"ميدنايت اكسبرس".. فيلم يتذكره حتى الذين لم يشاهدوه

فيلم "قطار منتصف الليل" يطرح أسئلة الوجع، ويقول ما لا يستطيع قوله سجان أو سجين أو حتى ناشط حقوقي في جمهورية الرعب والبلد الواقع على خطى مضيق من أوروبا، والحاصل على "جواز مرور" باسم العلمانية.
السبت 2019/06/29
عمل سينمائي تفطن مبكرا لسطوة السجون التركية

من لم يشاهد شريط “قطار منتصف الليل” للبريطاني آلان باركر، الذي يروي حكاية الشاب الأميركي بيلي هايز، في تهريب المخدرات من تركيا أواخر سبعينات القرن الماضي، لا يعرف الكثير عن السجون التركية، وحالة الرعب التي تسببها لدى نزلائها، بصرف النظر عن طبيعة قضاياهم، ذلك أن أدنى شروط الاحترام للمشاعر الإنسانية كانت مفقودة وبشكل مزر. يروي الفيلم القصة الحقيقية للشاب الأميركى بيلي هايز، الذي تورط في تهريب المخدرات من تركيا، فيتم إلقاء القبض عليه من طرف البوليس التركي قبل ركوبه الطائرة ويواجه معاناة شديدة القسوة، وأوضاع مريرة داخل السجن ما يدفعه لمحاولة الهرب، ولكن محاولته تبوء بالفشل ويتم تعذيبه، ثم إيداعه عنبر المختلين عقليا، فيلجأ لتقديم الرشاوى للهروب من السجن، وبعد عدة محاولات ينجح في النهاية من الهرب ويعود إلى بلاده.

 الفيلم يقدم صورة قاتمة عن المسؤولين في السجون التركية والمعاملة القاسية للمساجين، فضلا عن المحامين الفاسدين في تركيا، ووسائلهم الملتوية لكسب قضاياهم واستغلال موكليهم بطرق هي غاية في القذارة والاستهتار بقيم القانون.

يطرح الفيلم- في نظر بعض النقاد- فلسفة الجريمة والعقاب كما تناولها الروسي فيودور دوستويفسكي، من حيث الصراع النفسي الذي يمكن أن يجتاح شخصية المجرم، ومدى المفاضلة بين قيمة وأخرى، وسؤال العقاب إن كان يرتقي إلى مستوى الجرم، وما يتخلله ذلك من تجاوزات على شكل محاكمة أخلاقية.

ماذا يعني أن تُعاقب أكثر مما يجب؟ وماذا يعني أن تُودع مستشفى الأمراض العقلية لمجرد أنك لا تطيق هذا العقاب؟

“قطار منتصف الليل” فيلم مرعب، يتحدث عن سائح أميركي في تركيا، ينخرط في موجة الاتجار بالمخدرات ولسوء حظه يتم القبض عليه وبحوزته كمية من المخدرات بينما كان يستعد للرحيل عبر مطار إسطنبول ليودع في السجن ويحكم عليه بأربع سنوات سجن سرعان ما تعدل إلى سجن مدى الحياة. يرفض فكرة الهروب ويضطر إلى عيش تجربة رهيبة يمارس خلالها ضده كل أنواع الإذلال الجسدي والروحي.

وفي هذا الصدد، يعلق المخرج التونسي المعروف بأفلامه التي تقتفي الأثر النفسي للسجناء، الحبيب المستيري، على الفيلم بقوله “هو فيلم يعلمنا أن السجن ليس مجرد عقوبة قضائية، وإنما عقوبة نفسانية تحدث خدوشا وآثارا في الروح، بصرف النذر عن تقييمها الحقوقي”. ويضيف المخرج المعروف بأعماله التي تتناول مرحلة حرجة في تاريخ نضال اليسار التونسي “هذا الشريط يجعلنا أمام سؤال وهو: لماذا السجن؟ ولفائدة من يكون السجن؟”.التعذيب نحو أقصاه، والوجع نحو أقصاه والأفق مسدودة نحو أقصاها.. فكيف يكون الأمل؟

آلان باركر.. مآثر مخرج فيلم قطار منتصف الليل كثيرة مثل بينك فلويد: الحائط 1982، وبيردي 1984، ومسيسبي بيرنينغ 1988
آلان باركر.. مآثر مخرج فيلم قطار منتصف الليل كثيرة مثل بينك فلويد: الحائط 1982، وبيردي 1984، ومسيسبي بيرنينغ 1988

فيلم “قطار منتصف الليل” يطرح أسئلة الوجع، ويقول ما لا يستطيع قوله سجان أو سجين أو حتى ناشط حقوقي في جمهورية الرعب والبلد الواقع على خطى مضيق من أوروبا، والحاصل على “جواز مرور” باسم العلمانية.. لكنها قلعة من القسوة، و”دساتير من الكذب” يقع خطها باسم القانون.

من شاهد شريط “قطار منتصف الليل” شاهد حقيقة هذا البلد الذي يصل الليل بالنهار في قضايا العقوبات، ووقف عند حالات التفسخ في المؤسسة السجنية، إلى درجة التعاطف مع السجناء، والقول بصوت عال “توقفوا”.

ماذا يعني أن تؤازر سجينا في محاولة هروبه وأنت تتفرج على لؤم ما يسلط عليه من عذابات.. لا لشيء، وإنما لمجرد دخوله هذه المؤسسة اللعينة، والتي هي من أساسها، مجرد ذريعة لممارسة كل أنواع التشفي والتعذيب؟

المخدرات التي أدين بها بطل الفيلم مرفوضة في جميع الأعراف والقوانين، لكن عقوبتها ليست كما نشاهدها في الفيلم، ذريعة لممارسة أحط أنواع التعذيب، وكأنها القول بأن ليس من المتوقع العقوبة، وإنما التفنن في شكل ممارسة العقوبة.

“إننا لا نعاقبك.. وإنما نحب أن نطلعك على كل فنون العقاب النفسية والمادية”.. هذا ما تريد السلطات التركية قوله، وهذا ما أراد مخرج الفيلم آلان باركر، قوله في هذا الشريط الذي خطف لب من شاهده.قسوة إلى درجة الاشمئزاز، واحتقار للسجانين والمحتالين باسم القانون إلى درجة الغثيان، حتى ينسى المرء أنه أمام قضية شاب متهم بالاتجار في المخدرات.

“تركيا الجحيم”، هذا ما أوصله الفيلم لجمهوره، ونجح فيه إلى حد بعيد بلغة سينمائية آسرة في الأداء والتصوير والإخراج.

“ميدنايت اكسبرس” ليس شريطا عاديا، ولا يمكن أن يهضمه المرء بسهولة كفيلم مغامرات وإثارة، وإنما هو شريط يحبس الأنفاس ويجعل كل حقوقيي العالم يقولون لطغاة الأتراك “توقفوا”.

السجن في فيلم “قطار منتصف الليل” تجربة رهيبة، يعلمك الانقضاض على الوقت، ومعرفة أن الحياة حرية أو لا تكون. إنه القول بأن سجن الإنسان هو أقسى ما يمكن أن يمارسه الإنسان على الإنسان، ومهما كان عذره.

“قل لي من سجانك أقل لك من أنت” حكمة تخرج من قضبان السجن في هذا الفيلم الذي يحبس الأنفاس ويجعل الأشرار “أخيارا إلا قليلا”.. إنه يجعل التوق إلى الحرية قيمة مطلقة.

فيلم “قطار منتصف الليل” ألهم العديد من المخرجين فيما بعد، وأغرى الكثير باستلهام اسمه، حتى لا يكاد المرء يعثر على هذا العنوان دون أسماء متشابهة، لكنه يظل الأجمل في تاريخ السينما العالمية، وأكثرها إدهاشا وروعة لما يتمتع به من إثارة وقدرة على تعريف مفهوم الحرية في أكثر الحالات التباسا وإثارة للجدل بين مفهومي الحرية والعقاب في سجن تركي الملامح.

هذا المفهوم (مفهوم الحرية) يقول عنه الناشط الحقوقي التونسي فتحي بن الحاج يحي، إن الفيلم “جعل من مهرّب مخدرات بطلا، في حين كانت السجون الأميركية آنذاك تعج بالمناضلين السود”، ويضيف بن الحاج يحي، بأن فترة بداية السبعينات كانت الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، مقارنة بتركيا.

ومهما يكن من أمر فإن فيلم “قطار منتصف الليل” يظل مدهشا لكل من شاهده بأداء برات ديفر، وجون هرت، عام 1978، وصور في كل من مالطا وتركيا، ثم وضع له موسيقاه المميزة الفنان جيورجيو مورودر، وبلغت إيراداته ما يفوق الـ35 مليون دولار آنذاك، يبقى من أجمل ما “قيل” في سجون الشرق، وأروع ما تجيش به العاطفة الإنسانية في هذا الشأن.

قال عنه أحد النقاد بتأثر واضح “تابعت الفيلم مثل قصيدة من قصائد دانتي، عن العذاب والجحيم نشيد متواصل وشجي ومؤلم عن السجون والتعذيب وروح الإنسان التي ترفض السحق ولو رميت بكل حجارة الجبال”.

شريط "قطار منتصف الليل"، يعده النقاد واحدا من التحف السينمائية  العالمية، ويشبهه الكثير بقصيدة من شعر الإيطالي دانتي في ملحمة "الجحيم"
شريط "قطار منتصف الليل"، يعده النقاد واحدا من التحف السينمائية  العالمية، ويشبهه الكثير بقصيدة من شعر الإيطالي دانتي في ملحمة "الجحيم"

فيلم “قطار منتصف الليل” يحيل إلى مقولات كثيرة، لعل أهمها ما قاله المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في حديثه عن المؤسسة السجنية “الحاكم من دون عقوبة، لا يصلح أن يكون حاكما”.

وهذا الأمر لا يبرره فوكو، كما يتبادر إلى بعض الأذهان، بقدر ما يبرهن فيه على قوة السلطة وقدرتها على “الإقناع” بذريعة “الإقناع”.

قصة فيلم “قطار منتصف الليل” تبدو بسيطة، وفي غاية الوضوح كأن يركب سائح أميركي في تركيا موجة الاتجار بالمخدرات، في أتعس لحظاته شؤما، يحاول تهريب كيلوغرامين من الحشيش ويتم القبض عليه في المطار ليودع في سجن في إسطنبول ويحكم عليه بأربع سنوات وشهرين، بعدها تعدل بعد استئناف المدعي العام إلى السجن مدى الحياة.

هذه القصة لم تكن سوى ذريعة للحديث عما هو أعمق، وأكثر وحشة وتأثيرا في أعماق النفس البشرية، ذلك أن السيناريو الذي كتبه أوليفر ستون، مقتبسا من السيرة الذاتية لمؤلفه بيلي هايس، هو الذي أشعل الوسط السينمائي بهذا الكم الهائل من موجات الاحتفاء غير المسبوقة، من جهة التعرف إلى الشرق وغرابة قسوة حكامه من خلال تركيا، الوريث الحصري للإمبراطورية العثمانية، والمتحدث كثيرا باسم العلمانية وقوانين الدولة المدنية. القطار ثيمة أساسية في كل الروايات والحكايات وحتى الجرائم التي تتحدث عن تركيا، مثل رواية آغاتا كريستي، الشهيرة “جريمة في قطار الشرق السريع” وغيرها، ذلك أن القطار وريث شرعي لقوافل طريق الحرير، وحامل لطلاسم الغموض في الأزمنة المتحركة والأماكن الملتبسة.

مآثر المخرج آلان باركر، في عالم الفن السابع كثيرة ومدهشة مثل بينك فلويد: الحائط 1982، وبيردي 1984، ومسيسبي بيرنينغ 1988، أما شريط قطار منتصف الليل، فيعده النقاد واحدا من التحف السينمائية التي تعود إلى أواخر السبعينات في القرن الماضي، ويشبهه الكثير بقصيدة من شعر الإيطالي دانتي في ملحمة “الجحيم” من حيث الشجن والألم الذي يعتصر الذات البشرية في تأرجحها بين الخطيئة والتوق إلى الانعتاق والحرية.

وفي هذا الصدد يقول الناقد السينمائي زيرك ميرخان “في حكاية قطار منتصف الليل تقبل بيلي هايس الأمر وبدأ يحسب الأيام ورفض كل فكرة في الهروب. شاهد تركيا من خلال السجن.. عالم وحشي غابة تعج بالكواسر وكل أنواع الإذلال الجسدي والروحي”.

ويستطرد ميرخان بقوله السجن هو أعلى صورة من صور العقاب.. فوكو في كتابه عن السجون والمؤسسات العقابية يقول “الحاكم من دون عقوبة لا يصلح أن يكون حاكما. كان هذا المبدأ حاضرا في ذهن كل طبقة حاكمة من دون سجن وعقوبة لا وجود فعلي للسلطة”.

إسقاطات كثيرة ضمّنها المخرج وكاتب السيناريو العائد لتوه من حرب فيتنام آنذاك. أسقط كل عذاباته في الجيش وفي فيتنام في السجن. نزع الآدمية من السجناء وحوّلهم إلى وحوش مثل مشهد يبلغ فيه تركي اسمه “رفقي” عن سجناء يريدون الهروب فيلتهم بيلي، لسانه في مشهد أسطوري اخترعه السيناريست أولفير ستون، لأن الكتاب الأصلي لا يقول إن بيلي هايس التهم لسان سجين وشى بهم.

السجن تجربة رهيبة، يقول الناقد ميرخان، والذي يخرج منه إما أن يكون مسيحا ويقول سامحهم أبتاه فهم لا يعلمون وإما يخرج وهو وحش كاسر. ويسأل الكاتب: هل تتحمل الحياة هكذا ثنائية من يخرج من السجن شخص في قمة الروحانية والاتزان أو شيطان ملعون.

وفي مقابلة مع بيلي بعد سنين من هروبه من السجن التركي كان أكثر تسامحا وأكثر اتزانا. وقال بيلي “عندي أصدقاء أتراك. ليس كل الأتراك سيئين.. أنا دفعت ثمن أخطائي.. وكنت قاسيا على الشعب التركي.. عندما قلت إنهم يحرمون أكل لحم الخنزير ولكنهم خنازير بكل أفعالهم”.

ويضيف بيلي، نزيل السجن التركي الشهير في مقابلة معه، “عندما تعرف الشر المطلق تعرف الخير المطلق. أولفير ستون مع تغييراته الجذرية في الكتاب بث أفكاره الرائعة. عندما تقول صديقة بيلي في السجن لا أحد يساعدك إلا نفسك. لو بقيت هنا سوف تجن. اهرب. وعندما يقابل بيلي البروفيسور أحمد (دارس الفلسفة في جامعة فينا واليساري المدان باغتصاب طفل) يقول أحمد لبيلي: نحن هنا لأننا كائنات سيئة، تقبل الوضع. نحن خطر على المجتمع. يقول له بيلي: أنا أعرف من أنا. أنا من صنع هذا المصنع الذي يصنع الجيد والسيء”.

كل من شاهد فيلم “قطار منتصف الليل” ينتابه شعور مزدوج، فبقدر ما هو مؤلم بقدر ما هو موح بالخلاص والأمل كما تدل عليه اللقطة الأخيرة التي تحبس الأنفاس، بالإضافة إلى موسيقاه الآسرة المنسجمة مع كاميرا ذكية تنفذ إلى أعماق النفس البشرية وتنقل أداء تمثيليا مدهشا، يربك المشاهد فتختلط عليه الأمور وكأنما هو عمل توثيقي وليس روائيا.

16