ميركل آخر الحصون في وجه الشعبوية

الاثنين 2016/12/05
صامدة أمام الشعبوية

برلين- كان هناك متسع من الوقت، على الفور بعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، عندما خشي العديد من الفرنسيين من ألمانيا، أما اليوم فيتم عكس الأدوار، فالألمان هم الذين يخشون كثيرا من فرنسا. في أعقاب استفتاء بريكزيت في يونيو الماضي في المملكة المتحدة وفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، يمكن أن تقع فرنسا، أيضا، ضحية للقوى الشعبوية المدمرة، إذا اختار الناخبون التصويت لفائدة اليمينية المتطرفة مارين لوبن زعيمة الجبهة الوطنية لتكون رئيسة للبلاد لفترة مقبلة.

رضي الألمان برؤية أنجيلا ميركل التي أشارت إليها وسائل الإعلام الأميركية بأنها “آخر المدافعين عن الغرب الليبرالي” وجعلت ألمانيا بمثابة جزيرة مستقرة وسط محيط من الفوضى، ولكن شيئا واحدا يجعها تُوصف بأنها أفضل تلميذ في الصف – ألمانيا متعودة على ذلك؛ إنه أشبه بشعور التلميذ الوحيد الذي يظهر على الإطلاق. ومنذ فوزه، لم يفعل الرئيس الأميركي المنتخب شيئا يذكر لتهدئة القلق المتزايد، سواء في الداخل أو في الخارج. يفسر المساهمون في بروجيكت صنديكايت لماذا هناك ما يبرر هذا الخوف.

مع خروج الولايات المتحدة، هناك بالفعل عدد قليل من التلاميذ لائقين من الباقين. رغم أن ترامب تراجع عن بعض وعوده الأكثر راديكالية التي كان يطلقها خلال الحملة الانتخابية، ومن غير المرجح أنه سوف يتخلى عن نهج “أميركا أولا”. ونتيجة لذلك، قد تكون الولايات المتحدة على وشك قطع حاسم مع العالمية والمشاركة الدولية التي ميزت توجهاتها خلال السبعين عاما الماضية.

فرنسا ليست بحاجة إلى منافسة القوة الاقتصادية لألمانيا. ما يمكن أن تقدمه في الوقت الحاضر على الأقل هو الأهمية. بما أن أوروبا تواجه مجموعة من التهديدات الخارجية

الوضع ليس أفضل في أوروبا. تسير بولندا على خطى المجر غير الليبرالية. قد تكون النمسا، الجارة الأخرى لألمانيا، على وشك انتخاب نوربرت هوفر من حزب الحرية اليميني المتطرف القومي رئيسا للبلاد. كما أن البريطانيين في طريقهم إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بشكل تام. ولكن لا شيء من هذا سوف يشكّل رجة لألمانيا أكثر من انتخاب مارين لوبن رئيسة في فرنسا. ومن شأن فوز لوبن أن يعادل التخلي ليس فقط عن ألمانيا، ولكن أيضا عن القيم والمبادئ والمعايير التي مكنت ألمانيا من التصالح مع نفسها وجيرانها، بدءا من فرنسا. وربما أدى إلى قطع المحور الفرنسي-الألماني الذي يدور حوله الاتحاد الأوروبي.

ما هو مطلوب الآن هو العكس تماما: إعادة تعيين العلاقات الفرنسية الألمانية. الحقيقة أن ألمانيا وفرنسا لم تلعبا في نفس الرابطة لفترة من الزمن. لا يقتصر الأمر على أن ألمانيا أصبحت قوية جدا، على ما تبدو عليه منذ فترة ما بعد التوحيد، ولكن بدلا من ذلك فرنسا أصبحت ضعيفة للغاية، وتركت ألمانيا تقود طريقة معالجة أزمات لا تحصى ولا تعد في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

وينظر إلى ألمانيا على نطاق واسع باعتبارها القوة المهيمنة في أوروبا. وكان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قد وضع شعلة الديمقراطية بيد ميركل خلال جولته الرسمية النهائية له في أوروبا، بعد فوز ترامب. لكن ميركل لا يمكنها حمل شعلة بمفردها، يجب أن تقف فرنسا إلى جانب ألمانيا، كما فعلت في السابق. ولكي يحدث ذلك، يجب أن تكون فرنسا، منتصبة القامة، قوية، واثقة، كما هو حال ألمانيا في الوقت الحاضر. يجب أن تجدد نفسها، مسترشدة بقيمها الخاصة التي تستند إليها منذ فترة طويلة، القيم التي لا تشاركها لوبن والجبهة الوطنية.

فرنسا ليست بحاجة إلى منافسة القوة الاقتصادية لألمانيا. ما يمكن أن تقدمه في الوقت الحاضر على الأقل هو الأهمية. بما أن أوروبا تواجه مجموعة من التهديدات الخارجية، مثل الاضطرابات في الشرق الأوسط والمغامرة الروسية، والتحديات الداخلية، مثل الإرهاب الداخلي والأمن والدفاع، والتي لا يمكنها أن تحتل المقعد الخلفي وراء السياسة الاقتصادية، في هذه المجالات، تمتلك فرنسا مزايا نسبية حقيقية. ونظرا للمخاطر التي تواجه أوروبا، ناهيك عن النزعة الانعزالية لترامب، يبدو أن العلاقة الفرنسية الألمانية سوف يتم إيلاؤها المزيد من الأهمية الإقليمية والعالمية. مع تولي لوبن لموقع المسؤولية، من شبه المؤكد أن هذه العلاقة سوف تواجه معاناة تقود الأحداث في اتجاه خطير.

ولكن نظرا للاضطرابات الانتخابية التي حدثت في الآونة الأخيرة، ربما لن يكون الألمان مطمئنين حتى بعد أن يتم فرز الأصوات. بعد كل شيء، إذا تمكنت لوبن من النجاح في نظام الإعادة في فرنسا، سوف تكسب ولاية قوية وحقيقية لتنفيذ السياسات التي تخالف كل شيء في ألمانيا ما بعد الحرب، بل والاتحاد الأوروبي، الذي من المفترض أنه يمثلها.

بالطبع، تواجه ألمانيا تحديات سياسية خاصة تحتاج إلى التغلب عليها، مع قرب الانتخابات الاتحادية المقررة في أكتوبر المقبل. وأشارت الانتخابات الأخيرة إلى أن المزاج الشعبي ينتابه شعور بالريبة من الانفتاح، وخاصة من مسألة اللاجئين، وهو ما جعل النظير الألماني لحزب الجبهة الوطنية الفرنسي، وهو “البديل من أجل ألمانيا”، يحقق تقدما كبيرا في بعض المناطق.

7