه كان مخطئا؛ فالنظام السوري أبقى ورثة مسلحين له في البلاد، أكد واقع الأمور أن قدرتهم على شل كل شيء في البلاد أعلى بكثير من كل زخم ووعود ثورة الأرز التي كانت لحظة نشوة “جنبلاطية” لم تكتمل، اضطرّ بعدها للعودة إلى أحضان التفاهم مع الأسد الذي لم ينته أبده اللبناني والسوري بعدُ. وهنا كانت ميتته الثانية.

الميتة الثالثة والتي تبدو ثابتة ودفعت بجنبلاط إلى تبني سلوك الدروشة، والإعلان عن استقالة قريبة، هي تلك التي ينتجها صعود التطرف السني في المنطقة. اقتنع جنبلاط مع صعود المدّ السني أن كل وسائل الحماية والتحايل المألوفة وحتى المبتكرة، لا تستطيع أن تغني عنه وعن طائفته شيئا أمام هذا المدّ الذي لا يشك أنه سيقرر مصير لبنان والمنطقة. هكذا وربما للمرة الأولى يعلن بوضوح أنه ليس سوى زعيم أقلية ضئيلة لا قدرة لها على التأثير.

هذا هو المشهد الختامي الذي يعلن أن أرواح جنبلاط الكثيرة قد نفدت. كل جهوده تنصبّ الآن في تدبير شؤون النهايات، واختيار الأنسب منها للتاريخ والذاكرة حيث يعلم أن السياسة من حيث هي تدبير لحدث يجري وتهيئة لما سيأتي، لم تعد ممكنة، ولم تعد في يديه أيّ مفاتيح تمكنه من فتح أبوابها المستعصية.

كاتب لبناني

9