ميخائيل لودرز الذي رأى أن الإرهاب في الشرق الأوسط بدأته أميركا مع الخميني

السبت 2015/11/21
ألماني بحث في جذور التطرف والمصالح الاستراتيجية للقوى العظمى

بروكسل - الإرهاب، ربَّما هو الكلمةُ الأكثر تداولاً اليوم في أحاديث السياسيين والخبراء وضيوف شاشات الإعلام العالمي، سواء في نشرات الأخبار أو عبر البرامج المتعددة، دعوات الحوار أيضاً يتم إطلاقها تباعاً في ظل المشهد المعقّد، هذه الحالة يصفها الخبير الألماني ميخائيل لودرز بالمأزق الخطير.

المأزق الذي بدأ منذ سنوات بعيدة، فرض خيوطه اليوم على الساحة العربية بصفتها منبع الفعل والفكر الذي أدّى إلى انتشار الإرهاب في عواصم عديدة من العالم.

لودرز في دمشق

الإرهاب يتّخذ صوراً عديدة بين الشرق والغرب في الفكر والأسلوب وآليات العمل، لكنّهُ يتقاطع في الجغرافيا الممتدة عبر البحار لخدمة المشروع التدميري الذي يهدف إلى إلغاء الآخر، هذا الفعل لم يكن وليد اللحظة الراهنة بل نتج عن دعم الولايات المتحدة الأميركية لما عُرف في ما بعد بـ”الثورة الإسلامية” التي أطاحت بحكومة مصدق، وأنهت نظاماً حكم طهران عقوداً طويلة ليحلَّ محلّه نظام ديني عمل على تصدير الثورة وإرسال شعاعها خارج الحدود، وفي سبيل ذلك خاض ويخوض حروبه السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.

بهذه الفلسفة العميقة يلج الألماني ميخائيل لودرز بوصفه خبيراً في قضايا الشرق الأوسط إلى أصل التعقيد وجذوته من خلال عملية تفكيك وتركيب ممنهجة للتاريخ المشترك بين دول الشرق، بأعراقها وطوائفها وانتماءاتها كافة.

يمكن ملاحظة تحليلاته العديدة للشأن العربي وارتباطاته بالملفات العالمية عبر العديد من المؤلفات والمقالات فضلاً عن ظهوره المكثّف من خلال إطلالات مدروسة عبر وسائل الإعلام الألمانية والعربية، الرجلُ الضليع بمعرفة خبايا الشرق وسياساته وتقلّباته وُلد في مدينة بريمن الألمانية عام 1959 وأنهى دراساته العميقة هناك قبل أن ينتقل إلى العاصمة السورية دمشق ليدرس الأدب العربي.

عرف لودرز أن دمشق وجهة ممتازة لطالبي تعلّم العربية وآدابها، والباحثين في قضايا الشرق الأوسط، وفور عودتِه مُحمّلاً بسحر الشام انشغل بإكمال أبحاثه في العلوم الإسلامية والعلوم السياسية والإعلام ليحصل على درجات أكاديمية مرموقة في تخصّصات عديدة، معرفته الموسوعية اعتمد فيها على التراكمية في الأبحاث وتنوّع العلوم ومصادرها فكانت صورة الشرق حاضرة لديه في كل خطوة، تلك الصورة التي درسها في اتجاهات عديدة كان آخرها أطروحته عن السينما المصرية.

استطاع من خلال تلك الصورة رؤية ما يحدث هناك بعيداً عن تعقيدات المناصب الحكومية والسياسية، فاشتغاله في العمل الصحفي من خلال تعيينه مراسلاً لشؤون الشرق الأوسط لصالح جريدة “دي تسايت” الصادرة في هامبورغ ثم انتقالَه إلى برلين العاصمة متفرّغاً ككاتبومستشار في العديد من المؤسسات الإعلامية، مكَّنه من البقاء في دائرة رصد الحدث بعيون مغايرة لمصلحة السياسة التي تحكمها قيود عديدة.

الحركة الاحتجاجية في إيران اتخذت طابعا دينيا بعد إسقاط الأميركيين لحكومة مصدق وتمكين الشاه، وأدت إلى ظهور ما عرف بثورة إسلامية

الحركات المتطرفة والربيع

لودرز طرحَ مؤخراً رؤيته لنشوء التطرُّف في الشرق ووصولِه إلى الغرب، حيث ربط ذلك عائداً إلى تاريخ المنطقة القريب، ذلك التاريخ الذي ترك آثاره على الحاضر الآني في مفارقات كثيرة بدأت بالدعم الأميركي للحركة الاحتجاجية التي سيطر عليها التيار الديني في إيران ضدَّ حكومة مصدق، وصولاً إلى نظامٍ إقصائي يسعى لبث الخراب حوله وفي أيّ مكان تصل له أياديه، خراب سبَّبه اشتراك ضباطٍ إيرانيين بقيادة فرق عسكرية للجيش السوري في معاركه ضد الشعب الثائر على السلطة، يتناوله لودرز من خلال إدانةِ واشنطن التي تتابع بصمت ما يحدث دون أيّ تدخل، فالتمدد الإيراني بأشكال مختلفة يراه الرجل تصديراً للثورة وفكرها.

لا شكَّ أن الربيع العربي الذي بدأ بتونس ولم ينتهِ حتى اليوم، كان موضوعاً ملهماً لميخائيل لودرز الذي خبر التعامل مع المنطقة العربية حيثُ سارع إلى إصدار كتابه “أيام الغضب” الذي علّقت عليه دار النشر بأنَّ التحولات التاريخية العظيمة تحدث دون سابق إنذار في إشارةٍ إلى ما يحدث في المنطقة العربية مع ربيع 2011، فقد حاول لودرز في الكتاب شرح ماذا تعني الثورات العربية لأوروبا في تهشيمٍ واضح للصورة النمطية عن المنطقة العربية في الذهن الأوروبي، داعياً في ذات الوقت إلى الوقوف إلى جانب حق الشعوب المقموعة تحت نير المستبدين في الشرق وتطلُعاتها إلى الحرية والديمقراطية.

بدا لودرز واضحاً في كتابِه الذي تناول فيه تغيُّرات المشهد المتسارع في دول الشرق العربي، مواصلاً فهمه العميق لكل ما يحدث وتبعات المآل الصعب الذي ينتظر انسداد أُفق الثورات، فراح في ما بعد يحلِّل ويناقش أسباب ظهور التطرف في ليبيا وسوريا واليمن مثالاً، واضعاً بعض النقاط الرئيسة حول النشوء والتطور والمستقبل.

بلغةٍ صحفيَّةٍ يتناول لودرز الربيع العربي من حيث الأسباب والمقدمات والنتائج، ودور الإسلام السياسي في الوعي الجمعي الذي يرى في العقيدة الإسلامية منهجاً للحياة، من هذه النقطة ظهر متوقعاً للمآلات الخطيرة في الدول التي شهدت ثوراتُها انحرافاتٍ عميقة في توجّهاتها.

العودة إلى التاريخ

لم يكن غريباً على لودرز أن يعود إلى التاريخ لفهمِ ما يجري في الحاضر من خلال إجراء مقارباتٍ حقيقية مع الماضي القريب، حيثُ كان الأرشيفُ جاهزاً للعودة إليه واستخراج ما يمكن سحبه على الحالة الراهنة، فتوقّع ضربات جوية تشنُّها واشنطن على معاقل دولة العراق والشام الإسلامية مُستغرباً حينها من تقاربٍ قائم بين الولايات المتحدة وإيران تجاه هذا الملف، بينما تغض واشنطن الطرف عن تصرفات طهران في بغداد ودمشق على حدٍّ سواء.

التورط العسكري لجهات عديدة في مشهد الشرق الأوسط يراه لودرز منفصلا عن المسارات السياسية

هذا التقارب لا يراه لودرز منفصلا عن المشهد العام الذي يضمّ الأكراد والأقليات الدينية والدور التركي في كل ذلك، المنطقةُ عند لودرز متَّحدة المصير والمستقبل وحاضرها هو من يفرض صورة الأيام المتعاقبة فيها بارتكازٍ كبير على الإرث الماضي و تبعاته.

يتساءل ميخائيل لودرز عمَّا يجبُ تقديمه للسُنّة الذين يقعون بين فكَّي الأنظمة الاستبدادية وتنظيم الدولة الإسلامية، فالسؤال هنا حاسم، حيثُ لا يمكن من دونهم، هزيمة التنظيم الذي يتمدّد يوماً بعد يوم في ظل التمدد الإيراني ومؤازريه في صفوف السياسيين سواء في بغداد أو دمشق على وجه الخصوص، فالقضية هنا تتعلق بالوجود والدفاع عنه في وجه من يريد إلغاء ذاك الوجود “السُنِّي”.

هو هنا لا يبرِّر ولا يعيد تكرار تهمة وجود حاضنة شعبية في المناطق ذات الطابع السني لتنظيم داعش، بقدر ما يحاول أن يرسم الصورة للمشهد القائم في ظل تخلّي الجميع عن هؤلاء الذين يسمعون الوعود دائماً بالانتصار رغم تعرّضهم لحالات إبادة حقيقية في مناطق مختلفة.

هذه الصورة يضعها ميخائيل لودرز أمام السياسيين الأوروبيين الذين يُشكِّل لهم إرهاب التنظيمات الإسلامية عقدة حقيقية، بينما يتغاضون عن الدور والأحلام الإيرانية في المنطقة، بل ذهبوا أبعد من ذلك إلى عقد الصفقات المستعصية سنين طويلة مع طهران اقتناصاً للحظة تاريخيَّةٍ تسعى فيها إيران إلى ترسيخ وجودها ضمن فرض سياسة الأمر الواقع.

لا شكَّ أن اللغة العربية التي يُتقنها ميخائيل لودرز تعطيه قدرة على مخاطبة العقل العربي والولوج بشكل أو بآخر إلى أدق التفاصيل في النمطية الذهنية العربية التي تحاول جاهدة نبذ تهمة الإرهاب عنها، وإسقاطِ حال الإرباك التي يتعامل بها الآخر أو يتَّخذها وسيلة للتواصل معها، فضلاً عن دراساته المعمَّقة في العلوم الإنسانية والإسلامية، تلك التي أعطتهُ بعداً آخراً للقدرة على تحليل الخطاب الذاتي التي تُصدِرُه الجماعات المُقاتلة في سوريا والعراق، وكل هذا أضاف له قراءات تاريخية معمّقة تتعلق بالصراعات في الشرق واتجاهاتها العديدة في بنية الامتداد الجغرافي ضمن تنوُّعِه العام في أعراق وطوائف وإثنيات تفرض وجودها على أساس المحاصصة في الاوطان منذ انطلاق ثورات الربيع العربي التي داهمت الجميع كما يصفها لودرز.

ميخائيل لودرز يتميز برؤية مختلفة عن الشرق الأوسط، مكنته من التعامل مع قضايا المنطقة العربية عبر ملفات عديدة، حيث سارع إلى إصدار كتابه (أيام الغضب) الذي حاول فيه لودرز شرح ماذا تعني الثورات العربية لأوروبا

نحن هنا أمام حالة أوروبية قادرة على تحقيق الخطاب الذكي و تحليله من خلال ارتكازات تشبِهُ إلى حدٍّ بعيد الارتكازات العربية العامة في خطاب الآخر مع فهمٍ حقيقي للذهنية الأوروبية ومخاوفها من كلِ ما هو قادمٌ من الشرق، لذا نرى لودرز يبتعد عن العواطف في قراءتِه للمشاهد المتعاقبة سواء كانت سياسية أم عسكرية، فما يفرض نفسهُ أمام الرجل يقولُه بناء على مُعطيات الحالة.

السياسة والعسكرة

رغمَ التورط العسكري من جهاتٍ عديدة في مشهد الشرق الأوسط إلا أنَّ لودرز في أحاديثِه كان قادراً على الفصل بين مسارين الأول سياسي والثاني عسكري، فالثاني اعتبرَهُ لودرز طارئا وآني بينما الأول أي السياسي فهو ثابتٌ خاضع لمقولات المصالح المختلفة للأطراف المتقاتلة وحلفائها، هذا المنهج في البحث لم يقتصر فقط على قراءاته في مشهد الشرق الأوسط بل تعداه إلى أبحاثه العديدة وإصداراتِه المتنوعة في إعادة فهمِ ما هو قائمٌ على أساس الفهم التاريخي لأسباب النشوء، تلك الأسباب التي فرضَت نفسَها في طبيعة الحال بوصفها حدثاً أيضاً!

الحدث الذي ارتبط مع الإرهاب لم يتركه لودرز في عبثيَّةِ القول مُحاطاً بكثير من علامات الاستفهام بل طرح نظريته القائمة على التورط العالمي في نشأة هذا الإرهاب الطارئ، التورط كان في البداية حين دعمَت واشنطن دكتاتورية الشاه ثم الإطاحة به، لينشأ النظام الإقصائي الذي يسعى لنشر الخراب في الشرق الأوسط من خلال ميليشيات طائفية امتهنت القتل، ليبقى السؤال يلحّ على متابعي ميخائيل لودرز حول عدم اشتغالِه في الدائرة السياسية الألمانية أو الأوروبية واكتفائِه بمتابعة الأحداث وتحليلها والتعليق عليها.

12