ميدجين

السبت 2015/08/15

احتضنت مدينة ميدجين الكولومبية، خلال شهر يوليو، مهرجانها الشعري في دورته 25. خلال ثمانية أيام، استطاع الشاعر فرناندو رندون، مؤسس ومدير المهرجان، بمعية فريقه، ضمان النجاح لما يناهز مئتي لقاء، اجتاحت كل فضاءات المدينة، بما فيها مقاهيها ومستشفياتها وسجونها وجامعاتها وساحاتها العمومية. لقد استطاع الكولومبيون أن يبنوا مهرجانا شعريا عالميا خارقا داخل أجواء الحرب الأهلية اليومية. فخلال أسبوع من كل سنة، ومنذ عام 1991، يؤم أكثر من مئة شاعر من مختلف قارات الكون مدينة ميدجين.

كنت هناك قبل 10 سنوات. وعشت شخصيا تجربة مذهلة بامتياز، ابتدأت بظروف الرحلة ذاتها، حيث شاءت شرطة مطار هيثرو بلندن أن تستضيفني طيلة ست ساعات داخل زنزانة، بعدما شكّت في هويتي. ولم يتم الإفراج عني إلا بعد تدخل السفارة الكولومبية. سنوات بعد ذلك، سأعود إلى ذكر الحادثة، أثناء مشاركتي في ندوة بلندن، ضمّت شعراء وفلاسفة، وتمحورت حول “بناء الحلم الأوروبي”. اخترت حينها أن أبدأ مداخلتي بالإشارة إلى كون شرطة مطارهم مدينة لي بما انتزعته مني من صور شخصية وإلى أن بناء الحلم الأوروبي لا يجب أن يتأسس على كوابيس الآخرين. وقد كان طريفا أن يتحوّل النقاش، بعد مداخلتي، إلى موضوع علاقة أوروبا بمحيطها.

طيلة أيام مهرجان ميدجين، كانت المدينة تبدو كمملكة يحكمها الشعراء، ولم يكن هناك أثر للحرب، بل إنني لم ألمح، طيلة الأمسية الختامية التي عرفت حضور أكثر من 10 آلاف شخص، سوى رجل شرطة وحيد مع كلب بوليسي يبدو أليفا. ويبدو الأمر كما لو أن هناك اتفاق هدنة سريا بين فرقاء الحرب الأهلية وبين إدارة المهرجان. بل أكثر من ذلك، حدث، خلال دورة سابقة، أن تاه سائق حافلة تحمل مجموعة من الشعراء، ودخل منطقة خاضعة لمجموعة مسلحة، فكان أن قام رجال المجموعة باستضافة الشعراء، ونظموا لهم أمسية شعرية دامت إلى ساعة متأخرة من الليل، مع توفير كل شروط السهرة، من أكل وشراب. وقاد رجال المجموعة الشعراء، في نهاية الحفلة، إلى طريق آمن، مع الحرص على توديعهم بشكل لائق.

يعكس مهرجان ميدجين الشعري قدرة شعب على جعل الشعر شكلا من أشكال الفرجة والاحتفاء بالحياة، داخل بلد تحفّه الحروب. ولذلك كان عاديا أن تطلق إدارة المهرجان، قبل سنوات، حملة توقيعات تجاوب معها أكثر من 3000 شاعر ضدّ صفقة أسلحة جمعت الحكومة الكولومبية بالولايات المتحدة الأميركية، وهي الصفقة التي اعتبرها مهرجان ميدجين تكريسا للحرب الأهلية. كما بادرت إدارة المهرجان إلى تنظيم قمة عالمية حول موضوع “الشعر من أجل السلام”، بحضور أكثر من 500 شاعر من مختلف أنحاء العالم… وحدها ميدجين تستطيع أن تفعل ذلك!

كاتب من المغرب

17