ميدان عابدين في القاهرة من رمز للثورة إلى ساحة ترفيه للبسطاء

مصر تنهي عملية تطوير شاملة لميدان عابدين التاريخي، فأنشأت حديقة عامة واسعة ورممت المباني القديمة لتحمل نفس طلاء قصر عابدين الذي يشرف على الميدان.
الجمعة 2018/06/29
من ملعب سياسة إلى ملعب أطفال
 

للأماكن التاريخية مكانة في حياة الناس، لكن إهمالها من قبل السلطات المسؤولة عن التراث والثقافة يحكم عليها بالنسيان من قبل عشاقها. السلطات في القاهرة نجحت في إعادة الحياة لميدان عابدين التاريخي بعد أن هيأته لتروي الناس في حديقته أسرار السياسة ومشاهيرها.

القاهرة- انتهت محافظة القاهرة أخيرا من تدشين أول مرآب للدراجات بميدان عابدين بوسط المدينة، في إطار مبادرة لنشر ثقافة استخدام الدراجات بدلا من السيارات وخفض التلوث، التي تحمل اسم “سكتك خضراء” ويتم تنفيذها بالتعاون مع دولة الدنمارك.

وأعلنت المحافظة إنشاء اتحادات شاغلين للعقارات المطلة على الميدان في إطار عملية تطويره والمحافظة على رمزيته. ونفذت الحكومة قبل عامين عملية تطوير شاملة للميدان التاريخي، وأنشأت حديقة عامة واسعة ورممت المباني المحيطة به لتحمل نفس طلاء قصر عابدين الذي يشرف على الميدان.

ويُعد الميدان الكبير البالغة مساحته نحو تسعة أفدنة، أحد الأماكن التاريخية الهامة بالقاهرة والتي شهدت أحداثا غيرت وجه الحياة السياسية في مصر على مدى مئة وخمسين عاما، تحولت فيها البلاد من ولاية عثمانية، إلى مملكة، ثُم إلى جمهورية مستقلة.

ويشبه الميدان الآن ناديا ترفيهيا للبسطاء، يقبلون عليه طلبا للاسترخاء على أرضيته الخضراء، وتحت ظلال أشجار زينة تم غرسها بعد عملية تطوير جديدة شهدها مؤخرا.

واكتسب الميدان اسمه قبل حوالي قرنين من الزمان لاحتوائه على قصر قائد عسكري كبير في جيش محمد علي باشا، هو عابدين بك، تولى قيادة أولى حملات محمد علي إلى الحجاز سنة 1814 وتلقى هزيمة، ثم عُين قائدا على الحملة المصرية في دنقلة بالسودان سنة 1820 ليحقق انتصارات دفعت محمد علي إلى تعيينه حاكما عليها.

ولا توجد معلومات كافية حول ظروف وفاة الرجل، غير أن كتب التاريخ تشير إلى رحيله عن القاهرة سنة 1827 عن عمر يقترب من الستين تاركا قصرا جميلا، اشتراه في ما بعد الخديوي إسماعيل.

وجه جديد لمكان قديم
وجه جديد لمكان قديم

وتم الشروع في بناء القصر الحالي سنة 1863 بالاستعانة بمهندس فرنسي مخضرم هو دي كوريل روسو لتصميم القصر الذي تكلف وقتها مئة ألف جنيه ذهبية، وافتتح سنة 1873 ليبقى مقرا للحكم حتى قيام ثورة يوليو 1952.

ويذكر الكاتب حمدي أبوجليل في كتاب “القاهرة شوارع وحكايات” كيف كان الميدان الفسيح محل مؤامرات وقصص لخفايا الحُكم في القرن التاسع عشر الميلادي.وكان حي عابدين ساحة ساخنة لأسرار الأسرة العلوية، نسبة إلى محمد علي باشا، ومركز بث روايات وحكايات الغرف المغلقة للأسرة الحاكمة، ومن أكثر من تعرضت سيرتهم لانتهاك حكايات أبناء الحي، الأميرة زينب كريمة الخديوي إسماعيل، وروى أبناء الحي عن تحررها ومغامراتها العاطفية الملتهبة، وتناقلوا قصصا متعددة عن القهوة المسمومة التي اعتمد عليها الخديوي إسماعيل في الخلاص من أعدائه ومعارضيه.

وانتعشت في حي عابدين تجارة الأفيون، وكان مسموحا به في مصر الخديوية ويباع في محل الشيخ عبدالله، القريب من منزل الزعيم المصري مصطفى كامل، الذي تحول الآن إلى مدرسة عابدين الابتدائية.

وشهد الحي أول مظاهرة اعتراض ضد الحاكم عندما وقف الضابط أحمد عرابي باشا (1840ـ1910) وجنوده في ساحة الميدان محتجين على تجبر الخديوي توفيق حاكم البلاد.

وأكد موفق بيومي الباحث المتخصص في تاريخ مصر الخديوية والملكية أن ميدان عابدين شهد بعد ذلك أحداثا عظيمة غيرت مجرى التاريخ، كان أخطرها في الرابع من فبراير سنة 1942 عندما حاصرته الدبابات البريطانية بقيادة الجنرال البريطاني ستون قصر عابدين.

وقال بيومي لـ”العرب” “في ذلك اليوم دخل السير لامبسون، السفير البريطاني إلى مقر الملك فاروق مقدما إنذارا له بضرورة اختيار مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد لتشكيل الحكومة، باعتبارها تمثل الأغلبية ويرضى عنها الشعب في ظل توغل قوات النازي الألماني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية.

ورضخ فاروق خوفا من عزله، معتبرا قصر عابدين والميدان الفسيح المحيط به ‘موقع شؤم'”. وشهد القصر الذي يطل عليه الميدان توقيع اللواء محمد نجيب أحد قادة ثورة يوليو 1952 تقديم استقالته لمجلس قيادة الثورة في مارس 1954 ليخلفه جمال عبدالناصر، مبتعدا عن الإقامة في ذلك القصر واعتبره “مكان شؤم”.

ومر الميدان بمراحل تطور عديدة، عكس القصر الذي ظل على حاله منذ إنشائه. فقام الملك فؤاد (1918ـ 1936) بعمل توسعات في الميدان واشترى بعض المنازل المتاخمة للقصر لتجدد ساحة واسعة أمامه.

وكان يتم فيها تحضير ولائم لعامة الشعب خلال شهر رمضان الكريم، كما كانت مكانا لاحتفالات شعبية لميلاد أبناء الأسرة الحاكمة. وزاد الملك فاروق في ما بعد من مساحة الميدان، وكان حريصا على الإطلال عليه كل صباح من شرفة قصره.

أحداث عظيمة غيرت مجرى التاريخ
أحداث عظيمة غيرت مجرى التاريخ

ولا يعرف الكثير من العامة المفترشين حشائش الميدان شيئا عن عابدين بك المُسمى الميدان باسمه، ولا الزعيم عرابي، وكثير منهم لا يذكر شيئا عن الملك فاروق، وإن كان يعلم أن القصر الكبير المشرف على الميدان أنشئ منذ بعيد.

وقال إدريس حسن، أحد سكان الحي الشعبي “حكى لنا أجدادنا كيف كانوا يرون موكب الملك كل يوم وهو يعبر بسياراته الحمراء الفاخرة نحو القصر، ليطل مُحييا الناس في مودة، وكيف كانت موائد الطعام أمام القصر حيث يجلس الفقراء يأكلون في سلام وطمأنينة”. وأوضح لـ”العرب” أن تطوير الميدان دفع الشباب إلى إقامة حفلات غنائية صاخبة، وقدمت فرق موسيقية عروضا مجانية، ما جعله أشبه بناد ترفيهي.

وينتشر الأطفال من سكان الحي القديم في ساحة الميدان. بعضهم يلعبون كرة القدم، وبعضهم يتسابقون بدراجاتهم، ويقضي شباب وفتيات وقتهم في جلسات ثنائية. ويبدو الميدان ليلا أشبه بساحة استرخاء وسمر للكثير من القاطنين في حي عابدين.

وتحول جانب من القصر الفسيح إلى أحد المقرات الإدارية التابعة لرئاسة الجمهورية، ويتم تلقي شكاوى المواطنين من خلالها، غير أن الجانب الأكبر منه فتح للجمهور كمجمع متاحف، حمل اسم “متاحف قصر عابدين”، وتتاح زيارته لمن يريد.

ويتم الدخول إلى المتاحف عبر الباب الخلفي للقصر، من خلال باب يُطلق عليه باب “باريس” لأنه صنع هناك خصيصا. وفي الداخل يوجد متحف مخصص للأسلحة ويعرض ملابس عسكرية تعود إلى عصور مختلفة، بعضها مصنوع من حلقات حديد صغيرة. ويمكن مشاهدة كميات متنوعة من المعدات العسكرية التي كان بعضها يخص الملك فاروق شخصيا، منها خناجر مصنوعة من الذهب الخالص.

ويضم أسلحة مختلفة اشتراها الملك من مزادات أوروبية، بينها خنجر يخص القائد الألماني الشهير رومل الملقب بـ”ثعلب الصحراء”، وسيف خاص بتتويج أحد قياصرة روسيا من الفضة المطعمة بالأحجار الكريمة.

يليه متحف آخر للنياشين والأوسمة ومقتنيات الأسرة العلوية النادرة من تحف ومجوهرات، ومتحف للفضيات البديعة والمصنوعة خصيصا لملوك مصر وحكامها عبر الزمن، وقاعة إضافية تضم أبرز الوثائق والأوامر الملكية والقرارات الهامة التي تسرد تاريخ مصر في ثلاثة قرون. وثمة قاعة أنشئت حديثا باسم متحف السلام وضمت الهدايا التي قدمها رؤساء وملوك دول العالم إلى رؤساء مصر خلال فترة الجمهورية.

تصوير: محمـد حسنين

20