ميرال أكشنر "آثانا" المستذئبة وأردوغان القلق

الخميس 2017/11/09
ميرال أكشنر سياسية تركية تهدد كرسي الرئاسة

أنقرة- قبل أيام قليلة أعلنت الرئيسة السّابقة للبرلمان التركي، والنائبة السابقة عن حزب “الحركة القومية” وهو حزب يميني قومي متطرف، في مركز ناظم حكمت الثقافي بالعاصمة أنقرة، ووسط حشود مِن مُناصريها وعلى خلفيه صورة كبيرة لمؤسِّس الجمهورية التركيّة وشعارات الحزب الوليد، عن تشكيل حزب جديد باسم “الحزب الجيّد”، تحت شعار “تركيا ستصبح أفضل”.

هذه الخطوة بدت معها ميرال أكشنر وكأنها تريد أن تسبق التحضير للانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها في عام 2019، والتي أعدّ لها الحزب الحاكم جيدا بإجراء التعديلات الدستورية في أبريل الماضي لتنتقل تركيا مِن طور النّظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وفق نتائج الاستفتاء.

أكشنر كانت قد تقدّمت بطلب تشكيل الحزب إلى وزارة الداخلية التركية، ليكون بذلك الحزب الخامس في البرلمان التركي، حيث يحظى بخمسة أعضاء فيه. وفي كلمة مطوّلة ألقتها أمام الحضور شرحت فيها فلسفة الحزب، ودوافع تأسيسه. وناقشت أمورا عديدة تتصل بالسياسة الداخلية والخارحية، وبقضايا التعليم وبالاقتصاد وبالصّحة.

وقالت أكشنر “لم يبق أمامنا من طريق صحيح للخروج من الأزمات إلا نحن، وشعبنا التركيّ المقدر بـ80 مليونا. فالطريق الصحيح يكمن في تغيير المناخ السياسي“.

أكشنر ليست بالوجه السياسيّ غير المعروف. بل هي واحدة من أشهر السياسيات نشاطا في تركيا الحديثة منذ حقبة التسعينات بعد تانسو تشيللر المُلقبة بالمرأة الحديدية، بل شغلت العديد من المناصب الرسمية كوزارة الداخلية لمدة عامين 1997 – 1999، في عهد الحكومة الائتلافية التي شكّلها السياسي البارز نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاة، إبّان فترة الرئيس التاسع سليمان ديميرل، في الحكومة الـ54 بعد استقالة محمد آير، كما ترأست البرلمان التركي في فترة سابقة، بالإضافة إلى أنها كانت عضوا عن حزب الحركة القومية ونافست دولت بهجلي في الانتخابات الأخيرة.

تشيللر الثانية

ولدت في مدينة إزمير عام 1956، وتخرجت من جامعة إسطنبول، من كلية الآداب قسم التاريخ، ثم أتمّتْ دراستها العليا في معهد العلوم الاجتماعية في قسم العمارة بجامعة مرمرة، وبعد أن حصلت على الدكتوراه عملت في عدة جامعات مختلفة، منها جامعة كويجايلي ويلدز التكنولوجية وجامعة مرمرة.

بدأت أكشنر آسانا ممارسة العمل السياسي في التسعينات من خلال نشاطها في أحزاب اليسار، وفي عام 1994 رُشِّحتْ عن طريق حزب “الطريق القويم” في الانتخابات المحليّة كرئيس لبلدية كويجايلي لكنها خسرت. وبعد عام صارت رئيسة لجمعية المرأة، ودخلت الجمعية الوطنية التركيّة. وفي عام 1995 انضمت إلى ذلك الـحزب، وصارت نائبة له عن كويجايلي في المجلس.

بعد أحداث 28 فبراير، أي بعد انقلاب كنعان أيفرن عارضت أكشنر تدخُّل الجيش في الحياة السياسية. وبعد سنوات أرسل إليها أحد العسكريين رفيعي المستوى رسالة تهديد قال فيها “إذا جئنا سنضع هذه المرأة على الخازوق“.

وفي عام 1999 استقالت من الحزب، وانضمّتْ إلى الجناح الجديد لحزب الفضيلة بقيادة عبدالله غول ورجب طيّب أردوغان، لكن بعد أربعة أشهر خيب هذا التشكيل آمالها لأنه حافظ على الخطوط الأساسية للحزب الإسلامي.

ًأكشنر تقود مجموعة منفصلة عن الحزب الوطني للحركة القومية المتطرفة التي عانى جناحها الشبابي والذي عرف باسم "الذئاب الرمادية" من العنف الفاشي منذ عقود. ولذلك توصف هذه السيدة بأنها قومية عتيدة، ومحاربة سياسية مخضرمة، تهجمت عليها المعارضة والحزب الحاكم معا

الرمادية العنيفة

من وجهة أكشنر فإن حزب العدالة والتنمية المنشق عن الفضيلة ما هو إلا امتداد للأحزاب الإسلاميّة السّابقة التي كانت تُغلق بعد كل انقلاب عسكري، لذلك انتقلت إلى حزب الحركة القومية، الذي رشحها للانتخابات المحليّة عن بلدية إسطنبول لكنها خسرت إلا أنّها نجحت في الانتخابات وصارت عضوا عن الحزب في المجلس. وكانت نائبة للمجلس لدورتيْن بترشيح وتذكية من الحزب الحاكم.

وبعد مسيرة طويلة من العمل داخل أروقة الحزب القومي، أعلن خليل أوزتورك رئيس اللجنة التأديبية المركزية في شهر سبتمبر 2016 طردها من الحزب الذي دخل في شراكة مع الحزب الحاكم.

أُطلق عليها اسم “آثانا” وهي بحسب الأساطير “مستذئبة تركية أنجبت 10 ذكور نصفهم بشر ونصفهم ذئاب“. والتفسير السياسي لهذا اللقب أن أكشنر كانت تقود زمرة منفصلة عن الحزب الوطني للحركة القومية المتطرفة التي عانى جناحها من الشباب المعروف باسم “الذئاب الرمادية” من العنف الفاشي منذ عقود.

وإن كانت هي تفضِّل أن توصف بـ“هيلاري كلينتون” توصف أيضا بأنها قومية عتيدة، ومحاربة سياسية مخضرمة، نالت منها المعارضة وكذلك الحزب الحاكم والأخير اتهامها بأنّها على صِلَة بجماعة حركة التي يتهمها الرئيس التركي بأنها كانت خلف الانقلاب الأخير الفاشل، إلا أنها لم تهتم بالأمر، واعتبرته “هراء” لأنها تعلم موقفها جيدا.

كما أنها ليست مؤيدة للأكراد، بل هي متشددة ضد الانفصاليين الأكراد، كما أنها لا تنتمي للتيار الإسلامي لكنها “مسلمة تقيّة” كما تصف نفسها، ولها صلات مع كبار حزب العدالة والتنمية الحاكم. وتقول إنها “ستسمح لثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا بالبقاء في البلاد“، ولكنْ لديها مخاوف “غير محدّدة حيال وجودهم“.

انضمام أكشنر إلى الجناح الجديد لحزب “الفضيلة” بقيادة عبدالله غول ورجب طيّب أردوغان، جعلها تكتشف حقيقة المشروع عن كثب، إذ بعد أربعة أشهر فقط، خيب هذا التشكيل آمالها لأنه حافظ على الخطوط الأساسية للحزب الإسلامي، كما تقول

لا تقتصر معارضتها على تدخلات العسكر في السياسة، وهو الأمر الذي أعطاها مصداقية جادَّة بين الإسلاميين، بل كان لها موقفها المشهور ضدَّ رئيس حزب الحركة القومية بهجلي، فقادت جبهة ضده لإقصائه عن رئاسة الحزب في انتخابات العام الماضي، ووصفته بأن ولاءه للحزب الحاكم أكثر من ولائه للمعارضة، وبالفعل كادت أن تطيح به، إلا أنّ الحكومة تدخلت ومنعت إقامة مؤتمر للمنشقين عن الحزب.

وفي أثناء التعديلات الدستورية الأخيرة قادت أكشنر حملات “لا” ضد التعديلات الدستورية في مواجهة حملة “نعم” التي رفعها حزب العدالة والتنمية، وخرجت في مسيرات حاشدة لتعزِّز من “لا“.

وبعد نتائج الاستفتاء التي ذهبت لصالح “نعم” مازالت أكشنر على تويتر لا تعترف بنتائجها. وتعبيرا عن احتجاجها كانت ترفع دوما علامة “الذئب الرَّمادي” في المسيرات الجماهيرية، وهي التي استخدمتها بعد انشقاقها عن حزب الحركة القومية، لكن في الفترة الأخيرة استبدلت ذلك برفع كفها المُزيّن بالعلم التركي بالحنّة.

تعرضت لمواقفها المعارضة لتهديدات كثيرة سواء من العسكريين من قبل أو من الإعلام الموالي للحكومة، فقد هاجمتها وسائل الإعلام باتهامات “داعرة” حول حياتها الخاصّة، كما تلقت تهديدات بالقتل. أكشنر تعتبر محاولات تلطيخ سمعتها والتهديدات الموجهة إليها حملة مُمنهجة لتخويفها، تقول “لقد حاولوا في أبريل 2016 جعلي أتراجع لكني لم أفعل“.

مستقبل تركيا "الجيد"

بعد بروز صوتها كمعارضة شرسة وصفتها مجلة تايم في تقرير لها بأنها “المرأة القوية التي لم تقبل أن تدخل الحريم السلطاني“، وأشادت بدورها البطولي وحاجة تركيا إلى معارض قوي بسبب ضعف رؤساء الأحزاب المتنافسة وعدم قدرتهم على الفوز بالانتخابات منذ خمسة عشر عاما، ومن ثمّ الضرورة تقتضي وجود معارض قوي، إلا أنها خشيت عليها من مصير الكردي صلاح الدين ديميرتاش، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي اليساري.

التعديلات الدستورية الأخيرة قادت أكشنر ضدها حملات "لا" في مواجهة حملة "نعم" التي رفعها حزب العدالة والتنمية، وخرجت في مسيرات حاشدة لتعزِّز من تلك الـ"لا". وبعد نتائج الاستفتاء مازالت أكشنر على تويتر لا تعترف بنتائجها

شعار الحزب شمس صفراء ذات ثماني أشعة على خلفية زرقاء، وأصل هذا الشعار كان قد استخدمه مندريس توريل في عام 2004 في الدعاية الانتخابية أثناء ترشحه عن حزب العدالة والتنمية، رئيسا لبلدية أنطاليا، وبعد أن فاز في الانتخابات وصار رئيسا لبلدية مدينة أنطاليا، صار يستخدم هذا الشعار “المستقبل الجيد”، وقالت أكشنر إن شعار الحزب الجديد سيستخْدِم نفس شعار الشمس الذي كان يستخدمه توريل ومازال يستخدمه على مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا رمزيته كما تعتقد.

لكن في الحقيقة الشعار يكمله اسم الحزب. فكتابة الاسم بالتركيّة في أول ونهاية الكلمة تشكل عمودين بارزين، وهو ما يتوازى مع شعار قيبلة “قاييه” في الدولة العثمانية، وبالعمودين والشمس يكتمل الشعار، وهو الأمر الذي أثار المراقبين، بأن المعنى الباطني الذي يشير إليه الشعار، يُوحي بالانحياز إلى قبيلة واحدة، في حين أن القوميّة التركية مُتشكِّلة من قبائل وعناصر مختلفة، وهو ما يعني أن الأهداف التي أعلنت عنها الزعيمة الجديدة في مؤتمر التدشين غير مُتحقّقة فعليًا، فإذا كانت هي تأخذ على الأحزاب الأخرى عنصريتها، فإنها لا تقل عنهم عنصرية، في إقصاء قطاع عريض من القوميات التركية التي تحمل الجنسية التركية.

الغريب أنه قبل أن يمرَّ يوم من تدشين الحزب الجديد رفع أعضاء جميعة “عثمان غازي يورك توركمان” دعوى جنائية ضدّ أكشنر. وبالمثل خرج كاظم دومان رئيس جميعة “قاييه” بأسكيشهر وقال إننا “منزعجون من هذا الأمر، وغير مرتاحين لاستخدام رمز قاييه“، وأضاف “ربما لميرال هانم وجهة نظر سياسية خاصة لاختيار هذا الشعار. وسنفعل كل ما بأيدينا، فقد تكون هناك أعلام قاييه في كل مكان، لكن استخدام حزب سياسي له يزعجنا“.

تأسيس سري

التفاصيل النهائية للحزب أو الهيئة المشكِّلة له، ظلت سريّة حتى اللحظات الأخيرة. وفي اليوم السابق لتدشين الحزب، تمّت دعوة الأعضاء المؤسّسين لوليمة طعام، حيث قالت أكشنر في كلمتها أمام أنصارها إن هدفها هو تحقيق العدل ورفع الظلم كما أنها تراهن على الشباب وقد خصّتهم بعبارات تحثهم على العمل والإقدام قائلة “هدفنا جلب شبابنا للعمل والحق في الحياة والمساواة بين نسائنا وتحقيق السَّلام والأمن لشعبنا المُسْلم والسعادة والصحة لأطفالنا ووحدتنا وتضامننا مع أمتنا.

ونحن ندرك أنّنا بصدد طريق صعب وصعب. ونحن نؤمن بالقومية وكلنا ثقة بثمانين مليون. نحن أمة عظيمة. نحن اقتصاد عظيم. نحن نعمل وننتج”. واستكملت قائلة “سنكون بجانب شعبنا المظلوم، وسنسلط الضوء على القواسم المشتركة بيننا، وليس على اختلافاتنا”.

مجلة التايم تصف أكشنر، بعد بروزها كمعارضة شرسة، بأنها “المرأة القوية التي لم تقبل أن تدخل الحريم السلطاني”، مشيدة بدورها البطولي ومؤكدة حاجة تركيا إلى معارض قوي

ومن الأهداف التي جعلها الحزب الجديد منهجا له في منظومة العمل الحزبي، وضع اقتصاد تركيا ضمن أول عشرة اقتصادات في العالم. وأن يصل متوسط الدخل القومي إلى 14500 مليون دولار وأن يصل متوسط التعليم إلى 11 عاما، وأن يصل معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للنساء تحت الأربعين عاما إلى 100 بالمئة خلال خمس سنوات، وكذلك خفض نسبة البطالة إلى 8 بالمئة بنهاية الخمس السنوات الأولى، وأيضا أن يكون لتركيا جواز سفر يليق بها.

إضافة إلى التوسُّع في الرقعة الزراعيّة بمعدل 150 ألف هكتار لتكون صالحة للزراعة، وفي الوقت ذاته محاربة تجريف الأراضي. وتحديد السنوات الخمس كمرحلة أوليّة لتحقيق الأهداف، وهو ما يشير بطرف خفي إلى منافستها لحملة الحزب الحاكم وشعاراته تركيا الجديدة 2023، في الذكرى المئوية لقيام الجمهورية.

رد فعل العدالة والتنمية

السّياسيون الأتراك تباينت مواقفهم من الحزب الجديد، ففي أوّل ردّ فعل صدر عن نائب رئيس الحزب العدالة والتنمية أوز نور شيلك قال “إن هذا الحزب لا يَفْرِقُ عن الحزب الذي أسّسه إسماعيل جام، وهو 64 نائبا انفصلوا عن حزب اليسار الديمقراطيّ عام 2002”، ثمّ تساءل مُسْتنكرا “ما الفرق بين الحزبين؟” وقال “إن الحزب هو منظمة سياسية يمكن أن تلمسها في انغماسها في المشاكل الداخلية، والأكثر أهمية للحزب هو أن يكون لك سند وخلفية من الشعب. وحزب العدالة والتنمية هو أكبر الأحزاب ولديه دعم قويّ من الشعب”.

أما أركان أكشاي نائب رئيس حزب الحركة القوميّة فقال في بيان له بعد الاستقالات الجماعية “إن استقالة الأطراف المشاركة في الحزب الجديد أمر جيّد بالنسبة إليهم”. ومن أشهر السياسيين المنضمين للحزب أميت أوزداغ نائب غازي عنتاب، ونوري أوكتان نائب أسبرطة، وإسماعيل أوك نائب بالكثير، وأيتون شراي نائب إزمير، وجيهان باتشجي رئيس حزب الحركة القومية السابق، ودورمش يلماز رئيس البنك المركزي السابق، وغيرهم من الأسماء التي لها حضور سياسي بارز.

يتساءل الأتراك: هل سيشكل تصعيد ميرال أكشنر نقلة نوعية في الحياة السياسة التركية؟ أم أنها ستلاقي مصير من سبقوها ما بين الفشل أو المواجهة الصدامية مع أردوغان؟

12