ميثاق الفشل: سباق نحو المجهول

الأحد 2014/06/29
جرى التعامل مع الفشل باعتباره ميثاقاً تاريخياً

جاء نابليون ” أم جيء به ؟ ” إلى العالم العربي بادئاً بالبوابة الحصينة الكبرى ” مصر ” في نهاية القرن الثامن عشر، ولم يمض عليه سوى ثلاث سنوات، حتى مضى مدحوراً، ليثبت فشله في الانطلاق إلى العمق العربي – الإسلامي ” أم ليثبت أن ما جاء من أجله قد أُنجز كما ينبغي عملياً، ليُنظر في أمره في سلسلة “فشلات ” لاحقة هي المطلوبة أساساً؟ وأن زعم استمرار حوار الشرق- الغرب مؤجل إلى إشعار آخر وآخر، أبعد من كونه حوار الحضارات واقعاً، ليخلّف وراءه إرثاً من التناقضات، هي واقع محمي ما، رغم قِصر مدة البقاء.

جاء محمد علي العثماني الألباني” الكوردي أصلاً ” فيما بعد ” أم جيء به يا تُرى؟” ليحكم مصر مع مطلع القرن التاسع عشر، وليثبت تاريخاً يحمل دمغته، قرابة قرن ونصف قرن حتى نهاية ” ولاية ” الملك فاروق القسرية سنة 1952، ورغم محاولات التنوير والمجابهات في الشرق والغرب، والبعثات العلمية و” الاستكشافية ” جهة الغرب مع الطهطاوي، ورموز الفكر والثقافة، ليثبت هو الآخر على طريقته أن سلطة ” الانحطاط ” الشغالة في المتن التاريخي للمنطقة ومنذ قرون مديدة، لها قوتها في نفاذ الصيت ترجمةَ أحوال فولكلورية لفشل آخر، مغاير يحمل بصمة الزمكان، إنما هو أهليّ بأكثر من معنى، كما لو أن انبعاث ” الغرب المتنور” لا إمكان لمنافسته أو مجاراته أو التعلم منه للخروج من نفق تاريخي رطب، وأن ماضياً يشد مستقبلاً إليه يَحول دون التحرر من “ذاكرة الآبائية الضارية بمركّبها الديني الدنيوي “.

خرجت سلسلة الاحتلالات الغربية البغيضة إثر الاحتلال ” الشرقي العثماني البغيض” باعتبارها احتلالات في النهاية، كما لو أنها كانت معنية بأخلاقية الفشل وحكمته وقدرته على لعب أكثر من دور يخدم العقليات المفعلة للاحتلالات تلك، وليكون لنا مع هذا النوع من الفشل “المتحول ” عهود وثقافات ورموز تدأب على تفعيله وتأصيله بمسميات تحديثية وتوريثية.

جاءت الأنظمة” الوطنية ” تباعاً ” أم تراها جيء بها هي الأخرى كذلك؟”، لتكون قادرة بما لا يعقَل أحياناً في العمق، على تقديم مشاريع لها علاقات” قربى- قرابة ” بالفشل الذي يبقي الغرب المعنون ممضياً على “هرقليّته” الماضية، والشرق ممضياً هو الآخر على ” عنتريات ” محلية تعني السلط المستولدة والمهجنة، ليكون لدينا لقاء ” شقاء ” دون إعلان رسمي وفعلي عنه، إنما هو صنعة المجاز المقلقة والتي تتطلب المزيد من التحري “الآثاري” الفقهي لسلطته اللغوية وما يتعداها، لجعل المنطقة مستقطرَة بالفشل ومدمجة به بأنظمة تشغيل شتى، أي يكون لدينا فشل من جينة ” وطني “، أو “مهماز قومي”، جماهيري، شعبوي، يُتفنَّن فيه هنا وهناك.

مع نشوء المسماة بـ"الأنظمة الوطنية" وليس سواها في الحالة هذه، جرى التعامل مع الفشل باعتباره ميثاقاً تاريخياً، وربما أبدياً

مع نشوء المسماة بـ” الأنظمة الوطنية ” وليس سواها في الحالة هذه، جرى التعامل مع الفشل باعتباره ميثاقاً تاريخياً، وربما أبدياً، جرّاء المزمن فيه وانسداد أفق التحول النوعي، حيث بات كل ما يمكن التفكير فيه نسيج فشل أو سرديته الكبرى، كما لو أن الأمة بذاتها ليست أكثر من حاضنة الفشل ومرعية به، كما لو أن المجابهات الحدودية، وتعقبات الأدواء الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية مسنودة بهذا الفشل الذي يدخل في نطاق ” الفتنة المقدسة” كما حاولت تعقب جذوره ذات يوم في كتابي” الفتنة المقدسة: عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية- رياض الريس، بيروت، 1999″، ليكون الفشل من ذات النسخة” فتنة الفشل “، وليس “فشل الفتنة “، ليكون كل ما أمكن ويمكن القيام به على مستوى التنظير والتخطيط والكتابة وحتى الإبداع في هذه اللاّسياقية المفتوحة في سباق بيني برعاية الفشل ومن أجله.

ولو أننا ساءلنا ذهنية الفشل وأدبياته، لهالنا المرئي واللامرئي فيه، انطلاقاً مما أريدَ القيام به، وبقي في عهدة” الرجال الجوَّف- أربعاء الرماد ” على مستوى أولي الأمر دون النساء فعلاً، وتلعب القدوة المنظورة والمنمذجة والمأمثلة هي الفاعلة والجاري تداولها وحراستها وتنميتها، ليكون كل ما يكتب ويقال، وإن على أعلى درجة من الوعي التنويري والإبداع مدرجاً في حيّز هذا الفشل ” الأخطبوطي ” الذي يجري إرضاؤه أو استرضاء القيم عليه بصور متنوعة.

دون ذلك: كيف يمكننا مقاربة هذا التخبط ؟” وهو تخطيط من نوع آخر ” في الواقع العربي، الإسلامي، وعلى مستوى الكم اللامحدود من الأسماء والألقاب للأحزاب والتنظيمات والجمعيات والروابط والمواقع والجمعيات وهي في تنافس يسهل التوقف عنده، ويصعب تحري أصوله نظراً لكثرتها وقابليتها على الانتعاش والانتاش والتجدد بصيغ لا تحصى.

أليس هذا الفشل الجدير بالتسمية والتحري لتاريخه التليد، معاشاً بالصوت والصورة من خلال هذا” العود الأبدي- الدائري طبعاً “، والذي يحتّم الرجوع إلى ذات المرجعية المقدسة رغم اختلاف الأسماء ؟ أليس لأن هناك مغذيات ومكافآت تعمل ليل نهار لجعل الفشل ميثاقاً ومقياساً على البقاء؟ وتكون لدينا بطولات ومنافسات بطولات أمّة لجعله عنواناً معتبرَاً.

إنه ميثاق غير موقع عليه، وهذا يمنحه القدرة على التلون والاستقطاب والتباري بالنسبة لفشل معمم يستوجب الاعتراف بوجوده

كيف يمكن مكاشفة هذا الزخم المريع من مشهديات الحياة اليومية إسلامياً وعربياً قبل كل شيء؟ حيث الأصول تقارع الأصول، والأمة ذاتها تطارد الأمة في نسَخ تتجابه بأصل ليس له أي قيمومة، بقدر ما يبقيه الشريد والطارئ الملفوظ.

كيف يمكن استشراف هذا الرعب الدامي والمخيف فيما يجري عربياً باسم الدين والقومية والأمة؟ في بلاد مسنودة بالثراء القاعدي، ولكنها منقادة بالعنف الذي يستهلك الثراء القاعدي، الأرضي العميق؟ كما في سوريا راهناً، أكثر من أي فيلم رعب أميركي، إذ أن حرباً كونية تدار هنا، في بلاد تكاد تتصحر، وعباد على وشك الانقراض، بحيث ليس في الوسع البتة الحديث عن أي ضبط، بالعكس، صار المعيار هو: من يكون الأكثر قدرة على توليد العنف وتنشيطه؟!

بالنسبة إلى مفهوم ” الثورة ” ذاتها، يجد الفشل في أكثر حالاته استواء واغتباط قيمة، لأن العبرة ليست فيما هو معمول من أجله تحديداً، إنما فيما يجري التحرك باسمه، وأجندة هذا الفعل الذي يوسم بالثوري، بما أن المتاح ينفتح على كل ما هو مُعد وفي طور التحول نحو الأسوأ فالأكثر سوءاً بالمقابل.

هذا لا يبرّر للسلطة إطلاقاً ما تقوم به من عنف مدمر على مستوى البلاد وخارجها، إنما هو إمكان تفهم أو استيعاب الخارطة القائمة للفشل في الجهات الأربع، كما لو أننا إزاء شعار تهكمي ومؤلم: من لا يعمل من أجل الفشل فليسكت!

وليس الحديث عن المقارنة إلا وجهاً آخر من وجوه لا تحصى لعين الفشل، لأن ما يُرى واقعاً لا يفيد في تعقب ذيول الأزمة “إذا عادت أزمة بعد هذا الخراب الكارثي ؟!”، إنما هو مسعى توسيع رقعة المفهوم، واللغة التي يُتكلَّم بها في البيت والشارع والمؤسسة ” أي مؤسسة ؟” والمضمار الإعلامي وسواه، لمعاينة الفشل وكيف يُراعى ويعطى امتيازاً، وعلى أعلى مستوى، حيث لا سلطة يحتكَم إليها، ولا قانون يمكن النظر فيه، أو دستور يوضع على الطاولة كمرجع لما هو قائم، وهو فلتان الواقع وليس بفلتان أيضاً، لأن ثمة من يستمر في ضبط ساعته، وينطلق من روزنامة يومية، ويتابع الأخبار اعتماداً على قنوات ومواقع لا تحصى، سوى أن الذي تجري برمجته ورفده واعتباره الاستثناء القاعدي هو: الفشل .

أتُرانا في الحالة هذه داخلين بالمقابل في لعبة دعائية لذات الفشل أم ساعين إلى لفت النظر لكشف حقيقته، لنعمق أصوله أكثر؟

لا جواب قطعياً في هذه الكتابة اللاسياقية المرئية تجاوباً مع لعبته، خوف الوقوع في فخ سياق يعني الفشل تماماً، إنما الإلحاح على إمعان النظر في التربة التي نتحرك عليها، وقدرتنا اللافتة على الانتحار البطيء، أو التقاتل الذاتي، ويقيننا بفتنة الفشل الذي لا أحد يسميه باسمه، إنما ما يخص النقيض، ليكون أهلاً لأن يتقدم في أي اتجاه، وهو لا يقوم إلا بما يشده إلى الوراء، أي العمل على “خيانة النقيض “، وهو إجراء تفاوتي يشمل الجميع، لعل “الجميع ” هذا يكون أكثر استطاعة على رؤية ما ينظر به ويتمراه ويريد الوصول إليه في إرادة دمار متعدد الأبعاد بالتأكيد في ضوء المعاش.

ميثاق الفشل! لا يعدو أن يكون فشل هذا التاريخ المُتبَنى والذي يراد له أن يدوَّن خلافاً، واستمرار المعتبر “محظوراً ” و”لا مفكراً فيه”، إيماناً بفاعلية المومأ إليه: الفشل، فلا تكون لدينا هيرارشية ” تراتبية ” إنما استواء جمعي مأخوذ بشهوة الفشل حقاً.

إنه ميثاق غير موقّع عليه، وهذا يمنحه القدرة على التلون والاستقطاب والتباري بالنسبة إلى فشل معمّم يستوجب الاعتراف بوجوده ليكون في الوسع تحديد بداية ما وتبين قواه الكامنة والفاعلة فينا ومن حولنا، عن قرب وعن بُعد..

11