ميركل زعيمة العقلانية الغربية الأخيرة وليست لألمانيا فقط

اليمين المتطرف المتنامي في أوروبا عقب تمكنه من تحقيق استقطاب شعبي جسدته نتائج استطلاعات الرأي والانتخابات الأميركية، التي كان نتاجها وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، لا يحجب قدرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على مواجهة المد الشعبوي والدفاع عن القيم الغربية، حيث يصفها أنصارها وأنصار القيم الحرة، بعد تجديد ترشيحها لمنصب المستشارة، بزعيمة العقلانية الغربية الأخيرة.
الاثنين 2016/11/21
زعيمة العالم الحر

برلين – أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الأحد، ترشحها لولاية جديدة في منصبها، في خطوة اعتبرها أنصارها بمثابة الحصن الأخير في مواجهة صعود اليمين الشعبوي في أوروبا، والذي عكسه قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية.

وتمكنت أنجيلا ميركل (62 عاما) ابنة القس التي نشأت خلف الستار الحديدي، من الارتقاء خلافا لجميع التوقعات إلى السلطة في ألمانيا، حيث سجلت أطول حياة سياسية بين جميع القادة الغربيين.

ويُنظر إلى الزعيمة المحافظة، التي تبلغ من العمر 62 عاما، على نطاق واسع على أنها قوة استقرار في أوروبا في وقت تسود فيه الضبابية وتحشد الأحزاب اليمينية في أكثر من دولة أوروبية قواها للانقضاض على السلطة.

ويرى محللون أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعد آخر مدافع قوي عن القيم الغربية، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأميركا، إلا أن المقربين منها يقولون إنها تشعر بالتعب بعد 11 عاما في السلطة، وإنها على ما يبدو تحت الحصار من جميع الاتجاهات.

وتتعرض ميركل لضغوط من نفس القوى التي صعدت بترامب في أميركا، والتي يغذيها تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتدفع نفس القوى حاليا الشعبوية ماريان لو بان في فرنسا.

ولم يكن أحد يتصور في خريف العام 2005، بعد فوزها الشاق على المستشار الاشتراكي الديمقراطي اللامع غيرهارد شرودر، أن تحصل المسؤولة المحافظة التي تفتقر إلى الكاريزما، من مجلة “فوربز” على لقب “أقوى امراة في العالم” على مدى ست سنوات على التوالي.

ونجحت أنجيلا ميركل التي باتت برأي أنصارها “زعيمة العالم الحر” بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة، خلال أحد عشر عاما من السلطة، في فرض أسلوبها بالخارج المختلف عن الأنماط المعروفة، وهو أسلوب يمزج بين الذكاء الشديد في خوض علاقات القوة، والبراغماتية القصوى التي تحمل أحيانا على اتهامها بعدم امتلاك قناعات، والافتقار إلى البراعة الخطابية.

واعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن ميركل هي “المدافع الأخير عن القيم الإنسانية للغرب”. وقد دافعت عن سياستها السخية حيال الهجرة وذكرت دونالد ترامب مؤخرا بوضوح بأهمية القيم الديمقراطية.

ورغم أن نظراءها السابقين يغيبون عن الساحة الدولية مثل جورج بوش وتوني بلير وجاك شيراك وسيلفيو برلوسكوني، إلا أنها لا تزال تمسك بزمام السلطة في ألمانيا، حيث أعلنت، الأحد، ترشحها لولاية رابعة في المستشارية.

المستشارة الألمانية ميركل تعد آخر مدافع قوي عن القيم الغربية، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأميركا

ويرى متابعون أن ميركل الملقبة في الصحافة الألمانية بـ”الأم أنجيلا” تيمنا بالأم تيريزا، تبقى من دون منافس في بلدها، رغم أن شعبيتها تراجعت بعدما فتحت أبواب ألمانيا أمام مليون لاجئ ولما تعرضت له من انتقادات في هذا الملف خاصة عقب تعرض برلين إلى هجمات إرهابية تورط فيها لاجئون.

وكانت أنجيلا دوروتيا ميركل المولودة في كاسنر، والتي نشأت في ريف جمهورية ألمانيا الديمقراطية، تعرف قبل ذلك بميلها إلى عدم التصدي للرأي العام.

ميركل الميكيافيلية

سعت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إلى تصوير نفسها على أنها زعيمة تتميز بالاتزان والبراغماتية والتواضع مما أكسبها لقب والدة الأمة الغربية.

ووصل الأمر بعالم الاجتماع أولريش بيك إلى ابتكار مفهوم أطلق عليه اسم “ميركيافيل” لوصف النهج الذي تتبعه، وهي كلمة مركبة من اسم المستشارة والسياسي والمفكر الايطالي ماكيافيل، لوصف أسلوبها في الحكم القائم على مزيج من التريث والحزم.

ورغم أن المستشارة بدت لوقت طويل وكأنها لا تكترث لمقام منصبها، ولا سيما مع قلة اهتمامها بملبسها وعدم اتقانها الفن الخطابي، وهي التي تعيش في شقّة لا تملك وسائل الترف في وسط برلين، إلا أنها أبدت سياسة حازمة في كل الأزمات التي عصفت بأوروبا خاصة أزمة اليورو، فخلف البراغماتية التي تتحلى بها المستشارة، التي يعتبرها خصومها انتهازية كشفت عن آراء ومواقف حديدية.

وأصبحت ميركل، بفضل أزمة اليورو، رمزا للتقشف النقدي، إذ شملت الوصفة التي اعتمدتها للتصدي للأزمة خفضا كبيرا في ميزانيات الدول المتأثرة بالأزمة ورقابة حازمة من جانب الاتحاد الأوروبي، معتبرة هذه السياسات العلاج الناجع للديون المزمنة التي تعاني منها دول جنوب أوروبا.

وتتلخص رسالتها في أن الدول المثقلة بالديون مثل اليونان وأيرلندا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال لن تنجح في العودة إلى التنافسية الدولية إلا بعد أن توازن ميزانياتها وخفض المبالغ التي تنفقها على الخدمات العامة.

وأضهرت المستشارة تشددا صارما، في تعاطيها مع مسألة الديون اليونانية، ولو حرك ذلك في أوروبا الأفكار النمطية القديمة عن النزعة العسكرية الألمانية.

ومما لا شك فيه أن ألمانيا، أقوى اقتصادات أوروبا، هي التي تحملت القسط المالي الأكبر في برامج الإنقاذ التي قدمها الاتحاد الأوروبي للدول الغارقة في الديون، ولذا فإن ميركل هي التي حددت برامج العمل في الجهود التي بذلها الاتحاد الأوروبي لاستعادة الثقة في العملة الموحدة اليورو.

حصن في وجه التحولات

بعد بضعة شهور فقط من ولادة أنجيلا ميركل في مدينة هامبورغ الألمانية الشمالية، اضطر والدها الراهب اللوثري إلى الانتقال بالعائلة إلى أبرشية صغيرة في ألمانيا الشرقية.

ونمت أنجيلا في منطقة ريفية قريبة من برلين في جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية آنذاك، وبرزت فيها مواهب في الرياضيات والعلوم واللغات. وحصلت أنجيلا ميركل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء، ولكنها عملت لاحقا كيميائية في أحد المعاهد العلمية ببرلين الشرقية.

ولم يسبق لها أن عملت في السياسة، ولكن، وفي سن الـ36 عاما 1989، بدأت بالمشاركة في الحركة الديمقراطية النامية في ألمانيا الشرقية. وعندما انهار جدار برلين، حصلت على وظيفة الناطقة باسم الحكومة بعد أول انتخابات ديمقراطية تجرى في ألمانيا الشرقية.

وانضمت إلى الحزب الديمقراطي المسيحي بعد شهرين من إعادة توحيد إلمانيا، وخلال 3 شهور عينت وزيرة للمرأة والرياضة في حكومة هلموت كول.

وأثبتت ميركل نفسها في الحزب، وارتقت بالمناصب حتى اختيرت في عام 2000 لقيادة الحزب وانتخبت أول مستشارة لألمانيا عام 2005.

ويصف متابعون هدوء هذه المسؤولة السياسية التي احتفظت باسم زوجها الأول، ليس سوى واجهة، فسرعان ما فرضت نفسها على الساحة الدولية، إلى حدّ باتت بمثابة حصن في وجه التسلط التركي أو الروسي، والمنحى الانعزالي الذي تتخذه الولايات المتحدة وأزمة ما بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.

6