ميتش ماكونل الرجل الذي يحتفظ بمفتاح محكمة ترامب

الديمقراطيون يبدون استياءهم من تبني ماكونل لرغبات ترامب في إخفاء أخطائه ورفضه استدعاء المزيد من الشهود في قضية الرئيس.
السبت 2020/01/25
جمهوري مُرّ يقطع الطريق على الديمقراطيين

في اليوم التالي ليوم مارتن لوثر كينغ، وهو المناسبة الوطنية والشعبية التي يحتفي بها الأميركيون بذكرى الزعيم الأسود، والذي تعطل فيه الأعمال والدوائر الرسمية والحكومية في الولايات المتحدة، يوم الثلاثاء الـ21 من يناير 2020 بدأت جلسات محاكمة الرئيس دونالد ترامب في مجلس الشيوخ، تلك المحاكمة التاريخية لعزل الرئيس التي يديرها زعيم الأغلبية الجمهورية، السيناتور ميتش ماكونل.

وبينما يمثل مجلس الشيوخ الذي تحكمه الأغلبية الجمهورية موقع المحلّفين في هذه المحاكمة، سيمثل مجلس النواب “الكونغرس” منصة الادعاء، وتسيطر عليه الأغلبية الديمقراطية.

لم تكد المحاكمة تبدأ حتى انكشفت سلسلة من الخلافات الجوهرية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بخصوص الضوابط والنظم الإجرائية التي ستتحكم بسير هذه المحاكمة، إذ يتهم الديمقراطيون السيناتور أديسون ميتشل ماكونل بمحاولة التعجيل بتبرئة الرئيس عن طريق تكتيك معين يتبعه في صياغة ورقة الضوابط.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، يصف تبني ماكونل لرغبات ترامب في إخفاء أخطائه بـ"العار الوطني" الذي سيلاحق ماكونل ويلطخ تاريخه السياسي وسيسجل كيوم من أكثر الأيام ظلاماً في تاريخ مجلس الشيوخ

اجتمع مجلس الشيوخ في اليوم الأول من المحاكمة برئاسة القاضي الذي يترأس الجلسات وهو رئيس المحكمة العليا، جون روبرتز، وكانوا قد أدّوا قبل أيام القسم الدستوري بأن “يعملوا على إحقاق العدالة بنزاهة”. أما المرافعة التي قدمها طرف الادعاء – وهو في هذه الحالة مجلس النواب – فتتلخص بالقرار الاتهامي للرئيس ترامب في إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس.

السبب المباشر لاشتعال فتيل التراشق بالعبارات بين الطرفين، الأول الديمقراطي الداعم لعزل الرئيس والمتخوف من تمييع المحاكمة في مجلس الشيوخ، والطرف المقابل الجمهوري المؤمن ببراءته وبكيدية المحاكمة وتسييسها بيد مناوئيه، فهي لائحة ضوابط المحاكمة التي قدمها ميتش ماكونل.

برنامج ماكونل للمحاكمة تلخص بأن جلسات الاستماع تمتد فترة 24 ساعة للاتهام، ومثلها للدفاع، حيث سيقدم كل طرف مرافعته؛ والمدة التي تجري خلالها جلسات الاستماع هي ستة أيام كحد أقصى، وتضاف إليها 16 ساعة مخصصة لأسئلة أعضاء مجلس الشيوخ. وقد صرح ماكونل حال الإعلان عن برنامجه لجلسات محاكمة الرئيس واصفاً خطته بأنها “هي خارطة طريق عادلة لمحاكمتنا”.

كابوس الديمقراطيين

الجمهوريون يرون أن المحاكمة هي شكل من أشكال الكيد السياسي وبامتياز، ويراد منه التشويش على الانتخابات الرئاسية في العام 2020 التي انطلقت حملاتها بقوة عند الطرفين الجمهوري والديمقراطي في آن
الجمهوريون يرون أن المحاكمة هي شكل من أشكال الكيد السياسي وبامتياز، ويراد منه التشويش على الانتخابات الرئاسية في العام 2020 التي انطلقت حملاتها بقوة عند الطرفين الجمهوري والديمقراطي في آن

كان ماكونل قد رفض طلب مجلس النواب باستدعاء مزيد من الشهود وجمع مزيد من الأدلة لإبرازها في المحاكمة، ونوّه إلى ضرورة الاستماع للدفوع الافتتاحية في محاكمة ترامب كأولوية، وأنه سيتجنب إجراء أيّ تعديلات يطلبها الديمقراطيون خارج سياق الموضوعية، أو الأطر الناظمة للمحاكمة.

الجمهوريون يرون أن المحاكمة هي شكل من أشكال الكيد السياسي وبامتياز، ويراد منه التشويش على الانتخابات الرئاسية في العام 2020 التي انطلقت حملاتها بقوة عند الطرفين الجمهوري والديمقراطي في آن، وأنهم يسيرون حُكماً نحو نتيجة متوقعة وهي براءة الرئيس ودخوله أقوى وأكثر شعبية في معركة الانتخابات الرئاسية القادمة.

 وسيقود ماكونل الإجراءات القانونية في مجلس الشيوخ محاولاً التخفيف من رواسبها بالقدر الأكبر على سير العملية الانتخابية. ماكونل المولود في الـ20 من فبراير عام 1942 سياسي أميركي يشغل منصب عضو مجلس الشيوخ وزعيم الأغلبية الحالية الجمهورية في المجلس. وهو السيناتور الذي يقضي أطول مدة في هذا المنصب في التاريخ الأميركي، وكذلك هو الزعيم الجمهوري في مجلس الشيوخ لأطول فترة في زعامة المجلس.

مجلة تايم تصنف ماكونل كواحد من أكثر الشخصيات المؤثرة في العالم. بعد أن عمل خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، على حجب الدعم الجمهوري للمبادرات الرئاسية الكبرى

انتخب ماكونل لأول مرة عضواً في مجلس الشيوخ في العام 1984، وأعيد انتخابه خمس مرات منذ ذلك الوقت. خلال الدورتين الانتخابيتين لعامي 1998 و2000 كان رئيساً للجنة الوطنية الجمهورية في مجلس الشيوخ. في نوفمبر العام 2006، تم انتخابه “زعيم الأقلية” في مجلس الشيوخ وشغل هذا المنصب حتى العام 2015 عندما سيطر الجمهوريون على المجلس فأصبح “زعيم الأغلبية” في مجلس الشيوخ.

عرف ماكونل بأنه رجل سياسة براغماتي، وعضو حزبي جمهوري معتدل، وذلك في بداية حياته السياسية؛ لكنه تحول إلى اليمين مع مرور الوقت. قاد حملة ضد تشديد قوانين تمويل الحملات الانتخابية، وبلغت الحملة ذروتها في قرار المحكمة العليا الذي ألغى جزئياً قانون إصلاح حملات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في العام 2009.

خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، عمل ماكونل على حجب الدعم الجمهوري للمبادرات الرئاسية الكبرى، واستخدم بشكل متكرّر نظام الحجب؛ كما وقف ضد تسمية العديد من المرشحين القضائيين الذين رشحهم أوباما، بما في ذلك مرشح المحكمة العليا ميريك غارلاند؛ وقد وصف ماكونل في وقت لاحق قراره بإعاقة ترشيح غارلاند بأنه “القرار الأكثر توازناً ومنطقية بين القرارات التي اتخذتها في حياتي المهنية بأكملها”.

أدرجت مجلة تايم المرموقة اسم ميتش ماكونل في قائمتها للعام 2015 التي تضم أسماء المئة شخص الأكثر تأثيراً في العالم. وفي انتخابات 2016 الرئاسية أيد ماكونل المرشح راند بول في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين، وذلك قبل أن يدعم في النهاية المرشح، آنذاك، ترامب.

وخلال إدارة ترامب، قام الجمهوريون في مجلس الشيوخ، بقيادة ماكونل، بتحطيم الأرقام القياسية لعدد المرشحين القضائيين المثبتين؛ وكان من بين هؤلاء المرشحان نيل غورستش وبريت كافانو اللذان تم تثبيتهما في المحكمة العليا.

تحت جنح الظلام

أما الديمقراطيون فيتهمون السيناتور ماكونل بمحاولة التعجيل بتبرئة الرئيس عن طريق تكتيك معين يتّبعه في صياغة ورقة الضوابط، وتقييد إجراءات المحاكمة
أما الديمقراطيون فيتهمون السيناتور ماكونل بمحاولة التعجيل بتبرئة الرئيس عن طريق تكتيك معين يتّبعه في صياغة ورقة الضوابط، وتقييد إجراءات المحاكمة

حتى قبل الشروع بالإجراءات الرسمية لمحاكمة الرئيس، باشر الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ بشن حملة شرسة على ماكونل بسبب لائحة الضوابط التي قدمها والتي اعتبروها طوق نجاة يهديه زعيم الجمهوريين لترامب.

وينتقد الديمقراطيون بشدة التوقيت المتأخر الذي حدده ماكونل خلال اليوم لبدء الجلسات، ويعتبرون أن التوقيت مقصود بهدف التقليل من المتابعة للجلسات من قبل الشعب الأميركي حيث ستمتد على طول ساعات متأخرة من الليل كل يوم، الأمر الذي يقلل من معدل المشاهدات ولاسيما خلال أيام العمل الأسبوعي. كما أبدى الديمقراطيون استياءهم من رفض ماكونل استدعاء المزيد من الشهود في القضية واعتبروا في الأمر تدبيراً منه لحماية ترامب.

وقال عضو الكونغرس النائب الديمقراطي آدم شيف إن “هذه المحاكمة التي تخلو من الشهود أو الوثائق لن تثبت أن الرئيس بريء، بل ستؤكد فقط أن مجلس الشيوخ يتحمل المسؤولية مع الرئيس بالعمل على عرقلة ظهور الحقيقة”. وأضاف شيف “هذه ليست محاكمة عادلة إنما هي محاكمة مزوّرة، تهدف لحجب الأدلة عن الشعب الأميركي”.

أما زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، فقد وصف تبني ماكونل لرغبات ترامب في إخفاء أخطائه بصفة “العار الوطني الذي سيلاحق ماكونل ويلطّخ سجل تاريخه السياسي وسيسجل كيوم من أكثر الأيام ظلاماً في تاريخ مجلس الشيوخ”. وأبدى شومر امتعاضه الشديد من برنامج ماكونل الذي يتضمن عقد جلسات المحاكمة بشكل متواصل حتى وقت متأخر من الليل وقال “إذا كان الرئيس واثقاً من براءته فلماذا لا يعرض قضيته في وضح النهار؟”.

شعبية ترامب ترتفع

ماكونل سياسي براغماتي صعب المراس، يعدّ السيناتور والزعيم الجمهوري الذي احتفظ بهذا المنصب لأطول فترة
ماكونل سياسي براغماتي صعب المراس، يعدّ السيناتور والزعيم الجمهوري الذي احتفظ بهذا المنصب لأطول فترة

لا شك أن الجمهوريين يتحكمون تماماً بقوانين اللعبة وأوراقها خلال جلسات المحاكمة. فما زالت لديهم ورقة قوية جداً إذا قرروا استدعاء المزيد من الشهود خلال الجلسات. هؤلاء الشهود هم من اختارهم البيت الأبيض ووافق على حضورهم الجلسات للشهادة، رغم أن بعض الشهادات لن تقدّم أو تؤخر في إدانة ترامب أو تبرئته.

وأعرب الجمهوريون في أكثر من مناسبة عن رغبتهم، في حال قرروا استدعاء شهود، أن يتم استدعاء رجل الأعمال هانتر بايدن ابن المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن، والذي كان محور الحوار الذي دار بين ترامب ونظيره الأوكراني فلوديمير زيلينسكي.

وخلال الاتصال الهاتفي طلب ترامب أن تقوم كييف بإجراء تحقيق بشرعية أعمال هانتر بايدن في شركة أوكرانية للطاقة، وذلك سعياً من الرئيس ترامب لوصم سمعة خصمه الديمقراطي في انتخابات 2020. يرى هؤلاء أيضاً أنه من الضروري استدعاء الشخص الذي تنصّت على مكالمة الرئيس مع زيلينسكي، وقام بالتبليغ عن فحوى المكالمة، الأمر الذي أدى إلى اتهام الرئيس بسوء استخدام سلطته بالطلب من دولة أجنبية جمع معلومات للتأثير في سير الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة.

ومن المتوقع إذا ما تم استدعاء هذا الشخص الذي قام بالتبليغ عن المكالمة أن تحدث خلافات كبيرة وعميقة بين الطرفين الجمهوري والديمقراطي لما سيتكشف عنه خلال الشهادة من دوافع وآليات اتبعت في هذا السياق.

يعرف الديمقراطيون جيداً، وعلى رأسهم زعيمتهم، نانسي بيلوسي وهي الأشد حماساً وتشدداً في موضوع عزل الرئيس إثر محاكمته، أن المحاكمة لن تكون باليسر الذي يتصورونه، وأنها ستكشف الكثير من الحقائق عن حيثيات اتهامهم لترامب. كما أنهم يدركون أن الأغلبية الجمهورية ستعرقل أيّ تفصيل يمكن أن يؤدي إلى عزل الرئيس كونها تملك السيطرة بأغلبية العدد على المجلس.

وأخيراً، فإن رياح هذه المحاكمة جاءت بعكس ما تشتهي سفن الديمقراطيين، لاسيما بعد أن ارتفعت شعبية ترامب إلى حدها الأقصى حيث تمكّن من القضاء على رأسيْ الإرهاب والتطرف السياسي والديني في الشرق الأوسط وهما أبوبكر البغدادي زعيم داعش وقاسم سليماني قائد العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني.

وتشير الإحصاءات إلى أن حملة الرئيس ترامب جمعت مبلغاً غير مسبوق في تاريخ الحملات الأميركية بلغ حتى أكتوبر 2019 ما قيمته 125 مليون دولار محققة فائضاً مالياً يرفع من منسوب حماس الجمهوريين لخوض غمار الانتخابات مع مرشحهم ترامب ونائبه مايك بنس نحو فترة رئاسية جديدة للجمهوريين تمتد حتى العام 2024.

12