ميثاق إعلام مثالي يبحث عمن يطبقه في القنوات العراقية

خرج “ميثاق الإعلام الوطني للتعايش السلمي” إلى النور بعد اتفاق كبار الإعلاميين والصحافيين العراقيين على الحاجة الماسة لإشراك الإعلام في خطط المصالحة الوطنية في مرحلة ما بعد داعش، لكن مصيره يكتنفه الغموض مع انتشار مشاكل مزمنة في وسائل الإعلام في مقدمتها التحريض والطائفية والمذهبية.
الأربعاء 2017/09/27
الإعلاميون أحد أدوات المصالحة الوطنية

لندن - تبنّى كبار الإعلاميين في العراق "ميثاق الإعلام الوطني للتعايش السلمي"، وما خلص إليه من شروط مثالية تحوّل الإعلام إلى منبر للتسامح والوطنية والانفتاح على الآخر، لكن التساؤل بقي مطروحا، هل سيجد هذا الميثاق طريقه إلى التنفيذ في القنوات الفضائية التي تمارس كل ما يخالف بنود الميثاق؟

واجتمع أكثرُ من 60 ممثلا لوسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية في مؤتمر عُقد في بغداد بهدف دعم عملية المصالحة الوطنية في مرحلة ما بعد داعش تحت شعار “الإعلام يعزز التعايش والمصالحة”، وأعرب المجتمعون عن وجهات نظرهم وشواغلهم بشأن دور الخطاب الإعلامي وسياساته في تعزيز التعايش والمصالحة في العراق، وناقشوا سبل المضي قُدماً في هذا الاتجاه.

وتثير عبارة "ما بعد داعش" حماسا كبيرا لدى الإعلاميين العرب عموما وبشكل خاص العراقيين، حيث ينظر الكثيرين إليها بأمل لتجاوز كابوس التنظيم المتطرف الذي ألقى بظلاله على الإعلام العراقي وساهم في تكريس الانقسام والخلاف في البرامج التلفزيونية التي حفلت بمشاهد التناحر والصراعات بين الضيوف المنتمين إلى تيارات مختلفة، إضافة إلى ما جاد به بعض الإعلاميين من مصطلحات طائفية ومذهبية وتحريض على العنف والقتل وتبادل الشتائم بحجة اتهام الخصوم ومنهم الإعلاميون بالانتماء أو التسبب بانتشار هذا التنظيم، فكان الإعلام في السنوات الماضية أبعد ما يكون عن تعزيز التعايش والمصالحة الوطنية، وفق ما أكدت الدراسات والتقارير الإخبارية في العراق.

وقال زعيم نصار الذي أدار جلسة المؤتمر "يحتاج الخطاب الإعلامي، على مستوى المصطلح والدلالة الخبرية والتقريرية والحوارية والبرامجية، إلى ميثاق وطني وأخلاقي يضمن إقصاء مفردات ومضامين التناشز العرقي والتضاد الطائفي والتمييز بكل أنواعه الذي يفترس الحياة المجتمعية، ميثاق يعزّز قبول الآخر والتسامح والتعايش السلمي".

حسين العادلي: هدف المؤتمر هو تحميل الإعلام مسؤولية إشاعة التعايش والاستقرار

وأضاف “واضح من خلال ديباجة الميثاق ما للإعلام من دور بارز وحيوي في تعزيز السلم الأهلي والابتعاد عن كل ما يعكّر ثقافة السلام”.

وعقد المؤتمر الأحد، برعاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي"، وبدعم من حكومتي هولندا وألمانيا، وخلص إلى التوافق على 10 نقاط مع التأكيد على الالتزام بها من قبل الصحافيين والمؤسسات الإعلامية كافة.

ومن أبرز ما تضمّنه الميثاق الالتزام بالقوانين المرعية وعدم محاباة الساسة وأصحاب المصالح الخاصة واحترام حق الجمهور في الحصول على المعلومات وعدم التمييز بجميع أشكاله وصيغه واحترام حرية الفكر والمعتقد والتعبير وتعزيز التواصل بين المؤسسة الإعلامية والجمهور.

وتأمل الحكومة من خلال هذا المؤتمر أن يساهم الإعلاميون بدور فاعل في المصالحة، حيث أكد مستشار رئيس لجنة متابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية حسين العادلي على أهمية الشراكة بين الحكومة ووسائل الإعلام في تعزيز المصالحة الوطنية، وقال إن "الإعلام يحتل مركزا متقدّما لصناعة اتجاهات الرأي العام".

وأضاف أنّ "خلق شراكة مع الإعلام سيُسهم في ترشيد الواقع السياسي والمجتمعي صوب المصالحة الشاملة والتسوية العادلة القادرة على إحلال السلام المستدام، منوها أن على النخب والمؤسسات الإعلامية استشعار المسؤولية الوطنية بالتعاطي مع قضايا الدولة الكبرى. ويأتي تنظيم هذا المؤتمر الهادف إلى الخروج بميثاق إعلام وطني للتعايش السلمي لتحمبل الإعلام مسؤولية إشاعة التعايش وتحقيق الاستقرار المنشود".

ويدعو الميثاق إلى الالتزام بتحرّي الحقيقة ونقل الوقائع بصدقٍ والتقيّد بالنزاهة المهنية والعمل بموجب مصلحة الجمهور وتغليبها على مصلحة المؤسسة الإعلامية أو المصلحة الشخصية للإعلامي.

كما يعزّزُ الميثاق، قيمَ التسامح وقبول الآخر، ويدعو إلى الامتناع عن نشر أيّ مادة تدعم التطرف أو تشجّع على الجريمة أو العنف أو خطاب الكراهية، أو تسهمُ بالتحريض الديني أو الطائفي أو الإثني أو المناطقي.

وينصّ أيضا على أن يتجنّب الإعلاميون القدح والذم والتضليل الإعلامي، وأن ينشروا قيم السلم الوطني والعالمي وأن يسهموا في خلق مناخات التسوية السياسية والمصالحة الشاملة.

بدوره، شدّد نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق للشؤون السياسية جورجي بوستين على الدور الذي يمكن لوسائل الإعلام أن تؤديه في المصالحة الوطنية والتأثير في الرأي العام.

وقال أن "الميثاق من شأنه تأسيس إعلام يقوم على التعايش السلمي والتآخي، واحترام التنوع والاختلاف، واحترام هوية الآخر، ونبذ أفكار التمييز والتفريق على أساس العرق والطائفة والجنس". وأضاف أن هذا الميثاق لا يعني الإخلال بالمهمة الصحافية التي من شأنها نقلُ الحقيقة.

ويرى متابعون أنّ اجتماع مجموعة من الإعلاميين للاتفاق على ميثاق مهني، لا يعتبر أمرا كافيا لحل مشاكل الإعلام العراقي المستعصية، لا سيما مع عدم وجود قوانين ملزمة لوسائل الإعلام بتنفيذ توصيات الميثاق. وأضافوا أن الكثير من الندوات والمؤتمرات عقدت وجاءت بمقترحات وتوصيات مماثلة، لكنها دخلت طيّ النسيان مع انتهاء هذه المؤتمرات.

18