ميدان رمسيس في القاهرة.. الذاكرة تشكو من فوضى الحاضر

ميدان رمسيس لا يعدّ فقط أحد أهم الميادين الواقعة في قلب القاهرة وأشدها ازدحاما، بل هو شريان تضخّ عبره دماء الحياة بالعاصمة المصريّة، وتتفرّع عنه أهمّ شوارعها وأطولها. كما يضمّ الميدان محطة القطارات المركزية التي ينطلق منها العابرون إلى محافظات مصر جميعها.. غير أنّه يشكو من فقدان بعض معالمه الحضارية، وخاصة من انتشار العشوائيات والفوضى المستشرية التي زادت الطين بلّة.
السبت 2015/06/06
فوضى وسائل النقل بعد الثورة، أثرت سلبا على جمالية ميدان رمسيس

القاهرة- بوّابة القاهرة وقلبها النابض، هكذا يوصف ميدان رمسيس غالبا، فهو أوّل مكان تطأه أقدام المصريين القادمين نحو العاصمة من سائر محافظات البلاد.

وليس من المبالغة القول بأنّ هذا الميدان هو نموذج رئيس لتجسيد ما تعرفه مصر من زحام وضجيج يصنعهما أهل مدينتها الأمّ بمختلف فئاتهم، ففي هذا الميدان تلتقي يوميا آلاف الملامح والوجوه العابرة، فما بالك بالأمر وهو ملتقى قطارات الوجهين البحري والقبلي ومدن القناة.

والمعلوم أنّ الميدان تتفرّع منه شوارع رئيسية عديدة، منها شارع رمسيس، وهو أطول شوارع القاهرة، وشارع الفجالة الذي يعجّ بمكتبات مكتنزة بما خطّه الأقدمون من كتب التاريخ والتراث.

ولا ريب أنّ شهرة هذا الميدان ترجع إلى وجود تمثال رمسيس الثاني ونافورته الشهيرة، غير أن السلطات المصرية قرّرت نقل التمثال عام 2006 إلى المتحف المصري الجديد، غير بعيد عن هضبة الأهرامات بمحافظة الجيزة، وذلك بهدف تجنيبه الانعكاسات السلبية للتلوّث وعوادم السيارات، وحمايته أيضا من الاهتزازات التي يحدثها مترو الأنفاق.

الجدير بالذكر أنّ تمثال رمسيس الثاني كان قد عثر عليه باحثون في الآثار، عام 1888 بقرية “ميت رهينة” التابعة لمركز البدرشين بمحافظة الجيزة، وكان عندها محطما إلى خمس قطع كبيرة وعدد من القطع الصغيرة، فنفّذت أعمال الترميم من خلال مشروع اكتتاب شعبي.

وقد أضيفت إليه بعض الأجزاء من الجرانيت الوردي، واحتفل بإزاحة الستار عنه سنة 1928، ولكن في عام 1954 قام المهندس المصري الراحل أحمد عثمان بإعادة ترميمه، فوضع أسياخا من الحديد داخل التمثال لتجميع القطع المكسورة، وأضاف إليه ساقا كانت محطمة، وكذلك قدم الساق الأخرى، إلى جانب أجزاء من التاج.

2006تاريخ نقل تمثال رمسيس الثاني إلى المتحف المصري الجديد

يشار إلى أنّ ميدان رمسيس كان، خلال الفتوحات العربية، موقعا لقرية تسمّى أم دنين، ثمّ شيّد المسلمون مسجد أولاد عنان في المكان نفسه، وتمّت توسعته خلال العصر الفاطمي وسمّي آنذاك جامع المقس، ومع دخول الحملة الفرنسية إلى مصر، 1798-1801، قام الغزاة بهدم المسجد، لكن أعيد بناؤه وتسميته بمسجد الفتح الموجود حاليا بميدان رمسيس.

وفي عهد محمد علي باشا كان ميدان رمسيس حديقة عامة كبيرة، وخلال حكم الخديوي عباس حلمي الأول، ثالث حكام مصر من أسرة محمد علي، أمر بشق شارع رمسيس فسمّي وقتها بشارع عباس الأول. كما تم إنشاء محطة القطارات تفعيلا لاتفاق بين الحكومتين المصرية والإنكليزية لإنشاء خط للسكك الحديدية يربط بين القاهرة والإسكندرية.

ومع تولي الملك فاروق الأول حكم البلاد قام بتغيير اسم الشارع إلى “الملكة نازلي”، وبعد قيام ثورة يوليو تم وضع تمثال رمسيس الثاني داخل الميدان، ومن وقتها أصبح يعرف باسم ميدان رمسيس حتى الآن.

ويعتبر الميدان مدخلا لوسط القاهرة، ومن أهم الشوارع التي تتفرّع منه: باب الحديد سابقا ورمسيس حاليا، وشارع الجمهورية وشارع باب البحر، وكلوت بك، والفجالة والجلاء.

وبمر السنوات فقد الميدان رسمه ومعالمه ولم يبق إلا اسمه، من جرّاء فوضى انتشار سيارات الميكروباص، واحتلال الباعة الجائلين للميدان، فأصبحت العشوائية والسلبية هي المسيّطرة على ميدان رمسيس، ممّا افقده معالمه وجماله القديم.

جلال السعيد: عازمون على إعادة الشكل الحضاري لجميع ميادين الجمهورية

ورغم أن ميدان رمسيس يفتقر إلى حسن التخطيط، مما يترتب عليه شدّة الازدحام والارتباك المروري، فإن محافظة القاهرة قامت عام 2009 بمحاولة جادة لتطوير الميدان باتخاذ عدد من الإجراءات، مثل نقل موقف السيارات وإقامة حواجز حديدية، وهو ما حدّ نسبيا من مشكلة ازدحام ميدان رمسيس، وأعطاه بعدا حضاريا، لكن ثورة الخامس والعشرين من يناير خلّفت فوضى جديدة لم تهدأ بعد سواء بهذا الميدان أو بغيره.

ومع ذلك فقد قامت السلطات، في مايو 2015، بحملة أمنية جديدة بالتنسيق مع محافظة القاهرة لإزالة الإشغالات ونقل الباعة الجائلين خارج ميدان رمسيس.

جلال السعيد، محافظ القاهرة، أكد أن الدولة عازمة على إعادة الشكل الحضاري لجميع ميادين الجمهورية، لا سيما الميادين الرئيسية التي تمثّل قلب القاهرة النابض، وعلى رأسها ميدان رمسيس، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة العربية.

وأوضح المحافظ أن الهيئة العامة للنظافة والتجميل تواصل أعمال صيانة الميدان، مثل رفع الإشغالات وإعادة هيكلة جوانب الأرصفة للمشاة، ووضع اللوحات الإعلانية، وطلاء الأسوار الحديدية، بالإضافة إلى دهان جميع العقارات المطلة على الميدان بلون واحد، حتى يظهر الميدان بشكل متناسق ومعماري وحضاري.

من جانبه، قال المهندس حافظ السعيد، رئيس هيئة نظافة وتجميل القاهرة، إن الميدان كان مهملا منذ عقود، ولم تستطع الدولة خلال السنوات الماضية التعامل مع أزماته حرصا على الباعة الجائلين، باعتباره الوسيلة الوحيدة لكسب أرزاقهم.

وذكر السعيد أنّ الدولة قامت بتوفير أكشاك بشارعي أحمد حلمي والترجمان للباعة الجائلين، حرصا على تطوير الميدان وإعادة المظهر الحضاري المفقود إلى العاصمة.

ويؤكد أنّ أعمال تنظيف وتطوير الميدان مستمرة، من خلال إعادة طلاء أجسام الكباري وتهذيب المسطحات الخضراء ودهان أعمدة الإنارة، موضحا أنّ الدولة عازمة على منع عودة الباعة الجائلين إليه مرّة أخرى، لا سيما أن تراخي أجهزتها يسمح بعودة الأكشاك العشوائية وانتشار الفوضى في الميادين العامّة، بالإضافة إلى أنه تم توفير سوق متميّز لإبعاد الفوضى عن ميادين العاصمة.

20