"ميرامية" فيلم مفتوح وحر كما الذاكرة وكما الحلم

الجمعة 2014/06/13
فيلم عن نكبات الفلسطيني/ السوري

دمشق - أبو الطيب الشخصية الرئيسة في الفيلم عاش نكبة أهاليه عام 1948 ونكبة الثورة الفلسطينية في ثمانينات القرن الماضي.

إلا أن نكبته الحقيقية هي لحظة خروجه من سوريا، البلد الذي كان بمثابة الأوكسجين بالنسبة إليه. أبو الطيب الذي لجأ إلى لبنان تعيده ذكرياته إلى زمن العمل الفدائي هناك، فهو لا يرى في لبنان إلا محطة ترانزيت تكاليفها غالية.

فإما انتظار العودة إلى سوريا بعد أن كانت رغبته العودة إلى فلسطين، أو الهجرة لإنقاذ عائلته من براثن الحروب في المنطقة.

يتخذ الفيلم تدريجيا سبيلا لولبيا، يتصدع العالم الذي ظَن الأب والإبن أنه متين ومتماسك، يتصدع وينهار، ويعرفان، في صمت وفي الجزء الأعمق من ذواتهما، إنهما لن يهنآ ولن ينجوا، وان عالمهما لن يتماسك ثانية، تُلح على الأب ذاكرة تتفجّر وتتشظى في كل اتجاه، ذاكرة تكشف عن ماض نضالي وماضي وطن.

هذا الماضي الذي لا يذهب بل يظل حيا ومؤثرا في حياة الفرد في حاضره ومستقبله، محددا وجوده وكينونته، فثمة حدّة وكثافة عاطفية في الحوار بين الأب والابن.

تتفادى الميلودراما والوجدانية من خلال تشذيب الأحداث الأساسية، والتباس الصمت في الحيّز السردي. لنشاهد القليل جدا، من الأماكن وذلك هو أكثر مما يعرفه أغلب الناس عن المنطقة. إن مناقشة المضمون السياسي للفيلم كانت بوجه عام تفتقر إلى الحماسة. فالمخرج لا يبدو في عجلة من أمره للوصول إلى نتائج سريعة، مع ذلك، من الواضح إن هناك شيئا متفجرا في حقيقة وجود فيلم (فني) يحمل وجهة نظر فلسطينية، يتم بناؤها في تركيبات متشظية يخلطها هاني مثلما يفعل الحاوي مع ورق اللعب.

وهو سوف يعرض جزءا من الحدث ثم ينتقل إلى شيء آخر قبل أن يعود إلى الجزء السابق بعد مشاهد قليلة لاستئناف القصة أو أخذها إلى مدى أبعد.

فيلم مفتوح وحر كما الذاكرة، كما الحلم. الماضي والحاضر يتداخلان. الذاكرة تخترق تخوم الأزمنة والأمكنة، الواقع والتاريخ، الحقيقة والتخيّل. مع الصور الذاتية والموضوعية، الخاصة والعامة، فالأجزاء التي يتذكر فيها الراوي، في لحظة بالغة من الأزمة، تسبب له وجعا حتى اللحظة الأخيرة.. تملؤه بالحزن والقلق.

فيلم آخر أكثر غنى وامتلاء سوف يتولّد في ذهن المتفرج.. هذا الذي سوف يكمل ما تركته الشاشة ناقصا، وغير مكتمل. نوع ديمقراطي جدا من السينما والذي يترك الكثير من المساحة والحرية للمتفرج في المشاركة.

كل متفرج يأتي حاملا مشاعره ومداركه الخاصة تجاه مادة الفيلم، أعتقد أن درجة معينة من الغموض تكون ثمينة، لأنه يتيح للمتفرج أن يملأ أو يضيف بنفسه إلى التجربة البصرية مختلف التفاصيل الضرورية.

لكن ثمة مجازفة أيضا في هذه العملية، فإذا كانت مخيلة المتفرج غير كفوءة أو ليست بمستوى المهمة، فإن الفيلم عندئذ سوف ينهار على نفسه.

وفي الانتظار يبقى نبات “الميرامية” مع الفلسطيني أينما حل، كأن هذا النبات يعيش تلك النكبات المتلاحقة التي توارثها الفلسطيني جيلا بعد جيل.

16