ميتسوكو أوشيدا: أهرب بالبيانو بعيدا عن المرأة ذات الثوب الأحمر

الجمعة 2013/09/20
ميتسوكو أوشيدا: بحث متجدد عن معزوفة أفضل

لندن- عازفة البيانو اليابانية ميتسوكو أوشيدا (64 عاما) التي تحب الـ(ستين وايز)، البحر، لعبة السودوكو، الشاي الرفيع، الشكولاتة البلجيكية، وانتظارها الطويل والمتلهف للحفلات الموسيقية بعد غيبة فاقت العشرين سنة..

ميتسوكو أوشيدا عادت مؤخرا للحفلات الموسيقية بقاعة «ألبرت هول الملكية» بلندن، سألناها عن سر غيابها وانقطاعها عن إحياء الحفلات الموسيقية لمدة 20 عاما، لتعود أخيرا، فقالت: «عشرون؟ ظننتها ما يقارب الخمس سنوات! أنا شخصية جديدة الآن. السبب الرئيسي الذي منعني هو إني انشغلت بإدارة فرقة موسيقية اسمها (المارلبورو ميوزك)، وهي مجموعة من الطلبة الراغبين في دراسة الموسيقى متكونة من الشباب والمسنين أيضاً، إضافة إلى دوري فيها، فأنا لم أمتنع يوما عن كوني طالبة».

ميتادور مقلق

عن حيرتها وقلقها مع بداية كل حفل، أفادت أنها دائمة التفكير في الموسيقى، وهي سعيدة بأنها تتقنها جيّدا، خاصة حفلها الأخير بـ»ألبرت هول» الذي تعتبره ليس بالسوء نفسه كما في الفينيسي المشهور (ميوسيك فيرين). إذ تقول: «فلا جمهور قريب أو بشكل ملاصق لك. السبب الوحيد أن البيانو لم يكن منخفضاً عن منصة الاحتفال، لأن هناك حافة كبيرة من الخشب تحمل هذه البيانو على المسرح.

فعندما تعزفين على اللوح الموسيقي، تجدين نفسك تلقائيا تنظرين صوب امرأة ترتدي الثوب الأحمر وبمقدورك سماع (خشخشة) عقد الجواهر، لمن يجلس في الصف الأمامي. خمس وتسعون بالمئة من الوقت هناك امرأة ترتدي الثوب الأحمر، ولا تنفك عن الحركة وعقد الجواهر يمكنك سماعه مع الموسيقى. حاولت أن أبقي عينا واحدة مغلقة حتى أتغاضى عن هذه الحركة ولكن أعتبره «فظاظة». فهذا اللون مربك جدا لمثل هكذا أداء. فهو أشبه ما يكون بـ(ميتادور) يحمل قطعة حمراء يجذب بها ثورا». وعن لزوجة البيانو أعربت أنّ أفضل البيانوهات ذلك الذي لا يكون لزجا كثيرا، إلى حد الالتصاق، خاصة وأن الجميع يستخدم الآن المفاتيح الموسيقية المصنوعة من البلاستيك، لا المصنوعة من العاج».


أوقات فراغ


حول سؤالها عن كيفية إغرائها لمستمع جديد للاستماع إلى مقطوعة بيتهوفن الرابعة المعزوفة بالبيانو، أي الكونشرتو؟ أكدت بقولها: «عندما تسألين أي عازف بيانو، أي من مقطوعات بيتهوفن الخمس تفضل، فإن الجواب المتوقع والبديهي يقول: الرابعة. فهي جزء من الأصالة، فيها من الروحية ما يصعب وصفه.. هي البشرية جمعاء، أتذكر (قائد الفرقة الموسيقية) كورت ساندرلينغ حينما قال: «أصوات وإيقاعات الحركة البطيئة، كما لو أنها ترسل لعنة على الأرض في مقطوعة الأوركسترا. مع العزف المنفرد للبيانو كأنك تردد صلاة رجاء، وكم هذا الأمر جميل». لأجل ذلك ربّما هي تعزفها مرة تلوى المرة، حيث ترى أنها ستعزفها أفضل، حيث تكون أقرب إلى مركزها (أي المعزوفة)، كطفل تماما، مضيفة: «عندما حللت قابليتي كانت النتيجة لا شيء وسأنتظر حلول هذه اللحظات». وعن هواياتها بعيدا عن الموسيقى قالت: «أحب أن لا أعمل أي شيء وأن أنظر إلى البحر.

لا يهم ما نوع هذا البحر. أحب أن أسبح في مياه مالحة»، وهي أيضا مدمنة برج فرنسا. وتشتري جريدة «الغارديان» و»الأوبزيرفر» لأن فيها السيد (ويليام فوثيرنكهام) وهو أفضل معد تقارير باللغة الإنكليزية، ومن جانب آخر فهي متابعة له في الـ(ليكيب، l`Equipe) على حدّ تصريحها، إضافة إلى عشقها لعبة السودوكو.

معترفة أنها غريبة الأطوار. إذ تقول: «فهي -أي هذه اللعبة- تبقي عقلك متيقظا، ولكن من دون الإحساس أو اليقظة لما يحصل، لأنها تشدك شدا. الرواية أعتبرها وسيلة إلهاء كبيرة، ولكن قراءة الشعر ممتعة».

كما أفادت أن جملة طقوسها خارج الموسيقى، هو التسكع في الجوار والبحث عن الـ(شاي دارجيلينك) في بداية توهجه، حيث تشتري أجود الأنواع لشربها، تشتري وجبة تكفيها لسنة كاملة، لحين حلول الموسم القادم. كا تعجبها الشوكولاتة البلجيكية والتي يعدها (بيري ماركولوني)، ولكن بشكل محدود. إذ تقول أنها لا يمكنها الحصول عليها هنا (أي لندن). بل يمكنها الحصول عليها من أصدقاء لها عندما يسافرون إلى بروكسيل. حيث تذوقت الكثير من أصناف الشوكولاتة في حياتها كلها.


الرجل العجوز


وفي المقابل أكدت أوشيدا أن أفضل شيء تنجزه هو العزف على البيانو، فعندما تكون في المنزل، تقضي كل الوقت مطوقة البيانو خاصتها. أصابعها لا تنفك تعزف ولا تشعر بالتعب مطلقا. «إنه ظهري، كتفاي وعقلي الذي يحتاج إلى راحة» هكذا وصفته. مؤكدة أنها تعيش في (نوتينغ هيل) وبصحبة الأستوديو الذي يحوي البيانو خاصتها، في وسط من الانتقال، ولم يتم الانفصال عنه أبدا.. وفي هذا الخصوص تقول: «نعم، فكل ما أريد فعله هو أمامي عبر الشارع، حاليا أمتلك أربع قطع بيانو، كلها من طراز (ستاين واي)، واحدة منهن أدعوها «الرجل العجوز»، فقد أنتجت هذه القطعة الفنية في عام 1962 وقد اشتريتها عام 1982. وهذه القطعة الآن فيها أجزاء جديدة، لكن الجسد كما هو».

وحول علاقتها بالأستوديو الذي تعتبره مكانها المقدس للاعتكاف، قالت: «هو مكان هادئ. معظم الأوقات لا أحد يدخله فيعكر صفو خلوتي، ولا أفضل الطعام أو الشراب غير الصحي. البيانو خاصتي والموسيقى فحسب. الكثيرون حاولوا توثيقه سينمائيا ويريدون دخوله. وأنا أقول (لا) .غالبا ما يغيّرون خططهم عندما يسمعون ذلك».

أوشيدا ولدت في اليابان، وترعرعت في فيينا وتعيش في لندن، الأمر الذي اعتبره البعض تشويشا ثقافيا.. وهي ما أكدته بطريقتها حين قالت: «نعم. لديّ ما يسمى ثلاث لغات أُم،وأنا لا أتقن أيُ واحدة منهن. فأنا أتكلم اليابانية مع أختي وابن عم لي، ومعظم الوقت أتحدث الإنكليزية. لكن لي لغة الموسيقى المفهومة التي أتواصل بها، وتفكيري موسيقي، فهي السلوك الذي تربيت عليه».

عن المخاطر التي تتعرض لها الموسيقى الكلاسيكية، أكدت بقولها أنها ثقافة مختصرة، فالموسيقى مثل عمل فني عظيم مركب ومتداخل في نفس الوقت، الكل بحاجته على الدوام، كما أفادت أنها لا تبالغ في الاعتناء بيديها، ما عدا في فصل الشتاء عندما تطقطق أصابعها من البرد، تستخدم حينها دهن (الفازلين) الذي تعتبره رخيصا جدا، ويؤدي عمله بشكل جيد.

وتختم لاعبة البيانو اليابانية ناصحة الموسيقيين الشباب بجملتين فقط: «استمع فحسب، ابق أذنيك مفتوحتين».

16