ميردوخ يعترف بأن الصحف تسير بين ألغام العصر الرقمي

عاد الحديث مجددا عن الأزمة التي تواجه الصحف المطبوعة وتهدد بقاءها، مع تصريحات قطب الإعلام روبرت ميردوخ التي اعترف خلالها بخطورة التحديات التي تواجهها صحفه في ظل هيمنة فيسبوك وغوغل على الإعلانات، وتقديمهما محتوى مجانيّا.
السبت 2017/11/18
نهاية عهد القراءة التقليدية

واشنطن - لطالما جادل خبراء وباحثون بأن الصحافة التقليدية تستطيع المواجهة والمنافسة في العصر الرقمي، وترسيخ مكانتها بالمحتوى المبتكر واستعداد القراء لدفع ثمن الصحافة الجيدة، إلا أن أحد أباطرة الإعلام اعترف بصعوبة تحقيق الأمر ومدى ارتفاع كلفة إبقاء الصحافة الورقية على قيد الحياة بوجود فيسبوك وغوغل.

وأكّد روبرت ميردوخ خلال حديثه في الاجتماع السنوي العام لشركة نيوز كوربوريشن العملاقة في لوس انجليس مساء الأربعاء، أن مؤسسة “نيوز كوربوريشن” لا تفكر في توسيع إمبراطوريتها الصحافية، وقال إنّ بعض صحفه تواجه صعوبة مع الإعلانات الرقمية على شبكة الإنترنت.

ويطرح هذا التصريح التساؤلات حول مستقبل الصحافة الورقية، واستعداد المستثمرين للتفكير في دخول مشاريع صحافية في سوق مريضة تعاني الكساد باعتراف أحد أكثر أباطرة الإعلام هيمنة في هذا المجال، والذي نفى أي نية في الاستحواذ على صحف جديدة، ورد على سؤال حول تطلع الشركة إلى شراء المزيد من الصحف بالقول “لا، نحن منشغلون جدا بإحياء صحفنا الحالية. أعتقد أننا نجحنا في الحفاظ على الصحف الوطنية الثلاث الكبرى؛ صحيفة وول ستريت، وصحيفة التايمز في لندن وصحيفة الأستراليين، والصحف الأخرى، الكثير منها لا يزال لديه القابلية للعمل بنجاح، لكنه يكافح”.

ميردوخ: حققنا تقدما جيدا في استبدال عائدات الإعلان المفقودة في الصحف الرئيسية، بيد أنه مازال يمثل مشكلة كبيرة

وتنشر مؤسسة “نيوز كوربوريشن”، الصحف الاسترالية بما في ذلك صحيفة ديلي تلغراف، وهيرالد صن، وكوريير ميل؛ إضافة إلى نيويورك بوست، ويو كيه، وصن.

وأشار ميردوخ إلى جهود الإدارة بقيادة روبرت تومسون لتحدي شركات رقمية عملاقة مثل غوغل وفيسبوك، اللتين تمكنان القراء من الاطلاع مجاناً على محتوى مطبوعاتهما.

وأضاف رئيس مجلس إدارة شركة “نيوز كوربوريشن” البالغ من العمر 86 عاما، “إننا حتى الآن حقّقنا تقدمًا جيدًا في استبدال عائدات الإعلان المفقودة في الصحف الرئيسية، بيد أنه مازال يمثل مشكلة كبيرة”.

وقالت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير سابق هذا العام إن عائدات الصحف المطبوعة هي الأسوأ منذ العام 2009، إذ يواجه قطاع الصحف انخفاضاً متسارعاً في عائدات الإعلانات المطبوعة، وضغوطاً كبيرة في السوق، مما اضطر بعض الناشرين إلى اعتماد سياسة تخفيض التكاليف، وإدخال تغييرات جذرية على النسخ المطبوعة. وذكرت الصحيفة أن الإنفاق العالمي على إعلانات الصحف المطبوعة قد انخفض بنسبة 8.7 في المئة في عام 2016، أي ما يعادل 52.6 مليار دولار أميركي، وفقاً لأرقام شركة “غروب إم” المتخصصة في شراء الإعلانات، والتي أشارت إلى أن ذلك الانخفاض هو الأكبر منذ الركود الاقتصادي في عام 2009، حين انخفض الإنفاق بنسبة 13.7 في المئة.

ورأت أن هذا الانخفاض ستكون له انعكاسات سلبية، على كبار الناشرين حول العالم، مما قد يزيد من الضغوط عليهم من أجل تعزيز الإيرادات الرقمية أو الإسراع للتعويض عن الإيرادات المفقودة، وصولاً إلى إعادة النظر في شكل المطبوعات ومحتواها.

واعتمدت صحف مثل الغارديان وديلي ميل استراتيجية تقليص عدد الوظائف وتسريح المئات من الموظفين، بينما اتجهت العديد من الصحف العالمية العريقة إلى تقليص التكاليف للتأقلم مع الواقع الجديد، منها نيويورك تايمز ووول ستريت التي أعلنت عن إعادة هيكلة أقسام نسختها الورقية عبر دمجها وتخفيض التكاليف، مما سيساعد الصحيفة على الاستمرار طويلا. وتعمل حالياً بمجهود كبير على زيادة عائداتها الرقمية حتى عام 2020.

وأشارت وول ستريت إلى تراجع اهتمام المستثمرين بالصحف الورقية في العقد الأخير، بسبب شيخوخة القراء، والحاجة إلى تمويل مبادرات رقمية، بالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للبيانات والتحليلات الرقمية في عملية التخطيط لوسائل الإعلام، كما قرر ناشرون التخلي عن الإعلانات منخفضة الأسعار، والتطلع نحو عروض إعلانية مربحة أكثر، مع اتجاه المعلنين نحو السوق الرقمية والمحتوى البصري والفيديوهات.

ورغم ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن عائدات الإعلانات الرقمية لا تنمو بالشكل الكافي لتعويض الانهيار في النسخ المطبوعة من الصحف، مما سيفاقم أزمات الصحف.

ويشير متابعون إلى أن بيل غيتس مؤسس عملاق البرمجيات مايكروسوفت كان محقا في تكهنه بالأزمات التي تلاحق الصحف المطبوعة، إذ نصحها قبل سنوات عديدة بالاهتمام بمواقعها الإلكترونية إذا أرادت الحفاظ على قرائها.

واعتبر أن الموقع الإلكتروني بات أساسيا للمؤسسات الصحافية، ورجح أنه خلال سنوات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة سيقرأ 40 إلى 50 بالمئة من الناس الصحف على الإنترنت وسيستغنون عن الصحف الورقية تمامًا.

8.7 في المئة نسبة انخفاض قيمة الإنفاق العالمي على إعلانات الصحف المطبوعة في عام 2016

وتشير الأرقام إلى انخفاض توزيع الصحف البريطانية إلى معدل النصف في السنوات العشر الماضية، بسبب صعود الإنترنت، وجمهور القراء الأصغر سنا الذي لم يعتد تقاليد القراءة التقليدية للصحف، فجهازه اللوحي أقرب إليه من الصحيفة الورقية وإن تقلص حجمها إلى النصف، وعدد هذا الجمهور يتضاعف مقابل جمهور “ورقي” يقل عدده بنفس مقدار تصنيع الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية.

ويرى معلقون أنه ليس أمام الصحف إلا إدراك معادلة أن اقتناء جهاز ذكي جديد يقابله فقدان قارئ ورقي.

ويعتقد المدير التنفيذي لشركة غوغل العالمية، إيريك شميدت، أن التركيز على محتوى معين في الصحافة الورقية يمكن أن يساهم في استعادة جزء من الجمهور الذي فقدته.

ويقول في كتابه “العصر الرقمي الجديد” إن القراء في المستقبل سيركزون بالأساس على التحليلات المعمقة التي تصدر عن خبراء ومختصين، وتهتم بأبعاد الأحداث وانعكاساتها، والتي لا يمكن تخصيص أماكن لها في الإعلام الإلكتروني نظرًا لطبيعة القارئ هناك. وأضاف شميدت أنه يجب التركيز في الإعلام المطبوع على الصحافة الاستقصائية المستندة إلى الوثائق والإثباتات وتهيئة الكوادر الضرورية لهذا المضمار. ويعتبر خبراء إعلام أن المشكلة أكبر بالنسبة للصحف العامة غير المتخصصة، فقد لا تستطيع تجاوز التباطؤ طويل الأمد في صناعة الصحف المطبوعة حتى لو تبنت نموذج المحتوى الإلكتروني المدفوع.

ويشير جوشوا بنتون، المدير المؤسس لمركز نييمان للصحافة في جامعة هارفارد، إلى أن الصحافة المتخصصة وخاصة المالية والاقتصادية منها قد تنجح في هذه السياسة، بالإضافة إلى المؤسسات الإخبارية التي تستهدف أسواقاً محددة.

لكن من جانب آخر، يمكن أيضاً أن يتخلى عنها القراء ويتجهون إلى المحتوى المتوافر مجاناً.

ويضيف “تواجه وسائل الإعلام الأميركية التي تنوي فرض اشتراك على خدماتها المقدمة على الإنترنت قائمة طويلة من المنافسين الجاهزين لتقديم خدماتهم للقراء مجاناً، وبالتالي استقطاب المزيد من الحركة إلى مواقعهم الإلكترونية، وهذا هو السبب الحقيقي الذي يمنع الصحف من التحول إلى سياسة المحتوى المدفوع نظراً للتخوف من تأثر العلامة التجارية التي بنتها على مدى سنوات طويلة نتيجة البدائل المجانية الموجودة في السوق”.

18